مغرب 2018: مهرجانات وإصدارات وحصاد جوائز... ورحيل فنانين وأدباء

تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
TT

مغرب 2018: مهرجانات وإصدارات وحصاد جوائز... ورحيل فنانين وأدباء

تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش

تواصلت في سنة 2018، ومن خلال المهرجانات واللقاءات الوطنية والدولية والتظاهرات الكبرى ذات التوجه الأدبي والفني التي نظمت بمختلف ربوع المملكة، حيوية المشهد الثقافي، وميزة التنوع الذي يسم الممارسة الأدبية والفنية في المغرب؛ فيما أعطت «جائزة المغرب للكتاب» صورة عن ثقافة الاعتراف بقيمة المنجز الأدبي المغربي. وبقدر ما نقلت التظاهرات الثقافية المنظمة على مدى شهور السنة، صورة عن حيوية ودينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت 2018 إلا أن تترك حزناً في النفوس، بعد رحيل عدد من الأسماء التي تميزت بمسارها الأدبي والفني.
- مهرجانات دولية
خلال 2018 نظمت بعدد من المدن المغربية مهرجانات ذات صيت عربي وعالمي. ففي أصيلة، نظم «موسم أصيلة الثقافي الدولي»، في دورته الـ40، التي تواصلت في ما بين 23 يونيو (حزيران) و20 يوليو (تموز)، وفية لروح وتوجه هذه التظاهرة المتميزة، سواء من حيث نوعية وتنوع برنامجها، وقيمة المشاركين فيها.
وتضمن برنامج هذه الدورة التي احتفت بأفريقيا ندوات ولقاءات ذات توجه سياسي وفكري وأدبي ضمن فعاليات الدورة الـ33 لجامعة المعتمد بن عباد، وتناولت موضوعات لها راهنيتها، من قبيل «الاندماج الأفريقي: أين العطب؟» و«ثم ماذا بعد العولمة؟» و«الفكر الديني الحاضن للإرهاب: المرجعية وسبل مواجهته»؛ فضلا عن مشغل للصباغة على الجداريات، ومشغل الفنون التشكيلية، ومشغل بيداغوجي لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم، ومشغل كتابة الأطفال، ومعارض متنوعة، وباقة من العروض الغنائية والموسيقية الراقية، وعرض للأزياء التقليدية، في ظل حضور نوعي وجمهور وفيّ متعطش.
كما تضمن برنامج الدورة تسليم جائزة «تشيكايا أوتامسي للشعر الأفريقي»، في دورتها الـ11، للشاعر السينغالي أمادو لامين صال؛ و«جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها السابعة، للكاتب المغربي أحمد المديني؛ و«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، التي فاز بها، مناصفة، الشاعرة المغربية نسيمة الرواي والشاعر التونسي أحمد العربي. وفي مدينة مراكش، عادت عجلة المهرجان الدولي للفيلم للدوران، في دورته السابعة عشرة، التي نظمت في ما بين 30 نوفمبر (تشرين الثاني) و8 ديسمبر (كانون الأول)، وذلك بعد مرور سنة عرفت توقفاً أملته ضرورة التأمل وإعادة تحديد هوية هذه التظاهرة الفنية الكبرى. وأسفرت نتائج المسابقة الرسمية عن فوز الفيلم النمساوي «جُوي» لمخرجته سودابيه مرتضائي بالنجمة الذهبية (الجائزة الكبرى)، فيما ذهبت جائزة الجمهور لفيلم «منظفة الغرف» لمخرجته المكسيكية ليلا أفيليس، وفاز بجائزة الإخراج، الصربي أوغنين غلافونيتش عن فيلم «الحمولة»، وبجائزة أفضل دور رجالي الممثل التونسي نضال السعدي عن فيلم «في عينيا» لمخرجه التونسي نجيب بلقاضي، فيما فازت الممثلة آنيه شفارتز بجائزة أفضل دور نسائي عن فيلم «كل شيء على ما يرام» لمخرجته الألمانية إيفا تروبش.
