«لجنة إعادة الانتشار» الأممية تحدد مهامها في الحديدة تزامناً مع وصول رئيسها الجنرال كومارت

اتهامات للحوثيين باستمرار انتهاكاتهم للهدنة... وترحيب بالقرار الأممي 2451

رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة لدى وصوله إلى عدن أمس (رويترز)
رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة لدى وصوله إلى عدن أمس (رويترز)
TT

«لجنة إعادة الانتشار» الأممية تحدد مهامها في الحديدة تزامناً مع وصول رئيسها الجنرال كومارت

رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة لدى وصوله إلى عدن أمس (رويترز)
رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة لدى وصوله إلى عدن أمس (رويترز)

وصل الجنرال الهولندي المتقاعد باتريك كومارت رئيس لجنة «إعادة الانتشار» المنبثقة عن اتفاقية استوكهولم إلى مطار عدن أمس، رفقة ستة معاونين استباقاً لوصول بقية أعضاء فريق المراقبة الذي يقوده. وسيترأس كومارت اللجنة بمشاركة ممثلين عن الحكومة اليمنية وآخرين عن الحوثيين.
وجاء وصول الجنرال إلى العاصمة اليمنية المؤقتة عدن على وقع اتهامات ضد الحوثيين من قبل القوات الحكومية اليمنية والتحالف الداعم لها بالاستمرار في خرق الهدنة ومواصلة إطلاق القذائف الصاروخية على الأحياء السكنية ومناطق تمركز القوات الموالية للحكومة في محيط مدينة الحديدة ومناطق أخرى من الساحل الغربي.
ومن المرتقب أن يصل ما بين 30 و40 مراقباً من دون أسلحة للمشاركة في إنجاح اتفاق الحديدة وهو أحد مخرجات «اتفاقية استوكهولم» خلال المشاورات اليمنية الأخيرة في السويد، ومن أبرز بنودها انسحاب الحوثيين خارج الموانئ ومنح السلطة للقوات المحلية وإيداع الواردات في فرع البنك المركزي في المحافظة المطلة على ساحل البحر الأحمر غرب اليمن.

- تحديد المهام
أكد مصدر مسؤول في الأمم المتحدة أن لجنة إعادة الانتشار ستحدد خلال أول اجتماع لها مهامها وتقسيماتها، من دون أن يسهب في التفاصيل. وبسؤال المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه «ماذا إذا اختلف الفريقان (أي الحكومة والحوثيين) داخل اللجنة»، فأوحت إجابته أن الجنرال الهولندي هو الذي سيفصل في ذلك، بقوله: «بالتأكيد الجنرال كومارت سيلعب دوراً قيادياً».
ولم يتم تحديد أي موعد للاجتماع أو جدول أعمال واضح لكومارت في الحديدة، لكن الوقت يداهمه من ناحيتين، الأولى أن تاريخ 3 يناير (كانون الثاني) 2019 هو موعد الأسابيع الثلاثة لانسحاب الحوثيين من موانئ «الحديدة، والصليف، ورأس عيسى»، وهي ناحية صعبة إذا ما قورنت بالمسألة الأخرى، التي تتمثل بأن صلاحية التفويض الممنوح للأمم المتحدة لتنفيذ اتفاقية السويد 30 يوماً، لكنها تبدو وكأنها قابلة للتمديد إذا رأى مجلس الأمن حاجة لها.
والتقى محافظ الحديدة الدكتور الحسن طاهر في عدن أمس، رئيس اللجنة الأممية على وقف إطلاق النار وتنفيذ اتفاق السويد مع الحكومة اليمنية الجنرال الهولندي باتريك كومارت بعد وصوله على متن طائرة أممية في سياق مساعيه لتنفيذ مهمته الأممية.
وذكرت وكالة «سبأ» الحكومية أن المحافظ حسن الطاهر رحب برئيس اللجنة الأممية من أجل العمل على إحلال السلام في اليمن وإعادة الانتشار العسكري في محافظة الحديدة، مؤكداً «حرص الحكومة الشرعية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي على تحقيق السلام الدائم والعادل لكل أبناء الشعب اليمني رغم تعنت الانقلابين في الانصياع للحوار ومبادرات الأمم المتحدة القاضية بوقف الحرب».
وطالب المحافظ المجتمع الدولي بممارسة مزيد من الضغط على الانقلابين والانصياع للسلام والكف عما وصفه بـ«الممارسات غير الأخلاقية تجاه المواطنين على مستوى المحافظات اليمينة وفي مقدمتها مدينة الحديدة».
ونسبت الوكالة الحكومية لباتريك كومارت أنه «عبر عن شكره على تجاوب الحكومة الشرعية لمشاورات السويد والتي تهدف للوصول إلى تحقيق الأمن والاستقرار لليمن».
ويفترض أن ينتهي العمل من تنفيذ اتفاق السويد وإعادة نشر القوات خلال 21 يوماً من بدء سريان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ الفعلي الثلاثاء الماضي رغم الخروق المتكررة، التي تقول الحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها إن الحوثيين مستمرون في ارتكابها بشكل يومي مقابل التزام القوات الشرعية.
وذكر مصدر حكومي لـ«الشرق الأوسط» في مدينة عدن أمس، أن الجنرال باتريك وصل على متن طائرة للأمم المتحدة، التقى ممثلين عن الحكومة قبل التوجه إلى الحديدة ومنها إلى صنعاء للقاء قيادات في الجماعة الحوثية في سياق مهمته الأممية الرامية إلى تنفيذ اتفاق السويد فيما يخص وقف إطلاق النار وانسحاب الميليشيات الحوثية من المدينة، وإعادة نشر القوات الحكومية.
ولم ترد أنباء تفصيلية عن أول موعد لعقد أول اجتماعات اللجنة.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال يوم الجمعة إنه يأمل أن ينتشر المراقبون الدوليون بقيادة كومارت في الحديدة بأسرع وقت ممكن، حيث ستتركز مهمتهم على مدينة وميناء الحديدة فقط، بحسب ما جاء على لسان المتحدث باسمه، استيفان دوغريك.
وأوضح دوغريك أن المراقبين «سيأتون من بعثات أممية منتشرة بالفعل في بلدان أخرى حول العالم، وبعضهم قد يكون من خلفية عسكرية» إلا أنهم بحسب قوله «سيرتدون زياً مدنياً مميزاً عليه شارة الأمم المتحدة وليس زياً عسكرياً». وأضاف: «لا ينبغي نسيان أننا أمام موقف أمني خطير ومعقد للغاية في اليمن، وسنقوم بنشر مراقبين إضافيين في الحديدة خلال الأيام القليلة المقبلة».
ويرجح العديد من المراقبين للشأن اليمني أن القرار الأممي الجديد 2451 جاء ليكون حافزاً دولياً من شأنه أن يمنح الصبغة القانونية على نتائج المشاورات اليمنية في السويد، بخاصة فيما يتعلق بإطلاق الأسرى والمعتقلين ووقف النار في الحديدة وإعادة نشر القوات بما يفضي في النهاية إلى إتاحة المجال أمام تدفق المساعدات الإنسانية وانسحاب الميليشيات الحوثية وخضوع الجوانب الإدارية والأمنية في الميناء والمدينة للسلطات المحلية بإشراف أممي.

