اعتراف حوثي بتجنيد 18 ألف طفل في اليمن

يخضعون لدورات ثقافية بعد خطفهم واقتيادهم بالقوة ثم الدفع بهم إلى جبهات القتال

تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
TT

اعتراف حوثي بتجنيد 18 ألف طفل في اليمن

تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)

نجح الحوثيون في تجنيد نحو 18 ألفاً من الأطفال في صفوفهم منذ بداية الحرب الأهلية في اليمن عام 2014. الأمر الذي اعترف به أحد كبار المسؤولين العسكريين الحوثيين في تحقيق نشرته وكالة «أسوشيتد برس» أمس، لدى تحدثه شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المعلومات التي يدلي بها للإعلام.
غير أن الرقم المذكور على لسان المسؤول الحوثي الكبير هو أعلى من أي رقم آخر تم الإبلاغ عنه سابقاً من قبل أي جهة كانت. وتمكنت منظمة الأمم المتحدة من التحقق من تجنيد 2721 طفلاً مقاتلاً لدى جميع أطراف النزاع القائم هناك، مع أن السواد الأعظم يميل لجانب الحوثيين، غير أن المسؤولين يقولون إن الرقم يقل عن ذلك، فكثير من الأسر اليمنية لا تجرؤ على الحديث عن الأمر خشية تعرضها للانتقام من قبل رجال الميليشيات الحوثية المسلحة.
محمد، طفل مجند يبلغ من العمر 13 عاماً، يرتدي حول معصمه سواراً برقم محفور، يمنح الطفل مسحة من الراحة (حسب ما لقّنه الحوثيون) كلما استمع لأزيز صواريخ الطائرات المعادية التي تدك الأرض تحت قدميه دكاً رهيباً موجعاً!
حارب الطفل المجند محمد لعامين متتاليين رفقة المتمردين الحوثيين في اليمن ضد قوات الحكومة اليمنية المسنودة بتحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده السعودية، ويقول إنه عذّب وقتل أناساً كثراً ولم يعد يعبأ إن عاش أو مات، فالأمر لديه سواء. ولكنه إن لقي حتفه، كما يقول، فإن سوار المعصم سوف يضمن عودة جثمانه إلى موطنه.
يقول الطفل المجند محمد: «عندما أصير شهيداً، سوف يلقمون رقمي إلى الحاسوب لاستعادة صورتي وهويتي ثم يطبعونها بلقب (شهيد) في أسفلها، وسوف ينتهي بها الأمر ملصقة على نعشي الخاص لإعادتها إلى أسرتي».
كان محمد واحداً ضمن 18 طفلاً آخرين من الجنود السابقين في حرب اليمن، أجرت وكالة «أسوشيتد برس» حواراً مطولاً معهم تحدثوا فيه عن دهاء وكفاءة الحوثيين ومثابرتهم عندما يتعلق الأمر باستمالتهم وتجنيدهم وتوزيعهم، حتى عن موت الصبيان المقاتلين من أعمار لا تتجاوز العاشرة.
ويُعتقد أن الحوثيين بذلوا جهوداً أكبر وأحرزوا نجاحات أوسع في تجنيد الأطفال للقتال، وربما بالقوة والترهيب في كثير من الأحيان.
وفي العاصمة صنعاء التي سيطر عليها الحوثيون بالقوة، ينتقل مسؤولو التجنيد بالحركة من منزل إلى آخر لإخبار الآباء والأمهات أنه يتعين عليهم إما تسليم أبنائهم للقتال في صفوف الحركة وإما دفع مقابل مالي للمجهود الحربي للحركة، وفقاً لإفادات السكان.
وقال كثيرون من سكان العاصمة صنعاء للوكالة الإخبارية إن الحوثيين يقسمون العاصمة إلى كتل أمنية، تخضع كل كتلة منها إلى مشرف يتعين عليه الالتزام بحصة مقررة من جلب المجندين الجدد لصفوف القتال. ويعمل المشرف على جمع المعلومات حول الأسر التي تعيش ضمن الكتلة التي يشرف عليها، وذلك من خلال الطرق على الأبواب بكل منزل والسؤال على عدد أفراد الأسرة من الذكور، وأسمائهم، وأعمارهم.
وتقابلت الوكالة الإخبارية مع 18 طفلاً من المجندين السابقين في أحد مخيمات النازحين والمركز الاستشاري في مدينة مأرب، الذي أنشأه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. ولقد فروا إلى مأرب بعد هروبهم بعيداً عن قوات المتمردين الحوثيين أو وقعوا في أسر قوات التحالف أثناء القتال.
ونظراً لحداثة أعمارهم، ونظراً لأن بعضهم قد اعترف بارتكاب أعمال وحشية، فإن وكالة «أسوشيتد برس» تستخدم أسماءهم الأولى فقط. وبعض هؤلاء الأطفال اتخذ لنفسه اسماً حركياً بعد انضمامه للقتال. على سبيل المثال، أطلق طفل مجند يبلغ من العمر 10 سنوات على نفسه اسم «أبو النصر»، تيمناً بالانتصار في القتال.
