مغرب 2018: مهرجانات وإصدارات وحصاد جوائز... ورحيل فنانين وأدباء

تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
TT

مغرب 2018: مهرجانات وإصدارات وحصاد جوائز... ورحيل فنانين وأدباء

تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش
تكريم روبيرت دي نيرو في مهرجان مراكش

تواصلت في سنة 2018، ومن خلال المهرجانات واللقاءات الوطنية والدولية والتظاهرات الكبرى ذات التوجه الأدبي والفني التي نظمت بمختلف ربوع المملكة، حيوية المشهد الثقافي، وميزة التنوع الذي يسم الممارسة الأدبية والفنية في المغرب؛ فيما أعطت «جائزة المغرب للكتاب» صورة عن ثقافة الاعتراف بقيمة المنجز الأدبي المغربي. وبقدر ما نقلت التظاهرات الثقافية المنظمة على مدى شهور السنة، صورة عن حيوية ودينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت 2018 إلا أن تترك حزناً في النفوس، بعد رحيل عدد من الأسماء التي تميزت بمسارها الأدبي والفني.
- مهرجانات دولية
خلال 2018 نظمت بعدد من المدن المغربية مهرجانات ذات صيت عربي وعالمي. ففي أصيلة، نظم «موسم أصيلة الثقافي الدولي»، في دورته الـ40، التي تواصلت في ما بين 23 يونيو (حزيران) و20 يوليو (تموز)، وفية لروح وتوجه هذه التظاهرة المتميزة، سواء من حيث نوعية وتنوع برنامجها، وقيمة المشاركين فيها.
وتضمن برنامج هذه الدورة التي احتفت بأفريقيا ندوات ولقاءات ذات توجه سياسي وفكري وأدبي ضمن فعاليات الدورة الـ33 لجامعة المعتمد بن عباد، وتناولت موضوعات لها راهنيتها، من قبيل «الاندماج الأفريقي: أين العطب؟» و«ثم ماذا بعد العولمة؟» و«الفكر الديني الحاضن للإرهاب: المرجعية وسبل مواجهته»؛ فضلا عن مشغل للصباغة على الجداريات، ومشغل الفنون التشكيلية، ومشغل بيداغوجي لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم، ومشغل كتابة الأطفال، ومعارض متنوعة، وباقة من العروض الغنائية والموسيقية الراقية، وعرض للأزياء التقليدية، في ظل حضور نوعي وجمهور وفيّ متعطش.
كما تضمن برنامج الدورة تسليم جائزة «تشيكايا أوتامسي للشعر الأفريقي»، في دورتها الـ11، للشاعر السينغالي أمادو لامين صال؛ و«جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها السابعة، للكاتب المغربي أحمد المديني؛ و«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، التي فاز بها، مناصفة، الشاعرة المغربية نسيمة الرواي والشاعر التونسي أحمد العربي. وفي مدينة مراكش، عادت عجلة المهرجان الدولي للفيلم للدوران، في دورته السابعة عشرة، التي نظمت في ما بين 30 نوفمبر (تشرين الثاني) و8 ديسمبر (كانون الأول)، وذلك بعد مرور سنة عرفت توقفاً أملته ضرورة التأمل وإعادة تحديد هوية هذه التظاهرة الفنية الكبرى. وأسفرت نتائج المسابقة الرسمية عن فوز الفيلم النمساوي «جُوي» لمخرجته سودابيه مرتضائي بالنجمة الذهبية (الجائزة الكبرى)، فيما ذهبت جائزة الجمهور لفيلم «منظفة الغرف» لمخرجته المكسيكية ليلا أفيليس، وفاز بجائزة الإخراج، الصربي أوغنين غلافونيتش عن فيلم «الحمولة»، وبجائزة أفضل دور رجالي الممثل التونسي نضال السعدي عن فيلم «في عينيا» لمخرجه التونسي نجيب بلقاضي، فيما فازت الممثلة آنيه شفارتز بجائزة أفضل دور نسائي عن فيلم «كل شيء على ما يرام» لمخرجته الألمانية إيفا تروبش.