واقترحت دورة هذه السنة قائمة أفلام ناهزت 80، من 29 بلداً، توزعت على عدة فقرات، شملت «المسابقة الرسمية» و«السهرات المسائية» و«العروض الخاصة» و«القارة 11» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ» و«عروض جامع الفنا» و«عروض المكفوفين وضعاف البصر» و«التكريمات»، فضلاً عن فقرات أخرى، أبرزها «حديث مع...». و«ورشات الأطلس».
ومنحت مشاركة عدد من نجوم السينما العالمية والعربية التظاهرة المغربية إشعاعاً كبيراً، خصوصاً النجم الأميركي روبيرت دي نيرو والمخرج الأميركي مارتن سكورسيزي. وغير بعيد عن المدينة الحمراء، واصلت «مدينة الرياح»، الصويرة، احتضانها مهرجاناتها الثلاثة: «ربيع الموسيقى الكلاسيكية» و«كناوة وموسيقى العالم» و«أندلسيات أطلسية». وركز مهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية»، في دورته الثامنة عشرة، التي نظمت في ما بين 26 و29 أبريل (نيسان)، على الموسيقي الألماني يوهان برامز، مقترحاً 12 حفلاً، دارت حول أعمال المؤلفين الذين يحسبون على المرحلة الرومانسية، من شومان إلى مندلشون، ومن شوبير إلى بيتهوفن، دون نسيان دفورجاك، وبروكوفييف، وبيرنستاين.
من جهتها، تميزت فعاليات «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ21، التي نظمت في ما بين 21 و23 يونيو (حزيران)، ببرمجة غنية ومتنوعة، توزعها الشق الموسيقي بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، ومنتدى حقوق الإنسان، الذي نظم، في دورته السابعة، في موضوع «حتمية المساواة»، وتوزعته أربع قضايا رئيسية: «المساواة، والتمييز، والمناصفة: المفاهيم، والانعكاسات» و«تقدم لا ينكر، وضروب تمييز مستمرة» و«مجتمع في دينامية: مبادرات من أجل حقوق النساء» و«سبل الإصلاح»؛ ومائدة مستديرة في موضوع «الثقافة والإدماج الاجتماعي: ما هو إسهام ائتلاف المدن العربية لمكافحة العنصرية والتمييز وكره الأجانب والتعصب؟»، فضلاً عن فقرة «شجرة الكلمات» وورشات ومعرض فني في موضوع «مركز آلات أفريقيا». في حين كان موعد جمهور مهرجان «الأندلسيات الأطلسية»، في دورته الـ15، التي نظمت في ما بين 25 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، مع لحظات للتفكير والنقاش، وفقرات فنية تشترك في الأداء الراقي، أداها فنانون مغاربة، مسلمون ويهود، تأكيداً على تنوع وتعايش ميزا تاريخ المغرب منذ غابر القرون. وفي مدينة فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، رافعاً، في دورته الـ24 التي نظمت في ما بين 22 و30 يونيو (حزيران)، شعار «معارف الأسلاف»، مقترحا برمجة غنية ربطت بين موروث حرفي فريد تعد ركيزته الأساسية المعطى الروحي، وإبداع معاصر يفتح الباب أمام آفاق جد واعدة، من خلال برمجة موسيقية من أكثر من 20 دولة؛ فيما عرف المنتدى مشاركة باحثين وكتاب وفلاسفة، أبرزوا روح التسامح والتعايش من خلال الفنون والموسيقى، انطلاقاً من 3 محاور أطرت التدخلات؛ شملت «الجماليات والرموز» و«طريقة ونطاق الحياة الاجتماعية» و«فنون وإبداعات». وفي مدينة الرباط، واصل مهرجان «موازين... إيقاعات العالم»، في دورته الـ17 في ما بين 22 و30 يونيو (حزيران)، استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع عشرات الآلاف حفلات فنانين مغاربة وعرب وغربيين.