وهناك صبي آخر يبلغ من العمر 13 عاماً يدعى صالح، قال للوكالة الإخبارية إن رجال الميليشيات الحوثية اقتحموا منزل أسرته في منطقة بني مطر الشمالية في صباح يوم سبت، وطالبوا بقدومه رفقة والده للقتال في الصفوف الأمامية. وقال إن والده قال لهم: «ليس أنا أو ولدي»، وحاول سحب سلاحه في وجوههم، فما كان منهم إلا أن دفعوا والده بعيداً وفتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة عليه فأردَوا الوالد قتيلاً أمام نظر ولده.
وقال صالح إن رجال الميليشيات اقتادوه معهم وأجبروه على أداء خدمة الحراسة في إحدى نقاط التفتيش لمدة 12 ساعة يومياً.
لا يُسمح لوكالات الإغاثة الدولية العاملة في برامج حماية الأطفال في شمال اليمن بمناقشة استغلال الأطفال المجندين خشية حظر عمل الوكالات ومنعها من إيصال المساعدات إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون هناك، وذلك وفقاً إلى إفادة 4 من عمال الإغاثة الإنسانية الذين رفضوا الكشف عن هويتهم، وقال أحدهم عن الأمر: «إنه من المحرمات هنا».
ويزعم الحوثيون بصفة رسمية أنهم لا يجندون الأطفال للقتال ويستبعدون أولئك الذين يحاولون الانضمام إلى صفوف المقاتلين من دون بلوغ سن القتال المعهود.
وقال بعض الأطفال إنهم انضموا لصفوف المتمردين الحوثيين عن طيب خاطر من جانبهم، وذلك بسبب الوعود المغرية بالمال، أو بإتاحة الفرصة لحمل السلاح. ولكن هناك أطفالاً آخرين قالوا إنهم أجبروا على الخدمة في صفوف المتمردين، وهم أولئك الذين تم اختطافهم من المدارس أو المنازل أو أجبروا على الانضمام للقتال في مقابل إطلاق سراح أحد أفراد الأسرة من المحتجزين رهائن لدى الحركة.
ويمكن رؤية كثير من هؤلاء الأطفال منتشرين عبر نقاط التفتيش على طول الطرق الرئيسية يحملون البنادق الروسية الهجومية التي تتدلى من على أكتفاهم، في حين يجري إرسال الأطفال الآخرين للقتال في الصفوف الأمامية جنوداً في قوات المشاة التابعة للحركة.
وقال طفل مجند آخر يبلغ من العمر 13 عاماً ويدعى رياض، إن نصف المقاتلين الذين خدم بجانبهم في الخطوط الأمامية في منطقة سيروة الجبلية اليمنية كانوا من الأطفال المجندين. وقال إن ضباط المتمردين الحوثيين أمروهم بالمضي قدماً إلى الأمام أثناء المعارك حتى مع ظهور طائرات قوات التحالف في سماء المعركة. وأردف رياض قائلا إنه توسل لقائده أن يترك الأطفال الصغار يحتمون بعيداً عن الغارات الجوية: «سيدي، إن الطائرات تواصل القصف»، وكان الرد دائماً من جانب القائد: «لا بد من الهجوم يا أنصار الله».
وعادت جثث عدد غير معروف من الأطفال المجندين إلى منازل ذويهم في توابيت مغلقة.
ولقي أكثر من 6 آلاف طفل مصرعه أو تعرضوا للتشويه المريع في اليمن منذ بداية الحرب هناك، بحسب إفادة منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول). ولكن الوكالة التابعة للمنظمة الدولية لم تتمكن من الوقوف على العدد الحقيقي للمقاتلين من هؤلاء الأطفال القصّر، كما أن وزارة الدفاع الخاضعة للحركة الحوثية لا تفصح أبداً عن سجلاتها الخاصة بالقتلى أو المصابين.
وقال معلم سابق من مدينة ذمار إن ما لا يقل عن 14 تلميذاً من مدرسته قد جندوا ثم لقوا حتفهم في المعارك. ولقد علقت صورهم على مقاعد الفصل الدراسي الخاوية في عام 2016 أثناء ما يسمى «أسبوع الشهيد» الذي تحتفل به الحركة الحوثية في فبراير (شباط) من كل عام. وكان أغلب هؤلاء التلامذة من طلاب الصفين الخامس والسادس الابتدائي. وأكد أحد المسؤولين التعليميين من مدينة ذمار تلك المعلومات، وتحدث الرجلان شريطة عدم الكشف عن هويتهما خشية التعرض للعقاب من جانب رجال الحركة «الحوثية».
وقال المعلم إن بعضاً من آباء الأطفال القتلى هم من قادة الحركة الحوثية الذين دفعوا بأبنائهم طواعية إلى خطوط القتال الأمامية. وأضاف قائلاً: «إنه لأمر مؤلم؛ لأنهم ليسوا إلا أطفالاً، وكلهم مثل أولادي لأنني معلمهم. لقد ذهبوا من المدارس على أقدامهم وعادوا إليها على ظهورهم في نعوش قاتمة وباردة».
يقول نجيب السعدي، الناشط الحقوقي اليمني في مجال حقوق الإنسان، والذي أنشأ مركزاً استشارياً تموله السعودية في مأرب لصالح إعادة تأهيل المجندين من الأطفال: «لن تظهر المشكلة الحقيقية من وراء تجنيد الأطفال الحوثيين في القتال إلا بعد مرور 10 سنوات من الآن، عندما يبلغ الجيل الذي تعرض لغسيل المخ بالكراهية والعداوة تجاه الغرب سن الرشد والشباب».

