خيار الاستفتاء الثاني حول {بريكست} يحظى بدعم متزايد في البرلمان البريطاني

دبلن تقر إجراءات تحسباً للخروج دون اتفاق

ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)
ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)
TT

خيار الاستفتاء الثاني حول {بريكست} يحظى بدعم متزايد في البرلمان البريطاني

ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)
ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)

مع استمرار الجمود السياسي الذي تعيشه بريطانيا على خلفية مفاوضات خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتخييم شبح المخاطر الاقتصادية الواسعة التي ترافق سيناريو «بريكست دون اتفاق»، يبدو أن خيار تنظيم استفتاء شعبي ثانٍ بات يحظى بدعم بين نواب محافظين رغم موقف الحكومة الرافض له.
وأثارت تصريحات وزيرة في حكومة تيريزا ماي، أمس، جدلاً، بعدما اعتبرت أن خيار استفتاء جديد قد يُسهِم في حلحلة الأزمة السياسية الحالية. وقالت وزيرة العمل البريطانية أمبير راد، أن تنظيم استفتاء جديد حول «بريكست» قد يكون حلاً «إذا فشل البرلمان في تمرير الاتفاق الذي تطرحه رئيسة الوزراء للتصويت الشهر المقبل».
وقالت الوزيرة التي كانت صوّتت مع بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، مساء الأربعاء لقناة «إي تي في»: «لا أرغب في تصويت شعبي أو استفتاء بشكل عام، لكن إذا فشل البرلمان تماماً في التوصل إلى توافق، سيكون ذلك حجة مقبولة (لتنظيم استفتاء جديد)». وأقرَّت راد بأن تنظيم استفتاء جديد قد «يغضب العديد من زملائي» في الحزب الحاكم.
ولاقت تصريحات راد ترحيباً من المؤيدين للاتحاد الأوروبي الذين يضغطون من أجل تنظيم تصويت جديد يهدف للعدول عن مشروع «بريكست»، فيما أثارت استنكار سياسيين بارزين في صفوف حزبها. وأشاد النائب العمالي المناهض لـ«بريكست»، أوين سميث، بتصريحات وزيرة العمل التي اعتبرها «لحظة هائلة». وقال: «قد تكون أول عضو في الحكومة المحافظة يعبّر عن تفضيله تصويتاً على خروج كارثي دون اتفاق، لكنها لن تكون الأخيرة».
وكانت ماي استبعدت مراراً تنظيم مثل هذا الاستفتاء، معتبرة أنه سيشكل خيانة للخيار الذي عبر عنه البريطانيون. ورداً على سؤال حول احتمال تنظيم استفتاء ثانٍ، قال المتحدث باسمها باقتضاب: «لا»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وتابع أن ماي «تركّز على الفوز بالتصويت على الاتفاق الذي تم التوصل إليه» مع بروكسل.
وتحاول ماي الحصول على مزيد من التوضيحات والضمانات من بروكسل بخصوص مسألة الحدود الآيرلندية الشائكة، خشية أن تتعرض لهزيمة نكراء في التصويت، خصوصاً مع معارضة عدد من نواب حزبها للاتفاق.
لكن في مواجهة عدم القدرة على ضمان أغلبية لاتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي المبرم في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) مع بروكسل، اضطرت لتأجيل تصويت النواب الذي كان مقررا في 11 ديسمبر (كانون الأول).
وسيتم التصويت في الأسبوع الذي يبدأ في 14 يناير (كانون الثاني) 2019، أي قبل شهرين ونيف من التاريخ المحدد لخروج المملكة من الاتحاد في 29 مارس (آذار) 2019. لكن لا شيء يوحي حالياً بأن النواب سيؤيدون الاتفاق.
وأكدت الحكومة، أمس، أنّ النواب سيستأنفون مناقشة الاتفاق في 9 يناير، مع تخصيص ثلاثة أيام للمداولات. لكنها لم تحدد يوماً للتصويت، رغم تلميحها إلى منتصف الشهر المقبل. ويتهم حزب العمال المعارض ماي «بإضاعة الوقت»، في محاولة لإجبار النواب على دعم الاتفاق بدلاً من المخاطرة بمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي دون ترتيبات.
من جهتها، اعتبرت الوزيرة أندريا ليدسوم المؤيدة لـ«بريكست» أنّ تنظيم استفتاء ثانٍ أمر «غير مقبول»، لكنها أكدت أنها تدرس أيضاً ما الذي سيحدث، إذا لم يمرر البرلمان اتفاق ماي. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أشارت إلى خيار يتضمن فقط التوصل لاتفاقات في قطاعات الطيران والنقل والسياحة. لكن المتحدث باسم ماي قال رداً على هذا المقترح إنه «ليس مطروحاً».
في غضون ذلك، أعلنت آيرلندا، أمس، أنها تعزز إجراءاتها لمواجهة احتمال خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهو احتمال ستكون آيرلندا أولى ضحاياه، إذا تحول واقعاً باعتبار المملكة المتحدة أبرز شريك اقتصادي لدبلن داخل الاتحاد الأوروبي. وسيكون على آيرلندا أن تدخل في حالة «إدارة أزمة» إذا بات الخروج دون اتفاق واقعاً، وهو إجراء يستلزم اعتماد 45 نصاً قانونياً طارئاً، وفق خطّة طوارئ تقع في 133 صفحة.
ويوضح تقرير خطة الطوارئ أنه «بالنسبة لآيرلندا، فإن بريكست دون اتفاق سيكون له أثر خطير على الاقتصاد الكلي والتجارة وقطاعات عدة». ويشرح التقرير أيضاً العواقب على «الدورة التجارية ووسائل التموين وفرص العمل وثقة المستهلكين وعلى النفقات»، في حال الخروج دون اتفاق.
وستكون الزراعة والصيد والطيران والصيدلة والكيمياء والتجارة، من أبرز القطاعات المتضررة في حال تحقق هذا الاحتمال. ومن بين الإجراءات المتخذة تحسباً لـ«بريكست» دون اتفاق، شراء أراضٍ إضافية قرب مرفأي دبلن وروسلار، تخوفاً من ازدحام قد تفرضه الإجراءات الضريبية الجديدة التي ستُعتمد.
بالإضافة إلى ذلك، ستزيد آيرلندا من عدد العاملين في وزراتي الزراعة والدخل، وستقرّ التزاماً بالحفاظ على تعاون ضيق مع آيرلندا الشمالية المجاورة التابعة للمملكة المتحدة. وهناك خشية لدى السكان والشركات في المنطقتين من عودة الحدود الفعلية بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية، في حال الخروج دون اتفاق، وهو ما ترفض الحكومة الآيرلندية حالياً التعامل معه، علماً بأن الحدود بينهما ستكون الحدود البرية الوحيدة لبريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بعد الخروج.
وتأتي هذه الإجراءات الآيرلندية بعد يوم واحد من نشر المفوضية الأوروبية مجموعة إجراءات لحماية قطاع النقل الجوي والأسواق المالية والجمارك تحسباً لعدم التوصل إلى اتفاق مع لندن، لأن توقفاً مفاجئاً لتلك القطاعات سيؤدي إلى «اضطراب كبير» في حياة الناس وعمل الشركات.
وحركت لندن بدورها الثلاثاء 3500 جندي «جاهزين» للتدخل إلى جانب الأجهزة الحكومية في حال عدم التوصل إلى اتفاق، بالإضافة إلى رصدها 2.2 مليار يورو ستُستخدم من أجل توظيفات إضافية في الشرطة والجمارك.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...