- مسرح
نظمت فعاليات «المهرجان الوطني للمسرح»، في دورته الـ20، في ما بين 7 و14 ديسمبر (كانون الأول)، بمدن تطوان والمضيق والفنيدق ومرتيل. وأسفرت نتائج مسابقته عن فوز مسرحية «الخالفة» لفرقة «أنفاس» من الداخلة بالجائزة الوطنية الكبرى للمسرح، فيما فازت سارة حمليلي عن مسرحية «نجمة» لفرقة «لايت كوميدي» من المحمدية بـ«جائزة الأمل»، وبـ«جائزة الملابس» نورا إسماعيل عن مسرحية «بيلماون» لفرقة «في آج» من الرباط، وبـ«جائزة السينوغرافيا» رشيد الخطابي عن مسرحية «اتسوض عاوذ» لفرقة «تفسوين للمسرح الأمازيغي» من الحسيمة، وبـ«جائزة أحسن نص مسرحي» يحيى الفاندي عن مسرحية «نجمة» لفرقة «لايت كوميدي» من المحمدية، وبـ«جائزة أحسن تشخيص نسائي» هاجر الشركي عن مسرحية «لمبروك» لفرقة «ستيلكوم» من الرباط، وبـ«جائزة أحسن تشخيص رجالي» توفيق أزديو عن مسرحية «صباح ومسا» لفرقة «دوز تمسرح» من مراكش، وبـ«جائزة أحسن إخراج» أمين غوادة عن مسرحية «بيلماون» لفرقة «في آج» من الرباط. ورغبة في «تطوير العرض الثقافي الموجّه لمغاربة العالم»، أعدت وزارة الجالية المغربية بالخارج وشؤون الهجرة، بشراكة مع «المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية»، برنامجاً تضمن تقديم 51 عرضاً مسرحياً بالأمازيغية بعدد من بلدان الاستقبال، قدمتها 12 فرقة من مختلف جهات المملكة، مثلت مختلف أطياف اللغة الأمازيغية، فيما تميزت عروضها بتنوع أشكالها التعبيرية.
- معرض الدار البيضاء
احتضنت الدار البيضاء، في ما بين 9 و18 فبراير (شباط)، الدورة الـ24 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي استضافت مصر «ضيف شرف»، بمشاركة أكثر من 700 عارض مباشر وغير مباشر من المغرب والخارج. فيما ساهم في برنامجها الثقافي نحو 350 متدخّلاً من المغرب وخارجه.
وخصصت الدورة برنامجاً خاصاً لـ«ضيف الشرف»، وذلك للمكانة الاعتبارية التي احتلتها وتحتلها مصر ضمن الخريطة الحضارية والتاريخية الإنسانية، ولموقعها الثقافي الريادي الذي نَحَته كتابها ومبدعوها في ذاكرة الوجدان العربي.
وشهد البرنامج الثقافي للدورة لحظات أخرى قوية، من قبيل «أمسية الأركانة»، التي احتفت بالشاعر الطوارقي محمدين خواد الفائز بـ«جائزة الأركانة العالمية للشعر»، في دورتها الثانية عشرة، التي ينظمها «بيت الشعر في المغرب»، وحفل تسليم «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة» التي ينظمها «المركز العربي للأدب الجغرافي»، وحفل تسليم «جائزة القراءة» التي تنظمها شبكة القراءة بالمغرب.
- فنون تشكيلية
واصلت المتاحف والأروقة اقتراح معارض فنية، أكدت الدينامية التي يشهدها المشهد التشكيلي المغربي. ومن بين عشرات المعارض المقترحة، يمكن التوقف؛ مثلاً، عند معارض «الشعيبية طلال، فاطمة حسن الفروج، راضية بنت الحسين: رحلة إلى منابع الفن»، و«المتوسط والفن الحديث»، و«أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر» وذلك في «متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر» بالرباط؛ أو المعرض الخاص بالأعمال التشكيلية للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، والذي احتضنه «رواق ماتيس» بمراكش.
- وجدة عاصمة الثقافة العربية
شكلت فعاليات «وجدة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2018»، المنظمة في ما بين 13 أبريل (نيسان) 2018 و29 مارس (آذار) 2019، مناسبة لتسليط الضوء على هذه المدينة المغربية التي تقع شرق المملكة، والتي تكون طيلة سنة كاملة منصة للإشعاع الثقافي العربي، وفضاء للتفاعل المثمر بين الأشقاء في إطار تواصل حلقات العمل العربي المشترك.