حطب الحرب
بدأت الحرب بعدما انسل المتمردون الحوثيون من المرتفعات اليمنية الشمالية في أواخر عام 2014 للاستيلاء على العاصمة صنعاء ثم واصلوا الزحف في اتجاه الجنوب. وسعت الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً للحصول على مساعدة المملكة العربية السعودية، التي شكلت تحالفاً عسكرياً معارضاً للحركة الحوثية المعتدية.
ويستمر المتمردون الحوثيون في تجنيد المقاتلين الجدد، وذلك لأن صفوفهم أقل وأصغر عدداً بسبب الخسائر الفادحة التي تنالهم في ساحات القتال. وقال مسؤول عسكري حوثي كبير لوكالة «أسوشيتد برس» إن قوات الحركة الحوثية لا يتجاوز عددها 60 ألف مقاتل على الخطوط الأمامية. ويقدر الخبراء الخارجيون القوة العسكرية الحوثية ما بين 15 إلى 50 ألف مقاتل إجمالاً.
ويثني كبار قادة الحركة الحوثية على الجنود الشبان الذي لقوا حتفهم في الصراع، فيما يصفونها بالحرب المقدسة ضد أميركا وإسرائيل وغيرها من القوى الخارجية التي يعتقدون محاولتها السيطرة على البلاد.
وفي ظل وزارة الدفاع الخاضعة للحركة الحوثية المتمردة، نفّذ المتمردون ما أطلقوا عليه «حملة التجنيد الطوعي الوطنية».
وصرح العميد يحيى ساري، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الحوثية، لوكالة «أسوشيتد برس» الإخبارية قائلاً: «ليست هناك سياسة عامة بشأن استخدام الأطفال في المعارك». غير أنه أقرّ بأن بعض الشبان وصغار السن يتطوعون للانضمام إلى القتال.
وقال العميد ساري: «إنها مبادرات فردية. ويندفع بعض الأطفال إثر الرغبة في الانتقام، معتقدين أنه من الأفضل الانخراط في القتال ونيل شرف الجهاد بدلاً من الموت صغاراً داخل المنازل والبيوت. وعندما يحاولون الانضمام للقتال يقوم زعماء الحوثيين بإعادتهم إلى ديارهم».
ووصف الأطفال، والآباء، والمعلمون، وإخصائيّو الرعاية الاجتماعية، وغيرهم من المواطنين اليمنيين من الذين تقابلت الوكالة الإخبارية معهم، تلك الحملة بالعدوانية والشرسة، التي تستهدف الأطفال، وهي ليست طوعية على الدوام كما يُشاع. إذ يستعين المسؤولون الحوثيون بإمكانية الوصول إلى السجلات المدنية والسجلات الحكومية الأخرى في جمع البيانات التي تتيح لهم تضييق نطاق القائمة المستهدفة لديهم للأسر الأكثر عوزاً واحتياجاً في القرى ومخيمات النازحين، أي الأفراد الأكثر احتمالاً لقبول العروض النقدية السخية مقابل المجندين.
وقال عبد الله الحمادي، نائب وزير التعليم الأسبق الذي انشق في وقت سابق من هذا العام عن الحكومة التي يسيطر عليها الحوثيون في الشمال: «إنهم لا يثيرون هذه القضية أبداً».
وقال الحمادي إن الأطفال المستهدفين للتجنيد للقتال ليسوا أنجال كبار العائلات الحوثية المهمة أو أبناء كبار زعماء الحركة. بدلاً من ذلك، عادة ما يكونون أبناء القبائل والعشائر الفقيرة الذين يستخدمون كحطب لزيادة اشتعال هذه الحرب المزرية.
وفي القرى والبلدات الصغيرة، تضم عناصر التجنيد بعض المراهقين الذين يعمل أشقاؤهم أو آباؤهم بالفعل لدى الحركة الحوثية في الشمال. ويمكن رؤيتهم يتسكعون حول المدارس، ويوزعون القات، ويحاولون إقناع الأطفال بأن يصيروا مقاتلين.
صحافي يمني يعمل داخل المنطقة الخاضعة للحركة الحوثية، رفض الكشف عن هويته بسبب مخاطر الحديث عن المتمردين، يقول: «يبدو الأمر عشوائياً من الظاهر، ولكنه بخلاف ذلك في حقيقته. فهناك فرق مكلفة بمهام محددة وهياكل عمل واضحة»، ولقد فرّ هذا الصحافي رفقة أسرته إلى مدينة مأرب، الخاضعة لقوات التحالف، إثر خشيته محاولة التعرض للتجنيد هو وأطفاله على أيدي الحوثيين.
وتؤكد عناصر التجنيد الحوثية للأسر أنه لن يتم إرسال أطفالهم إلى ساحات القتال، ولكن سوف يتم إرسالهم للعمل خلف الخطوط في نقاط التفتيش الأمنية على الطرق. وبمجرد حصول رجال الميليشيات على الأطفال من ذويهم، فإنهم يرسلونهم إلى معسكرات التلقين العقائدي ثم التدريب العسكري، وبعد ذلك فوراً إلى الخطوط الأمامية، وذلك وفقاً لإفادة طفلين مجندين قابلتهم الوكالة الإخبارية مع مسؤولين من جماعات حماية الأطفال. وتحدث المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هوياتهم خشية انتقام الحوثيين منهم بحظر جماعاتهم من العمل في اليمن.
وذكر الأطفال في المقابلات أنهم تعرضوا للتجنيد من قبل العناصر الحوثية في ملاعب كرة القدم، والمزارع، وخصوصاً المدارس. وقال طفل يبلغ من العمر 12 عاماً يدعى كحلان إن الحوثيين اقتادوه مع 10 من زملاء الدراسة خارج مبنى المدرسة إلى إحدى سيارات النقل الخفيفة، وأخبروهم أنهم سوف يذهبون إلى مكان يحصلون فيه على حقائب مدرسية جديدة، وكانت كذبة من كذباتهم المعتادة.
بدلاً من ذلك، وجدوا أنفسهم، بملابس المدرسة، داخل أحد معسكرات التدريب على القتال، يتلقون التعليمات حول كيفية الاختباء من الغارات الجوية لطائرات التحالف.

مفتاح الجنة
عادة ما يجري نقل المجندين الجدد أولاً إلى المراكز الثقافية لتلقي الدورات الدينية الأساسية التي تستمر لمدة شهر، وفيها يقرأ المعلمون بصوت عالٍ مسموع على الأطفال محاضرات حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة الحوثية، والشقيق الراحل لزعيم الحركة الحالي عبد الملك الحوثي.
وتلك المحاضرات، التي تعود بتاريخها إلى عام 2002، يجري تعميمها عبر الصوت والصورة ثم نسخها كتابة في كتيبات دراسية تُعرف باسم «الملازم» (وهي مماثلة للملازم الخمينية الإيرانية). ولقد قيل لهم إنهم يشاركون في الحرب المقدسة (الجهاد) ضد اليهود والصليبيين والدول العربية التي استسلمت للقوى الغربية، وإنه إذا مات الأطفال في القتال، فسوف يذهبون فوراً إلى الجنة. ويثير المعلمون سخط الأطفال المجندين بروايات هجمات قوات التحالف.
وقال محمد، أحد الصبيان الذين خدموا في صفوف الحوثيين بين 13 و15 عاماً من عمره: «عند التخرج من المركز الثقافي، لن تريد العودة إلى المنزل مرة أخرى، بل تريد الذهاب إلى الجهاد».
ثم يتم إرسال الأطفال المجندين إلى معسكرات التدريب القتالي في الجبال، وفقاً لكثير من الأطفال الذين تمكنوا من الفرار من الحوثيين. وبحلول المساء، ينامون في خيام أو أكواخ مصنوعة من أغصان الأشجار في العراء. وبعد يوم واحد، يتعلمون كيفية إطلاق النار من الأسلحة، وزراعة العبوات الناسفة، وتفادي الصواريخ التي تطلقها طائرات التحالف.
ومن الظهيرة حتى غروب الشمس، يحصل الأطفال المجندون على حصتهم اليومية من نبات القات المخدر، الذي يعمل على تحفيز جهازهم العصبي ويستهلكه السواد الأعظم من الشعب اليمني كل يوم. والحصول على القات يعتبر من المميزات الكبيرة بالنسبة للأطفال المنحدرين من الأسر الفقيرة، الذين لا يملكون المقدرة المالية على شرائه في منازل ذويهم.
وبعد مرور أكثر من شهر في معسكر التدريب الجبلي، يتم إرسالهم إلى الحرب، «ويرتدون أساور المعاصم التي من المفترض أن تضمن عودتهم إلى أسرهم في حالة وفاتهم وتشريفهم بلقب الشهادة». ويصف الأطفال المجندون النقوش الرقمية على تلك الأساور بأنها «الرقم الجهادي». ويسخر نقاد الحركة الحوثية واصفين تلك الأرقام السخيفة الممنوحة للأطفال بأنها «مفتاح الجنة». وبمجرد الوصول إلى ساحات القتال، كما قال بعض الأطفال، فإن أسلحتهم ومعتقداتهم تمنحهم قدراً من القوة، في حين أن البعض الآخر يشعرون بهلع عظيم.
قاتَل الصبي محمد في مدينة تعز وما حولها، التي دارت بها أطول معركة في الحرب حتى الآن.
وذات يوم من الأيام، أسر رفاقه مقاتلاً من قوات التحالف ونقلوه إلى أحد المطاعم المهدمة لاستجوابه. وقال محمد، الذي بلغ من العمر 14 عاماً وقتذاك، إنه جلب مولداً كهربائياً وأوصله بجسد الأسير، ثم أدار المولد ليبعث بشحنات كهربائية صادمة جعلته يصرخ صراخاً مفزعاً، وذلك أثناء استجواب قائده للأسير حول مواقع قوات التحالف في المدينة.
ومع انتهاء جلسة الاستجواب المريعة، قال القائد الحوثي: «تخلصوا منه»، فما كان من محمد إلا أن أمسك بقضيب معدني ثقيل، ثم أحماه في لهب شديد، ثم دفعه في مؤخرة رأس الأسير ليلقى حتفه في الحال. وقال محمد: «كان قائدي إذا أمر بالقتل فإنني أقتل من دون تردد أو تفكير، وكنت لأفجر نفسي تفجيراً إن أمرني بذلك».
وقال رياض، الصبي البالغ 13 عاماً من عمره وقاتل في جبال سيروة، إنه كان وشقيقه البالغ من العمر 11 عاماً يطلقان النار على جنديين كانا قد رفضا إلقاء أسلحتهما، وكان في أغلب الأحيان يغلق عينيه أثناء إطلاق النار من بندقيته.
وقال رياض: «بمنتهى الصراحة، عندما يعتريني الخوف، لا أعرف أين أطلق النار بالتحديد، ربما في الهواء، أو ربما عشوائياً من دون هدف». وكانت اللحظة الأكثر إثارة للهلع لديه عندما اختفى شقيقه تماماً أثناء اشتباك لإطلاق النار. وقال: «كنت أبكي بكاء مريراً، وأخبرت القائد الحوثي أن شقيقي قد استشهد». وشرع في تحريك الجثث في ساحة المعركة، باحثاً بين الوجوه المخضبة بالدماء عن شقيقه المفقود عندما تعرض رفقة مقاتلين آخرين لإطلاق النار بكثافة، فردّوا النيران بالنيران، ثم بعد برهة من الصياح بين الجانبين، أدركوا أن مطلق النار لم يكن العدو، وإنما شقيقه الذين فقده في غيوم المعركة.
وبعد بضعة أسابيع، تمكن رياض وشقيقه من الفرار، ودفعوا بعض المال لسائق شاحنة لقاء تهريبهم بعيداً عن القوات الحوثية.
أما كحلان، تلميذ المدرسة الذي أغراه الحوثيون بحقيبة مدرسية جديدة، كانت أولى مهامه هي نقل صناديق الطعام والذخائر إلى الجنود. ثم تمّ توزيعه إلى إحدى ساحات القتال. ولم يكل لديه ولا لدى الصبيان الآخرين أي ملابس سوى الزي المدرسي.
انسل كحلان هارباً من معسكر الحوثيين في ساعة مبكرة من صباح أحد الأيام، وانتقل فارّاً من قرية إلى أخرى، وقال: «كنت أخشى النظر إلى الخلف، رأيت الأحجار والأشجار، وصرّت أكثر خوفاً من اكتشاف أمري، لأنهم كثيراً ما كانوا يفضلون الاختباء خلف الأشجار».

جلسات الاستماع
انتهى المطاف بالثلاثة، محمد ورياض وكحلان، في مدينة مأرب، لدى مركز إعادة تأهيل الأطفال المجندين الذين خدموا في صفوف الحركة الحوثية المتمردة. ومنذ سبتمبر (أيلول) لعام 2017، وصل ما يقرب من 200 طفل وصبي إلى المركز، الذي أنشأته مؤسسة «واثق» ذات التوجهات المدنية، وتموله المملكة العربية السعودية.
وأوضح مهيوب المخلافي، الطبيب النفسي في المركز، أن الأعراض الشائعة بين جميع الأطفال المجندين السابقين هي «العداء المتطرف». وهم يعانون من القلق الشديد ونوبات الذعر والهلع، والتشتت أو العجز عن الانتباه والتركيز. وقال بعضهم إنهم تعرضوا للضرب المبرح الشديد على أيدي قادتهم في الحركة، كما قالت إحدى موظفات المركز. ويقوم المركز بجمع الأطفال معاً في «جلسات الاستماع» التي تساعدهم على تذكر حياتهم السابقة قبل إرسالهم إلى الحرب.
وفي يومه الأول في المركز، قال محمد إنه كان يشعر بالرعب. ولم يكن يعرف ما الذي سوف يفعلونه معه هناك، ثم قال: «رأيت المعلمين، وأعطوني غرفة أمكث فيها. وشعرت براحة منذ ذلك الحين».
تعيش والدة محمد في مدينة تعز، في منطقة خاضعة لسيطرة الحوثيين، ولذلك فهو لا يمكنه العيش معها. ولديه أقارب آخرون، وهو ينتقل من منزل إلى آخر بين أقاربه، وينام في الشارع في بعض الأحيان. ولم يعد محمد يرتدي ذلك السوار المعصمي بالرقم التسلسلي الذي منحه الحوثيون إياه كجزء من وعدهم له بالحصول على «جنازة الشهيد». وعندما فرّ من القتال لديهم، أرسله شقيقه الأكبر للاستجواب من قبل سلطات قوات التحالف. وأثناء الاستجواب، أخذ ضابط الأمن مقصاً وقطع السوار من معصم محمد.


مقالات ذات صلة

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أبو زرعة المحرّمي خلال لقاء أخير مع الفريق محمود الصبيحي في الرياض (حساب أبو زرعة على إكس)

المحرّمي: لن نسمح بفوضى أو «صراعات عبثية» في عدن

أكد أبو زرعة المحرّمي أن أمن عدن واستقرارها أولوية، وأنه لن يٌسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة، أو جرها إلى الفوضى والصراعات العبثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
TT

تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، خلال الأيام الماضية، تحركات متزامنة على المستويين الأمني والخدمي، تمثَّلت في تكثيف اللقاءات التي يجريها مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، اللواء ركن فلاح الشهراني، مع القيادات المجتمعية ورجال الأعمال في عدد من المحافظات المُحرَّرة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط المجمع الرئاسي عقب أحداث الشغب الأخيرة التي شهدتها المدينة.

وجاءت هذه التحركات في إطار مساعٍ تستهدف تثبيت الاستقرار ومنع تكرار الاضطرابات، إلى جانب الدفع بجهود تحسين الخدمات وإشراك الفاعلين المحليين في دعم مشروعات التنمية، خصوصاً في محافظات عدن وأبين ولحج التي تشهد حراكاً سياسياً وأمنياً متسارعاً.

في هذا السياق، عزَّزت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدي إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية، بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

قوات «درع الوطن» تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وامتد الانتشار الأمني من جولة العاقل، في أطراف مديرية خور مكسر وصولاً إلى مديرية صيرة، حيث فرضت القوات طوقاً أمنياً واسعاً مدعوماً بمركبات مدرعة وعربات عسكرية، مع استحداث نقاط تفتيش إضافية؛ بهدف منع أي محاولات لإثارة الفوضى أو زعزعة الاستقرار.

وجاءت هذه الإجراءات عقب أحداث شهدتها المدينة قبل أيام، عندما حاول مؤيدون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل اقتحام أحد مداخل المجمع الرئاسي، قبل أن تتصدَّى لهم القوات المكلفة بالحراسة، وتتمكَّن من احتواء الموقف.

تعزيز حماية عدن

ضمن هذه الجهود، عزَّزت وحدات من قوات «درع الوطن» وألوية «العمالقة» انتشارها في مداخل مدينة عدن إلى جانب قوات «الأمن الوطني»، في خطوة تهدف إلى تأمين المدينة ومنع تسلل أي عناصر قد تسعى لإعادة التوترات الأمنية، خصوصاً مع عودة النشاط الحكومي وانتظام عمل المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، جدَّد محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، تأكيده أن قرار إخراج المعسكرات من داخل المدينة لا رجعة عنه، مشيراً إلى أن التنفيذ سيتم بصورة تدريجية لتجنب حدوث أي فراغ أمني. كما منح مديري المديريات ومسؤولي الخدمات مهلة 3 أشهر لتقييم الأداء، مع التلويح بتغيير غير الأكفاء منهم.

وأوضح المحافظ، خلال اجتماع مع الإعلاميين، أن التوقعات عقب تحرير عدن من الحوثيين كانت تشير إلى تحسُّن الأوضاع الخدمية والأمنية والاقتصادية، إلا أن الواقع سار بعكس ذلك خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن السلطة المحلية تعمل حالياً على معالجة الاختلالات القائمة.

وأشار إلى استعداد السلطات لتشغيل الكهرباء على مدار الساعة، غير أن الاعتبارات الفنية المرتبطة بالطقس دفعت إلى منح بعض التوربينات فترة صيانة قبل حلول فصل الصيف، معلناً خطة لإضافة 100 ميغاواط خلال 4 أشهر بالتعاون مع «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

هيكلة الوحدات الأمنية

بالتوازي مع التعزيزات الميدانية، صدرت قرارات جديدة ضمن مسار إعادة هيكلة الوحدات العسكرية والأمنية في المحافظات المُحرَّرة، حيث أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي قراراً بتكليف العميد عبد الله الميسري قائداً لـ«اللواء الثاني دعم وإسناد»، والعقيد أحمد الفداء رئيساً لأركان اللواء، إضافة إلى تكليف المقدم فواز جمال برئاسة أركان العمليات.

ويتمركز اللواء في محافظة أبين (شرق عدن)، ويأتي القرار بعد يوم واحد من تعيين قيادة جديدة لقوات الأمن الوطني في المحافظة، في إطار خطوات تهدف إلى تطبيع الأوضاع الأمنية ودمج التشكيلات المختلفة ضمن بنية مؤسسية موحدة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي (إكس)

وتشير مصادر محلية إلى أن هذه القرارات تأتي استجابة للحاجة إلى تعزيز الانضباط ورفع كفاءة الأداء الميداني، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال الفترة الماضية توترات أمنية متقطعة، ما استدعى إعادة تنظيم القيادات بما يضمن سرعة الاستجابة والتنسيق بين الوحدات المختلفة.

ويرى مراقبون أن عملية إعادة الهيكلة تمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس مهنية، بما يسهم في تعزيز سلطة الدولة وتقليص مظاهر التعدد في التشكيلات المسلحة داخل المناطق المُحرَّرة.

لقاءات «التحالف»

ترافقت التطورات الأمنية مع نشاط مكثف للواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، الذي واصل لقاءاته مع قيادات اجتماعية ووجهاء ورجال أعمال في محافظات عدة؛ بهدف مناقشة احتياجات المناطق المُحرَّرة ودعم جهود تحسين الخدمات.

وفي محافظة لحج (شمال عدن) عقد الشهراني لقاءً مع مشايخ وأعيان مديريات ردفان، خُصِّص لمناقشة أبرز التحديات الخدمية والتنموية، وفي مقدمتها احتياجات البنية التحتية والخدمات الأساسية، إضافة إلى بحث آليات تعزيز التعاون بين القيادات المجتمعية والجهات المعنية لتحقيق التنمية المحلية.

وخلال اللقاء جرى استعراض الأوضاع العامة في المنطقة والتحديات التي تواجه المواطنين، حيث شدَّد الشهراني على حرص قيادة التحالف على الاستماع المباشر لمطالب السكان ونقلها إلى الجهات المختصة، مؤكداً أهمية الشراكة مع القيادات الاجتماعية في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية.

الشهراني يلتقي وجهاء منطقة ردفان ويناقش الاحتياجات التنموية (إعلام حكومي)

من جانبهم، عبّر مشايخ وأعيان ردفان عن تقديرهم لهذه اللقاءات، مؤكدين أنها تسهم في إيصال صوت المواطنين وتدعم التنسيق لمعالجة القضايا الخدمية وتخفيف معاناة الأهالي، بما يعزِّز الاستقرار في المنطقة.