واقترحت دورة هذه السنة قائمة أفلام ناهزت 80، من 29 بلداً، توزعت على عدة فقرات، شملت «المسابقة الرسمية» و«السهرات المسائية» و«العروض الخاصة» و«القارة 11» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ» و«عروض جامع الفنا» و«عروض المكفوفين وضعاف البصر» و«التكريمات»، فضلاً عن فقرات أخرى، أبرزها «حديث مع...». و«ورشات الأطلس».
ومنحت مشاركة عدد من نجوم السينما العالمية والعربية التظاهرة المغربية إشعاعاً كبيراً، خصوصاً النجم الأميركي روبيرت دي نيرو والمخرج الأميركي مارتن سكورسيزي. وغير بعيد عن المدينة الحمراء، واصلت «مدينة الرياح»، الصويرة، احتضانها مهرجاناتها الثلاثة: «ربيع الموسيقى الكلاسيكية» و«كناوة وموسيقى العالم» و«أندلسيات أطلسية». وركز مهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية»، في دورته الثامنة عشرة، التي نظمت في ما بين 26 و29 أبريل (نيسان)، على الموسيقي الألماني يوهان برامز، مقترحاً 12 حفلاً، دارت حول أعمال المؤلفين الذين يحسبون على المرحلة الرومانسية، من شومان إلى مندلشون، ومن شوبير إلى بيتهوفن، دون نسيان دفورجاك، وبروكوفييف، وبيرنستاين.
من جهتها، تميزت فعاليات «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ21، التي نظمت في ما بين 21 و23 يونيو (حزيران)، ببرمجة غنية ومتنوعة، توزعها الشق الموسيقي بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، ومنتدى حقوق الإنسان، الذي نظم، في دورته السابعة، في موضوع «حتمية المساواة»، وتوزعته أربع قضايا رئيسية: «المساواة، والتمييز، والمناصفة: المفاهيم، والانعكاسات» و«تقدم لا ينكر، وضروب تمييز مستمرة» و«مجتمع في دينامية: مبادرات من أجل حقوق النساء» و«سبل الإصلاح»؛ ومائدة مستديرة في موضوع «الثقافة والإدماج الاجتماعي: ما هو إسهام ائتلاف المدن العربية لمكافحة العنصرية والتمييز وكره الأجانب والتعصب؟»، فضلاً عن فقرة «شجرة الكلمات» وورشات ومعرض فني في موضوع «مركز آلات أفريقيا». في حين كان موعد جمهور مهرجان «الأندلسيات الأطلسية»، في دورته الـ15، التي نظمت في ما بين 25 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، مع لحظات للتفكير والنقاش، وفقرات فنية تشترك في الأداء الراقي، أداها فنانون مغاربة، مسلمون ويهود، تأكيداً على تنوع وتعايش ميزا تاريخ المغرب منذ غابر القرون. وفي مدينة فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، رافعاً، في دورته الـ24 التي نظمت في ما بين 22 و30 يونيو (حزيران)، شعار «معارف الأسلاف»، مقترحا برمجة غنية ربطت بين موروث حرفي فريد تعد ركيزته الأساسية المعطى الروحي، وإبداع معاصر يفتح الباب أمام آفاق جد واعدة، من خلال برمجة موسيقية من أكثر من 20 دولة؛ فيما عرف المنتدى مشاركة باحثين وكتاب وفلاسفة، أبرزوا روح التسامح والتعايش من خلال الفنون والموسيقى، انطلاقاً من 3 محاور أطرت التدخلات؛ شملت «الجماليات والرموز» و«طريقة ونطاق الحياة الاجتماعية» و«فنون وإبداعات». وفي مدينة الرباط، واصل مهرجان «موازين... إيقاعات العالم»، في دورته الـ17 في ما بين 22 و30 يونيو (حزيران)، استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم، حيث تابع عشرات الآلاف حفلات فنانين مغاربة وعرب وغربيين.