- إصدارات
حافظ الكتاب المغربي على دينامية نشره وتداوله، سواء داخل البلاد وخارجها، من خلال منجز بقدر ما توزعته مختلف أجناس الكتابة؛ أظهر أن جديد النشر المغربي وجِدّتَهُ تتقاسمهما الأسماء المكرسة والصاعدة، على حد سواء. واستأنفت مجلة «الثقافة المغربية» صدورها، وهي التي شهدت، على امتداد أعدادها السبعة والثلاثين السابقة، تطورات مرافقة لتطور الحقل الثقافي المغربي، كما سجلت تراكمات مهمة على مستوى الإنتاج الفكري والإبداعي والنقدي، ومتابعات لأهم القضايا الثقافية المستجدة، سواء في المغرب وخارجه.
- جائزة المغرب للكتاب
شهدت دورة هذه السنة من «جائزة المغرب للكتاب» فوز 13 كاتباً في 8 أصناف. يتعلق الأمر بمحمد الناصري عن كتابه «رغبات مدينة» ضمن صنف العلوم الإنسانية؛ وأحمد شراك عن كتابه «سوسيولوجيا الربيع العربي» مناصفة مع محمد براو عن كتابه «مسؤولية الفاعلين في مجال التدبير العمومي أمام مجلس الحسابات» ضمن صنف العلوم الاجتماعية؛ وخالد بلقاسم عن كتابه «مرايا القراءة» مناصفة مع أحمد الشارفي عن كتابه «اللغة واللهجة» ضمن صنف الدراسات الأدبية واللغوية والفنية؛ وعزيز لمتاوي عن ترجمة كتاب «نظرية الأجناس الأدبية» لجان ماري شايفر مناصفة مع سناء الشعيري عن ترجمة رواية «العاشق الياباني» لإيزابيل ألليندي ضمن صنف الترجمة؛ وعبد المجيد سباطة عن روايته «ساعة الصفر» ضمن صنف السرد؛ وصلاح بوسريف عن ديوانه «رفات جلجامش» ضمن صنف الشعر؛ وعياد الحيان عن كتابه «سا أغيرا دار إيليس ن تافوكت» مناصفة مع فاضمة فراس عن كتابها «أسكويت ن تلكاوت» ضمن صنف الإبداع الأدبي الأمازيغي؛ وجمال بوطيب عن كتابه «حور تشرب الشاي مع القمر» مناصفة مع خديجة بوكا عن كتابها «صمتا! إننا نلعب» ضمن صنف الكتاب الموجة للطفل والشباب.
- محمود درويش في الرباط
تأكيداً لعمق العلاقة التي نسجها المغاربة مع محمود درويش، المبدع والإنسان، شكلت الذكرى العاشرة لرحيل شاعر «مديح الظل العالي» فرصة لاستحضار تجربة هذا الشاعر الفلسطيني الكبير، بمساهمة كتاب وتشكيليين، وذلك من خلال مظاهرة كبرى أطلقها «بيت الشعر في المغرب» تحت عنوان «محمود درويش في الرباط»، تضمنت، على الخصوص، ندوة كبرى ومعرضاً تشكيلياً، فضلاً عن صدور عدد خاص من مجلة «البيت» بمشاركة نخبة من الكتاب المغاربة والعرب، تصدرته صورة للشاعر الراحل وعبارة: «محمود درويش: أمشي كأني واحد غيري».
- رحيل كتاب ومثقفين
لم تمر سنة 2018 من دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، والجمهور المغربي، بشكل عام، حزناً على رحيل عدد من الأسماء التي كان لها حضورها في المنجز الأدبي والفني للبلد، بينهم الدكتور محمد بن شريفة؛ أحد أبرز أعلام الفكر في المغرب والعالم العربي في الأدب الأندلسي، والباحث والناقد المتميز محمد أنقار، والفنان التشكيلي حسن الكلاوي؛ أحد مؤسسي الفن التشكيلي بالمغرب، فضلاً عن الشاعر المغربي علي الصقلي الحسيني؛ الشهير بأنه واضع كلمات النشيد الوطني المغربي.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended