مفاوضات الحرب التجارية بين أميركا والصين تحرز «تقدماً جديداً»

بكين تدرس تبني قانون استثمار يضمن حماية الملكية الفكرية

مفاوضات الحرب التجارية بين أميركا والصين تحرز «تقدماً جديداً»
TT

مفاوضات الحرب التجارية بين أميركا والصين تحرز «تقدماً جديداً»

مفاوضات الحرب التجارية بين أميركا والصين تحرز «تقدماً جديداً»

بينما تسعى بكين وواشنطن إلى ترتيبات لجولة جديدة من المحادثات بشأن التجارة، أعلنت الصين، أمس، أنها أجرت محادثات هاتفية مع الولايات المتحدة على مستوى نواب الوزراء، يوم الجمعة الماضي، وفقا لبيان على الموقع الإلكتروني لوزارة التجارة الصينية.
غير أن هذا البيان أوضح أن البلدين تبادلا وجهات النظر بشأن الميزان التجاري وتعزيز جهود حماية حقوق الملكية الفكرية، حيث أحرزا «تقدما جديدا» خلال المحادثات الهاتفية. ويختلف هذا عن آخر بيان أصدرته الصين الذي قالت فيه إنها أجرت مباحثات جيدة يوم الأربعاء الماضي، لكنها لم تتطرق لتفاصيل.
وكان الرئيس الصيني تشي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب توصلا مطلع الشهر الحالي لهدنة 90 يوما، في الحرب التجارية بين العملاقين الاقتصاديين، التي أضرت بالفعل بالاقتصاد الصيني.
وأرجأ ترمب تطبيق زيادة في الرسوم الجمركية من 10 إلى 25 في المائة على واردات صينية لبلاده تبلغ قيمتها 200 مليار دولار. وعلقت الصين أيضا تطبيق رسوم إضافية على واردات البلاد من السيارات الأميركية، وابتاعت فول الصويا الأميركي.
- قانون جديد لحماية الملكية الفكرية
وفي سياق مساعيها لجذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي، كشفت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، أمس، عن أن البلاد تدرس تبني قانون موحد بشأن الاستثمار الأجنبي في البلاد. وأشارت تقارير محلية إلى أن مشروع القانون سيحمي الملكية الفكرية للمستثمرين الأجانب، بحيث لن يتم استخدام أي تدابير إدارية لإجبارهم على نقل التقنيات التي يعملون بها، وهي إحدى نقاط تفاقم الخلاف بين إدارة ترمب وبكين والتي ساهمت في إشعال الحرب التجارية. وذكرت «شينخوا» أنه جرى تقديم مشروع قانون بهذا الشأن لاجتماع دوري للجنة الدائمة لـ«المؤتمر الشعبي الوطني» الذي بدأ أعماله أمس. وفور تمريره، سيحل القانون محل 3 قوانين قائمة وتتعلق بالمشروعات المشتركة الصينية - الأجنبية عن طريق امتلاك الأسهم، والمشروعات المشتركة غير السهمية (التعاقدية)، والمشروعات ذات الملكية الأجنبية بالكامل.
وذكرت وكالة «بلومبيرغ» أن المشروع يهدف إلى حماية الاستثمار الأجنبي. ويقترح مشروع القانون تبني آلية «قائمة سلبية» للاستثمار الأجنبي، مما يعني أن أي استثمار أجنبي في أي مجال غير مشمول في القائمة سيتم معاملته بطريقة الاستثمار المحلي نفسها، فضلا عن أن أي سياسات داعمة للشركات المحلية سيتم تطبيقها على الشركات الأجنبية أيضا. وتكافح الصين من أجل الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي في اقتصاد عالمي صار محوطا بمخاطر التباطؤ. وأظهرت بيانات رسمية أمس أن وتيرة نمو قطاع الاتصالات في الصين ارتفعت خلال أول 11 شهرا من العام.
وذكرت وكالة «شينخوا» أن عائدات القطاع بلغت 1.2 تريليون يوان (نحو 174 مليار دولار) في الفترة من يناير (كانون الثاني) حتى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين، بارتفاع نسبته 2.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وقالت وزارة الاتصالات إن عدد مالكي الهواتف الجوالة بلغ 1.65 مليار شخص في نهاية نوفمبر الماضي، بارتفاع بنسبة 10.6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
- الإغراق والحرب التجارية
وعلى صعيد التجارة؛ انعكست عوامل عدة، منها رسوم الحرب التجارية، وإجراءات مكافحة الإغراق، علاوة على حمى الخنازير، على بيانات التجارة الأخيرة للصين.
وتراجعت الواردات الصينية من الشعير خلال نوفمبر بنحو 83.5 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى 110 آلاف طن، حسب البيانات المعلنة من هيئة الجمارك الصينية.
وجاء هذا الانخفاض القوي بعد أن اتخذت الصين الشهر الماضي إجراءات لمكافحة الإغراق على شحنات الحبوب الآتية من أكبر مورد لها، أستراليا.