- استمرار الخروقات الحوثية
قال التحالف الداعم للشرعية في بيان أمس إن الخروق الحوثية لوقف إطلاق النار بلغت 14 خرقاً خلال 24 ساعة، وشملت الرماية بكل أنواع الأسلحة كالصواريخ الباليستية، ومدافع الهاون، وقذائف الـ«آر بي جي»، وصواريخ الكاتيوشا.
وذكر التحالف أن الخروق الحوثية لوقف إطلاق النار في محافظة الحديدة طاولت مناطق، الدريهمي، والتحيتا، وحيس، والفازة، والجبلية، مؤكداً استمرار الجماعة في خروقها على الرغم من وصول رئيس لجنة إعادة الانتشار باتريك إلى اليمن للبدء في تنفيذ مهمته الأممية.
من ناحيته، قال المركز الإعلامي لألوية العمالقة إنه «في الوقت الذي تتمسك فيه قوات ألوية العمالقة بعدم إطلاق النار وفقاً للهدنة التي نصت عليها اتفاقية مفاوضات السويد برعاية الأمم، المتحدة تستمر جماعة الحوثي بالقصف وإطلاق القذائف على المواقع التي يتمركز فيها مقاتلو العمالقة في الحديدة، ومنذ دخول قرار إيقاف إطلاق النار حيز التنفيذ لم تلتزم به الميليشيات الحوثية وأقدمت على قصف المواقع العسكرية، ناهيك بقصف منازل المدنيين بمديريات محافظة الحديدة كافة، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى في صفوف مقاتلي العمالقة الذين تعاطوا بإيجابية مع قرار وقف إطلاق النار ولم يقوموا بأي اشتباكات».

- ثبات المرجعيات
رحبت الحكومة اليمنية بالقرار بعد ساعات من صدوره، وذكرت في بيان رسمي أن القرار «جدد تأكيد المجتمع الدولي على وحدة وسيادة اليمن وسلامة أراضيه، وشدد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل استناداً إلى المرجعيات الثلاث المتفق عليها المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لا سيما القرار 2216».
ورحبت الشرعية «بالدعوة إلى الالتزام باتفاق ستوكهولم وفقاً للجداول الزمنية المحددة له بما في ذلك انسحاب ميليشيا الحوثي من مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى وتنفيذ آلية اتفاق تبادل الأسرى وما ورد في إعلان تفاهمات مدينة تعز».
وفي حين أكدت الحكومة التزامها بكل ما ورد في اتفاق استوكهولم، «دعت المجتمع الدولي إلى مراقبة الخروق التي يرتكبها الطرف الانقلابي في محاولة لعرقلة ما تم الاتفاق عليه».
في السياق نفسه، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في تغريدات على «تويتر» إن ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏تأكيد القرار الدولي على المرجعيات الثلاث ممثلة بالقرار 2216 والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، حسم الجدل حول تفسير اتفاق السويد بخصوص وضع مدينة وميناء ‎الحديدة بعد انسحاب الميليشيات الحوثية وقطع الطريق أمام مراوغة قادتها ومساعيهم الالتفاف على الاتفاق.
وأضاف: «‏النص الوارد في اتفاق استوكهولم بخصوص وقوع مسؤولية أمن محافظة الحديدة وموانئها على عاتق محافظ المحافظة وفقاً للقانون اليمني، يستند على القرار الأممي 2216 الذي أكد على تأييد شرعية الرئيس هادي والفقرة (د) من ذات القرار وغيرها من القرارات والبيانات الدولية التي تتفق مع نصوص الدستور اليمني».
مندوب دولة الكويت في مجلس الأمن السفير منصور العتيبي، رحب من جهته باعتماد مجلس الأمن بالإجماع للقرار 2451 الخاص باليمن الذي يدعم اتفاق ستوكهولم، بما يفضي إلى استكمال الجهود نحو التوصل إلى حل سياسي مبني على المرجعيات الثلاث المتفق عليها.
وقال في كلمته أمام المجلس عقب التصويت على القرار: «إن تصويتنا لصالح القرار اليوم رغم عدم تلبيته لبعض الشواغل التي تم طرحها أثناء المفاوضات يأتي لعدة أسباب أبرزها الحفاظ على الوحدة التي يتمتع بها مجلس الأمن في الحالة في اليمن والذي نتطلع ونسعى لاستمرارها ونأمل بتعميمها على بقية الملفات المدرجة على جدول أعمال المجلس».
وأشار العتيبي إلى «أن دعم القرار يأتي انطلاقاً من الحرص على دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الخاص ودعماً لاتفاق استوكهولم الذي تم التوصل إليه في جولة المشاورات الأخيرة التي استضافتها مشكورة حكومة مملكة السويد حول الحديدة وموانئها واتفاق تبادل الأسرى وإعلان التفاهم حول تعز».
وأعرب عن تمنياته بالتزام الأطراف بتنفيذها بشكل كامل وبما يفضي إلى استكمال الجهود التي يبذلها المبعوث الخاص للأمين العام إلى اليمن مارتن غريفيث نحو عقد الجولة القادمة والتوصل إلى حل سياسي مبني على المرجعيات الثلاث المتفق عليها، وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لا سيما القرار 2216 بما يقود إلى إنهاء أمد الأزمة في اليمن ويحافظ على استقلاله وسيادته ووحدة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية».
ورحب العتيبي كذلك بعزم الأمين العام لعقد مؤتمر دولي لإعلان التبرعات لدعم خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2019 وذلك في 26 فبراير (شباط) في جنيف، مؤكداً حرص دولة الكويت على المشاركة في ذلك المؤتمر استمراراً منها في دعم تحسين الأوضاع الإنسانية في اليمن وتخفيف معاناة شعبه.
كما نقلت وكالة الأنباء السعودية عن نائب المندوب الدائم لوفد المملكة لدى الأمم المتحدة الدكتور خالد منزلاوي في بيان للوفد الدائم أن القرار يؤكد جهود الدبلوماسية السعودية وتأثيرها المباشر في قرارات المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أن الجماعة الحوثية قالت إن القرار لم يكن ملبياً لطموحها فإنها عبرت عن ترحيبها به، وقال المتحدث باسمها محمد عبد السلام في تغريدة على «تويتر» إن قرار مجلس الأمن الجديد الداعم (لاتفاق استوكهولم) خطوة إيجابية ومهمة (...) تمهيداً للحل السياسي الشامل».
إلى ذلك، اعتبر وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش في معرض ترحيب بلاده بالقرار الأممي الجديد أن اعتماده «يؤكد نجاح الضغط العسكري على الحوثيين وسيفقدهم هامش المناورة»، وقال في تغريدات على «تويتر»: «القرار يرسل رسالة قوية ويشكل خطوة مهمة نحو حل سياسي دائم في اليمن، وسيساعد على ضمان التمسك بوقف إطلاق النار وإعادة الانتشار».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».