- مسرح
نظمت فعاليات «المهرجان الوطني للمسرح»، في دورته الـ20، في ما بين 7 و14 ديسمبر (كانون الأول)، بمدن تطوان والمضيق والفنيدق ومرتيل. وأسفرت نتائج مسابقته عن فوز مسرحية «الخالفة» لفرقة «أنفاس» من الداخلة بالجائزة الوطنية الكبرى للمسرح، فيما فازت سارة حمليلي عن مسرحية «نجمة» لفرقة «لايت كوميدي» من المحمدية بـ«جائزة الأمل»، وبـ«جائزة الملابس» نورا إسماعيل عن مسرحية «بيلماون» لفرقة «في آج» من الرباط، وبـ«جائزة السينوغرافيا» رشيد الخطابي عن مسرحية «اتسوض عاوذ» لفرقة «تفسوين للمسرح الأمازيغي» من الحسيمة، وبـ«جائزة أحسن نص مسرحي» يحيى الفاندي عن مسرحية «نجمة» لفرقة «لايت كوميدي» من المحمدية، وبـ«جائزة أحسن تشخيص نسائي» هاجر الشركي عن مسرحية «لمبروك» لفرقة «ستيلكوم» من الرباط، وبـ«جائزة أحسن تشخيص رجالي» توفيق أزديو عن مسرحية «صباح ومسا» لفرقة «دوز تمسرح» من مراكش، وبـ«جائزة أحسن إخراج» أمين غوادة عن مسرحية «بيلماون» لفرقة «في آج» من الرباط. ورغبة في «تطوير العرض الثقافي الموجّه لمغاربة العالم»، أعدت وزارة الجالية المغربية بالخارج وشؤون الهجرة، بشراكة مع «المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية»، برنامجاً تضمن تقديم 51 عرضاً مسرحياً بالأمازيغية بعدد من بلدان الاستقبال، قدمتها 12 فرقة من مختلف جهات المملكة، مثلت مختلف أطياف اللغة الأمازيغية، فيما تميزت عروضها بتنوع أشكالها التعبيرية.
- معرض الدار البيضاء
احتضنت الدار البيضاء، في ما بين 9 و18 فبراير (شباط)، الدورة الـ24 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي استضافت مصر «ضيف شرف»، بمشاركة أكثر من 700 عارض مباشر وغير مباشر من المغرب والخارج. فيما ساهم في برنامجها الثقافي نحو 350 متدخّلاً من المغرب وخارجه.
وخصصت الدورة برنامجاً خاصاً لـ«ضيف الشرف»، وذلك للمكانة الاعتبارية التي احتلتها وتحتلها مصر ضمن الخريطة الحضارية والتاريخية الإنسانية، ولموقعها الثقافي الريادي الذي نَحَته كتابها ومبدعوها في ذاكرة الوجدان العربي.
وشهد البرنامج الثقافي للدورة لحظات أخرى قوية، من قبيل «أمسية الأركانة»، التي احتفت بالشاعر الطوارقي محمدين خواد الفائز بـ«جائزة الأركانة العالمية للشعر»، في دورتها الثانية عشرة، التي ينظمها «بيت الشعر في المغرب»، وحفل تسليم «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة» التي ينظمها «المركز العربي للأدب الجغرافي»، وحفل تسليم «جائزة القراءة» التي تنظمها شبكة القراءة بالمغرب.
- فنون تشكيلية
واصلت المتاحف والأروقة اقتراح معارض فنية، أكدت الدينامية التي يشهدها المشهد التشكيلي المغربي. ومن بين عشرات المعارض المقترحة، يمكن التوقف؛ مثلاً، عند معارض «الشعيبية طلال، فاطمة حسن الفروج، راضية بنت الحسين: رحلة إلى منابع الفن»، و«المتوسط والفن الحديث»، و«أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر» وذلك في «متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر» بالرباط؛ أو المعرض الخاص بالأعمال التشكيلية للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، والذي احتضنه «رواق ماتيس» بمراكش.
- وجدة عاصمة الثقافة العربية
شكلت فعاليات «وجدة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2018»، المنظمة في ما بين 13 أبريل (نيسان) 2018 و29 مارس (آذار) 2019، مناسبة لتسليط الضوء على هذه المدينة المغربية التي تقع شرق المملكة، والتي تكون طيلة سنة كاملة منصة للإشعاع الثقافي العربي، وفضاء للتفاعل المثمر بين الأشقاء في إطار تواصل حلقات العمل العربي المشترك.
