مع استمرار الجمود السياسي الذي تعيشه بريطانيا على خلفية مفاوضات خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتخييم شبح المخاطر الاقتصادية الواسعة التي ترافق سيناريو «بريكست دون اتفاق»، يبدو أن خيار تنظيم استفتاء شعبي ثانٍ بات يحظى بدعم بين نواب محافظين رغم موقف الحكومة الرافض له.
وأثارت تصريحات وزيرة في حكومة تيريزا ماي، أمس، جدلاً، بعدما اعتبرت أن خيار استفتاء جديد قد يُسهِم في حلحلة الأزمة السياسية الحالية. وقالت وزيرة العمل البريطانية أمبير راد، أن تنظيم استفتاء جديد حول «بريكست» قد يكون حلاً «إذا فشل البرلمان في تمرير الاتفاق الذي تطرحه رئيسة الوزراء للتصويت الشهر المقبل».
وقالت الوزيرة التي كانت صوّتت مع بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، مساء الأربعاء لقناة «إي تي في»: «لا أرغب في تصويت شعبي أو استفتاء بشكل عام، لكن إذا فشل البرلمان تماماً في التوصل إلى توافق، سيكون ذلك حجة مقبولة (لتنظيم استفتاء جديد)». وأقرَّت راد بأن تنظيم استفتاء جديد قد «يغضب العديد من زملائي» في الحزب الحاكم.
ولاقت تصريحات راد ترحيباً من المؤيدين للاتحاد الأوروبي الذين يضغطون من أجل تنظيم تصويت جديد يهدف للعدول عن مشروع «بريكست»، فيما أثارت استنكار سياسيين بارزين في صفوف حزبها. وأشاد النائب العمالي المناهض لـ«بريكست»، أوين سميث، بتصريحات وزيرة العمل التي اعتبرها «لحظة هائلة». وقال: «قد تكون أول عضو في الحكومة المحافظة يعبّر عن تفضيله تصويتاً على خروج كارثي دون اتفاق، لكنها لن تكون الأخيرة».
وكانت ماي استبعدت مراراً تنظيم مثل هذا الاستفتاء، معتبرة أنه سيشكل خيانة للخيار الذي عبر عنه البريطانيون. ورداً على سؤال حول احتمال تنظيم استفتاء ثانٍ، قال المتحدث باسمها باقتضاب: «لا»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وتابع أن ماي «تركّز على الفوز بالتصويت على الاتفاق الذي تم التوصل إليه» مع بروكسل.
وتحاول ماي الحصول على مزيد من التوضيحات والضمانات من بروكسل بخصوص مسألة الحدود الآيرلندية الشائكة، خشية أن تتعرض لهزيمة نكراء في التصويت، خصوصاً مع معارضة عدد من نواب حزبها للاتفاق.
لكن في مواجهة عدم القدرة على ضمان أغلبية لاتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي المبرم في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) مع بروكسل، اضطرت لتأجيل تصويت النواب الذي كان مقررا في 11 ديسمبر (كانون الأول).
وسيتم التصويت في الأسبوع الذي يبدأ في 14 يناير (كانون الثاني) 2019، أي قبل شهرين ونيف من التاريخ المحدد لخروج المملكة من الاتحاد في 29 مارس (آذار) 2019. لكن لا شيء يوحي حالياً بأن النواب سيؤيدون الاتفاق.
وأكدت الحكومة، أمس، أنّ النواب سيستأنفون مناقشة الاتفاق في 9 يناير، مع تخصيص ثلاثة أيام للمداولات. لكنها لم تحدد يوماً للتصويت، رغم تلميحها إلى منتصف الشهر المقبل. ويتهم حزب العمال المعارض ماي «بإضاعة الوقت»، في محاولة لإجبار النواب على دعم الاتفاق بدلاً من المخاطرة بمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي دون ترتيبات.
من جهتها، اعتبرت الوزيرة أندريا ليدسوم المؤيدة لـ«بريكست» أنّ تنظيم استفتاء ثانٍ أمر «غير مقبول»، لكنها أكدت أنها تدرس أيضاً ما الذي سيحدث، إذا لم يمرر البرلمان اتفاق ماي. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أشارت إلى خيار يتضمن فقط التوصل لاتفاقات في قطاعات الطيران والنقل والسياحة. لكن المتحدث باسم ماي قال رداً على هذا المقترح إنه «ليس مطروحاً».
في غضون ذلك، أعلنت آيرلندا، أمس، أنها تعزز إجراءاتها لمواجهة احتمال خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهو احتمال ستكون آيرلندا أولى ضحاياه، إذا تحول واقعاً باعتبار المملكة المتحدة أبرز شريك اقتصادي لدبلن داخل الاتحاد الأوروبي. وسيكون على آيرلندا أن تدخل في حالة «إدارة أزمة» إذا بات الخروج دون اتفاق واقعاً، وهو إجراء يستلزم اعتماد 45 نصاً قانونياً طارئاً، وفق خطّة طوارئ تقع في 133 صفحة.
ويوضح تقرير خطة الطوارئ أنه «بالنسبة لآيرلندا، فإن بريكست دون اتفاق سيكون له أثر خطير على الاقتصاد الكلي والتجارة وقطاعات عدة». ويشرح التقرير أيضاً العواقب على «الدورة التجارية ووسائل التموين وفرص العمل وثقة المستهلكين وعلى النفقات»، في حال الخروج دون اتفاق.
وستكون الزراعة والصيد والطيران والصيدلة والكيمياء والتجارة، من أبرز القطاعات المتضررة في حال تحقق هذا الاحتمال. ومن بين الإجراءات المتخذة تحسباً لـ«بريكست» دون اتفاق، شراء أراضٍ إضافية قرب مرفأي دبلن وروسلار، تخوفاً من ازدحام قد تفرضه الإجراءات الضريبية الجديدة التي ستُعتمد.
بالإضافة إلى ذلك، ستزيد آيرلندا من عدد العاملين في وزراتي الزراعة والدخل، وستقرّ التزاماً بالحفاظ على تعاون ضيق مع آيرلندا الشمالية المجاورة التابعة للمملكة المتحدة. وهناك خشية لدى السكان والشركات في المنطقتين من عودة الحدود الفعلية بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية، في حال الخروج دون اتفاق، وهو ما ترفض الحكومة الآيرلندية حالياً التعامل معه، علماً بأن الحدود بينهما ستكون الحدود البرية الوحيدة لبريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بعد الخروج.
وتأتي هذه الإجراءات الآيرلندية بعد يوم واحد من نشر المفوضية الأوروبية مجموعة إجراءات لحماية قطاع النقل الجوي والأسواق المالية والجمارك تحسباً لعدم التوصل إلى اتفاق مع لندن، لأن توقفاً مفاجئاً لتلك القطاعات سيؤدي إلى «اضطراب كبير» في حياة الناس وعمل الشركات.
وحركت لندن بدورها الثلاثاء 3500 جندي «جاهزين» للتدخل إلى جانب الأجهزة الحكومية في حال عدم التوصل إلى اتفاق، بالإضافة إلى رصدها 2.2 مليار يورو ستُستخدم من أجل توظيفات إضافية في الشرطة والجمارك.
خيار الاستفتاء الثاني حول {بريكست} يحظى بدعم متزايد في البرلمان البريطاني
دبلن تقر إجراءات تحسباً للخروج دون اتفاق
ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)
خيار الاستفتاء الثاني حول {بريكست} يحظى بدعم متزايد في البرلمان البريطاني
ماي تتوسط أعضاء حكومتها خلال اجتماع مع وفد بولندي بلندن أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