وصدرت أستراليا 6.84 مليون طن من الشعير إلى الصين في 2017، بقيمة تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، وهو ما يقرب من إجمالي واردات الصين من الشعير خلال 3 فصول في 2017 التي بلغت 8.8 مليون طن.
وانخفضت واردات الصين أيضا من الذرة، أحد المكونات الرئيسية لإطعام الحيوانات، بنحو 97.6 في المائة خلال نوفمبر. وكانت الصين فرضت رسوما انتقامية على وارداتها من الحبوب الأميركية بنسبة 25 في المائة في يوليو (تموز) الماضي، ردا على تصعيد أميركا بفرض رسوم حمائية على الصادرات الصينية.
وتعد الولايات المتحدة أكبر مورد للذرة إلى الصين، وبلغت حصتها من الواردات الصينية من هذه السلعة في 2017 نحو 94 في المائة. واشترت الصين 140 ألف طن من القمح في نوفمبر الماضي، بما يقل بـ22.5 في المائة عن الفترة نفسها من السنة السابقة.
في الوقت ذاته، وصلت واردات الصين من حبوب الذرة في نوفمبر إلى 120 ألف طن، بزيادة 438.7 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وزادت واردات الصين من السكر في الفترة نفسها بـ116.3 في المائة لتصل إلى 340 ألف طن، وعلف الصويا بـ4.7 في المائة، حيث وصلت إلى 4 آلاف طن.
وأظهرت البيانات الصينية أن واردات البلاد من الخنازير ارتفعت في نوفمبر الماضي مقارنة بالشهر السابق، مع مكافحة الصين حمى الخنازير الأفريقية سريعة الانتشار. واستوردت الصين 91.4 ألف طن من الخنازير في نوفمبر بزيادة 10.2 في المائة عن الشهر السابق، وقت أن بلغت الواردات 82.9 ألف طن. وأعلنت بكين، أكبر منتج للخنازير في العالم، أكثر من 90 حالة حمى خنازير قاتلة منذ أغسطس (آب) الماضي، وهو ما زاد من الرغبة في استيراد اللحوم.
وفي مجال الصادرات أظهرت أمس بيانات صينية أن صادرات البلاد من الألمنيا (المادة المستخدمة في صناعة الألمنيوم) تراجعت بنسبة 37.9 في المائة لتصل إلى 285.6 ألف طن خلال نوفمبر، مقارنة بصادرات أكتوبر التي بلغت 460 ألف طن.
ومن المقدر أن يتجاوز إجمالي صادرات الصين من الألمنيا هذا العام مليون طن. ومع انخفاض الأسعار العالمية للألمنيا في نوفمبر بنحو 16.8 في المائة، أصبح المنتجون الصينيون أقل حماسا للتصدير.
- تطورات الصناعة والطاقة
على صعيد الصناعة، شهدت صناعة المطاط في الصين نموا قويا في الأرباح في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام، وفقاً للبيانات الجديدة الصادرة عن وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات أمس. وفي الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أكتوبر، ارتفع إجمالي أرباح 373 شركة تم جمع بياناتها بنسبة 31.14 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 13.07 مليار يوان (نحو 1.9 مليار دولار).
وأوضحت بيانات وزارة الصناعة أن «ربحية الصناعة كانت أفضل من الفترة نفسها من العام الماضي». ومنذ النصف الأخير من عام 2017، أعلن كثير من صانعي الإطارات عن ارتفاع الأسعار، مشيرين إلى ارتفاع التكاليف بسبب زيادة أسعار المواد الخام.
- قطاع الطاقة
وفي مجال الطاقة أظهرت بيانات الجمارك أمس أن واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال سجلت مستوى قياسيا في نوفمبر مع توجه التجار لشراء الوقود في ظل زيادة استهلاك الأسر والشركات لأغراض التدفئة في أشهر الشتاء شديدة البرودة.
ووفقا لبيانات الإدارة العامة للجمارك، بلغت واردات الغاز الطبيعي المسال 5.99 مليون طن في نوفمبر، بزيادة 48.5 في المائة عن الشهر نفسه من العام الماضي.
ويتجاوز ذلك الرقم القياسي السابق البالغ 5.18 مليون طن المسجل في يناير من العام الحالي.
وتسعى الصين لتحويل مناطق في البلاد لاستخدام الغاز في التدفئة بدلا من الفحم سعيا لتطهير البيئة. وزادت واردات الغاز الطبيعي المسال في أول 11 شهرا في عام 2018 بنسبة 43.6 في المائة مقارنة بها قبل عام إلى 47.52 مليون طن، متخطية المستوى القياسي السنوي المسجل العام الماضي والبالغ 38.13 مليون طن.
وأشارت البيانات إلى انخفاض صادرات الصين من البنزين والديزل في نوفمبر مقارنة بمستوياتها قبل عام مع خفض شركات التكرير المحلية الإنتاج بسبب تقلص هامش الربح.
وصدرت الصين 1.23 مليون طن من الديزل في نوفمبر الماضي، بانخفاض 37.5 في المائة على أساس سنوي. وتراجعت صادرات البنزين الشهر الماضي 39.2 في المائة على أساس سنوي إلى 630 ألف طن.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.