- إصدارات
حافظ الكتاب المغربي على دينامية نشره وتداوله، سواء داخل البلاد وخارجها، من خلال منجز بقدر ما توزعته مختلف أجناس الكتابة؛ أظهر أن جديد النشر المغربي وجِدّتَهُ تتقاسمهما الأسماء المكرسة والصاعدة، على حد سواء. واستأنفت مجلة «الثقافة المغربية» صدورها، وهي التي شهدت، على امتداد أعدادها السبعة والثلاثين السابقة، تطورات مرافقة لتطور الحقل الثقافي المغربي، كما سجلت تراكمات مهمة على مستوى الإنتاج الفكري والإبداعي والنقدي، ومتابعات لأهم القضايا الثقافية المستجدة، سواء في المغرب وخارجه.
- جائزة المغرب للكتاب
شهدت دورة هذه السنة من «جائزة المغرب للكتاب» فوز 13 كاتباً في 8 أصناف. يتعلق الأمر بمحمد الناصري عن كتابه «رغبات مدينة» ضمن صنف العلوم الإنسانية؛ وأحمد شراك عن كتابه «سوسيولوجيا الربيع العربي» مناصفة مع محمد براو عن كتابه «مسؤولية الفاعلين في مجال التدبير العمومي أمام مجلس الحسابات» ضمن صنف العلوم الاجتماعية؛ وخالد بلقاسم عن كتابه «مرايا القراءة» مناصفة مع أحمد الشارفي عن كتابه «اللغة واللهجة» ضمن صنف الدراسات الأدبية واللغوية والفنية؛ وعزيز لمتاوي عن ترجمة كتاب «نظرية الأجناس الأدبية» لجان ماري شايفر مناصفة مع سناء الشعيري عن ترجمة رواية «العاشق الياباني» لإيزابيل ألليندي ضمن صنف الترجمة؛ وعبد المجيد سباطة عن روايته «ساعة الصفر» ضمن صنف السرد؛ وصلاح بوسريف عن ديوانه «رفات جلجامش» ضمن صنف الشعر؛ وعياد الحيان عن كتابه «سا أغيرا دار إيليس ن تافوكت» مناصفة مع فاضمة فراس عن كتابها «أسكويت ن تلكاوت» ضمن صنف الإبداع الأدبي الأمازيغي؛ وجمال بوطيب عن كتابه «حور تشرب الشاي مع القمر» مناصفة مع خديجة بوكا عن كتابها «صمتا! إننا نلعب» ضمن صنف الكتاب الموجة للطفل والشباب.
- محمود درويش في الرباط
تأكيداً لعمق العلاقة التي نسجها المغاربة مع محمود درويش، المبدع والإنسان، شكلت الذكرى العاشرة لرحيل شاعر «مديح الظل العالي» فرصة لاستحضار تجربة هذا الشاعر الفلسطيني الكبير، بمساهمة كتاب وتشكيليين، وذلك من خلال مظاهرة كبرى أطلقها «بيت الشعر في المغرب» تحت عنوان «محمود درويش في الرباط»، تضمنت، على الخصوص، ندوة كبرى ومعرضاً تشكيلياً، فضلاً عن صدور عدد خاص من مجلة «البيت» بمشاركة نخبة من الكتاب المغاربة والعرب، تصدرته صورة للشاعر الراحل وعبارة: «محمود درويش: أمشي كأني واحد غيري».
- رحيل كتاب ومثقفين
لم تمر سنة 2018 من دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، والجمهور المغربي، بشكل عام، حزناً على رحيل عدد من الأسماء التي كان لها حضورها في المنجز الأدبي والفني للبلد، بينهم الدكتور محمد بن شريفة؛ أحد أبرز أعلام الفكر في المغرب والعالم العربي في الأدب الأندلسي، والباحث والناقد المتميز محمد أنقار، والفنان التشكيلي حسن الكلاوي؛ أحد مؤسسي الفن التشكيلي بالمغرب، فضلاً عن الشاعر المغربي علي الصقلي الحسيني؛ الشهير بأنه واضع كلمات النشيد الوطني المغربي.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.