وسبقت ذلك لقاءات مماثلة عقدها الشهراني في محافظة أبين مع مسؤولي المحافظة ورجال أعمال ورئيس الغرفة التجارية، حيث اطّلع على مبادرات استثمارية تضمَّنت وضع حجر الأساس لمدينة اقتصادية جديدة في منطقة العلم على مساحة تتجاوز 23 ألف فدان، بوصفه مشروع استثمارياً كبيراً تقوده شركة «سرمد».

كما شهدت المحافظة مبادرات اجتماعية واقتصادية، من بينها تبرع شركة «مدينة أحلام الشرق» بأرض مساحتها 50 فداناً مخصصة لأسر الشهداء، إلى جانب بدء شركات استثمارية أعمال إزالة الكثبان الرملية والعوائق على الطريق الدولي الرابط بين منطقة العلم ومدينة زنجبار.

مبنى السلطة المحلية في محافظة أبين شرق عدن (إكس)

وأُعلن كذلك عن منح خصم بنسبة 30 في المائة للمعلمين في المحافظة عند شراء الوحدات السكنية ضمن مشروعات «مدينة أحلام الشرق» و«مدينة سماء الخليج العربي»، في خطوة تهدف إلى دعم الفئات التعليمية وتحسين ظروفها المعيشية، بالتوازي مع تحفيز النشاط الاستثماري والتنمية العمرانية.

وتعكس هذه التحركات المتزامنة، الأمنية والخدمية، توجهاً نحو تثبيت الاستقرار في المحافظات اليمنية المُحرَّرة عبر الجمع بين ضبط الوضع الأمني وتوسيع الشراكة المجتمعية وتحفيز المشروعات الاقتصادية، في محاولة لمعالجة التحديات المتراكمة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.


كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
TT

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية، قادمة من مناطق سيطرة الحوثيين.

وأكد العقيد الركن أسامة الأسد، قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» الحدودي، أن عملية الضبط تمت أثناء إجراءات التفتيش الروتينية في المنفذ؛ حيث اشتبه أفراد الأمن بإحدى المركبات القادمة، وبعد إخضاعها لتفتيش دقيق، عُثر على الكمية مخبأة بطريقة احترافية بهدف التمويه وتجاوز النقاط الأمنية.

العقيد ركن أسامة الأسد قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» (الشرق الأوسط)

وأوضح الأسد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الكتيبة قاموا بتحريز الكمية المضبوطة وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة، وإحالة المتورطين إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

ولفت العقيد ركن إلى أن التنسيق والتعاون مع الجانب السعودي مستمر وبوتيرة قوية وفي أعلى درجاته، معرباً عن شكره وتقديره للمملكة العربية السعودية على دعمها المتواصل لليمن عموماً، وللكتيبة على وجه الخصوص، بما يُسهم في تعزيز أمن الحدود بين البلدين.

وكان العقيد أسامة، قد كشف في حوار حديث مع «الشرق الأوسط» أن غالبية شبكات تهريب المخدرات القادمة من اليمن باتجاه الأراضي السعودية ترتبط بشكل مباشر بجهاز الأمن الوقائي التابع لجماعة الحوثي الإرهابية. وأوضح حينها أن الكتيبة تمكنت من إلقاء القبض على قيادي حوثي في أثناء محاولته دخول المملكة العربية السعودية بجواز وتأشيرة عمرة مزورين، مرجحاً أن تكون دوافع دخوله ذات طابع أمني، وليس لأداء الشعائر كما يدّعي.

كميات من حبوب الكبتاجون التي تم ضبطها آتية من مناطق سيطرة الحوثيين (كتيبة منفذ الوديعة)

وفي حديثه عن العملية الأخيرة، أشار العقيد ركن أسامة الأسد أن التحقيقات الأولية تُفيد بأن معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، مبيناً أن الميليشيات الحوثية تعتمد على الاتجار بالمخدرات بوصفه أحد مصادر التمويل لأنشطتها، بما يُشكل تهديداً للأمن القومي اليمني ودول الجوار واستقرار المنطقة، مشدداً على استمرار يقظة الكتيبة وجهودها في مكافحة تهريب المخدرات، وتعزيز الإجراءات الأمنية بما يُسهم في حماية المجتمع وصون أمن المنافذ البرية.

ووفقاً للعقيد أسامة الأسد، فإن مهمة «كتيبة حماية منفذ الوديعة» الحدودي مع المملكة العربية السعودية تتركز في تأمين وحماية المنفذ، ومكافحة مختلف أشكال التهريب، سواء أكانت الممنوعات أم تهريب البشر أم المزورين ومجهولي الهوية، مشيراً إلى أن الكتيبة تضبط يومياً نحو 10 أشخاص بحوزتهم تأشيرات عمرة مزورة.

ولفت إلى أن نطاق تأمين الكتيبة يشمل «المنفذ ومحيطه لمسافة 30 كيلومتراً غرباً حتى حدود الريان التابعة لمحافظة الجوف، و50 كيلومتراً باتجاه (اللواء 11 حرس الحدود)، و40 كيلومتراً باتجاه منطقة العبر».

وأضاف العقيد الأسد أن من بين مهام الكتيبة أيضاً ضبط المطلوبين أمنياً من عناصر تنظيم «القاعدة»، إضافةً إلى الأشخاص الفارين من تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحقهم.


اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
TT

اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)

في ظل غليان شعبي متصاعد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة اتساع رقعة الفقر وزحف المجاعة، تمددت المواجهات بين الجماعة التي تسيطر على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والقبائل من محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) إلى محافظة المحويت (شمال غرب)، حيث سقط عدد من القتلى، بينهم قائد الأمن المركزي الحوثي في المحافظة.

وذكرت مصادر قبلية أن داخلية الحوثيين، التي يقودها علي حسين الحوثي نجل مؤسس الجماعة منذ اختفاء عمه عبد الكريم عقب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعاً سرياً للحكومة غير المعترف بها، أرسلت تعزيزات عسكرية وُصفت بـ«الضخمة» إلى منطقة بني الجلبي بمديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت غرب صنعاء، وفرضت حصاراً محكماً على المنطقة على خلفية نزاع بين القبائل وأحد المقاولين المكلّف بحفر بئر مياه.

وبحسب المصادر، جاءت الحملة العسكرية عقب مقتل قائد الأمن المركزي التابع لداخلية الحوثيين في المحويت، مجلي فخر الدين، وإصابة اثنين من مرافقيه خلال اشتباكات مع مسلحين قبليين بعد رفضهم تسليم معدات حفر بئر ارتوازية للمقاول الذي تسلّم مستحقاته ولم يُكمل عمله في المنطقة. كما قُتل خلال المواجهة أحد أفراد العشيرة ويدعى ياسر الحمري، إضافة إلى عدد من الجرحى.

الحوثيون لجأوا لاستخدام القوة المفرطة لإخضاع المناطق القبلية (إعلام محلي)

وأظهرت رسالة وُجهت باسم القبيلة إلى مكتب عبد الملك الحوثي، واطلعت «الشرق الأوسط» عليها، شكوى السكان من تعسفات واعتداءات متكررة تنفذها قوات الأمن، كان آخرها القتل والحصار المطبق والاختطافات والسجن خلال اليوم الأول من رمضان، عبر حملة عسكرية قوامها 200 آلية بين عربات دفع رباعي ومدرعات.

حصار مطبق

في حين أكدت الرسالة أن الجانب الأمني مستمر في حصار البيوت والممتلكات والسكان، بمن فيهم كبار السن والأطفال والنساء، بيّنت أن العشيرة، بعد أن تقطعت بها السبل ومُنعت من قبل السلطة المحلية من استكمال حفر بئر ارتوازية للشرب وسقي مواشيهم ومزارعهم، رغم أنهم كانوا على وشك إكمال المشروع، لجأت إلى إصلاح بئر سابقة كانت محفورة منذ خمس عشرة سنة، إلا أن المقاول الذي تسلّم المبلغ لم يفِ بالتزاماته وحاول سحب المعدات، فقاموا بمنعه وحجزها مطالبين إياه بإكمال عمله أو إعادة المبالغ المالية التي تسلمها، لكنه رفض واستعان بالقيادة الأمنية للحوثيين التي قامت بحبس وجهاء العشيرة ومطاردة الآخرين والضغط عليهم لتسليم المعدات أو سجنهم.

رقعة الغضب الشعبي ضد الحوثيين اتسعت جراء الفقر وقطع الرواتب (إعلام محلي)

وأكد السكان في شكواهم أن نجل مؤسس الجماعة تحول إلى خصم، وطلبوا من زعيمها عبد الملك الحوثي - وهو عمه أيضاً - التدخل ووضع حد لمثل هذه الأعمال قبل أن تتوسع رقعة المواجهة.

وأشاروا إلى أن قادة الحملة الأمنية يهددون بتفجير المنازل، وقالوا إنهم إذا لم يجدوا إنصافاً أو تجاوباً فسوف يستدعون القبائل للتدخل ومساندتهم.

حملة اعتقالات

في محافظة البيضاء، التي تشهد مواجهات متقطعة بين القبائل والجماعة الحوثية، عبرت الحكومة اليمنية عن بالغ القلق من الحملة المسلحة التي ينفذها الحوثيون في قرية المنقطع بمديرية الشرية على خلفية حادثة قتل عرضي، وقالت إنها تحولت إلى عملية انتقام جماعي استهدفت المدنيين وممتلكاتهم، في سلوك يكشف مجدداً عن طبيعة هذه «الميليشيا الإجرامية» التي تتخذ من القوة وسيلة لمحاولة إخضاع اليمنيين.

ورأى وزير الإعلام معمر الإرياني أن قيام الحوثيين باعتقال ما لا يقل عن 30 مدنياً، وفرض حصار مستمر على القرية منذ نحو أسبوعين، ومداهمة المنازل، والاستعانة بما يسمى بـ«الزينبيات» لاقتحام البيوت وترويع الأسر، يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وتصعيداً خطيراً يهدف إلى إخضاع المجتمع بالقوة، وتحويل حادثة عرضية إلى ذريعة لتصفية الحسابات وبسط النفوذ وترسيخ سياسة العقاب الجماعي.

وحمّل المسؤول اليمني الجماعة الحوثية المسؤولية الكاملة عن سلامة المدنيين في المديرية، وعن كافة الانتهاكات التي طالت الأهالي وممتلكاتهم، مطالباً المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بالتحرك العاجل لإدانة هذه الممارسات، والضغط من أجل الإفراج الفوري عن جميع المختطفين، ورفع الحصار عن القرية، ووقف الاعتداءات على الممتلكات.

وجدد الإرياني دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى رصد هذه الانتهاكات وتوثيقها، وممارسة ضغط جاد لوقف سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الحوثيون بحق المدنيين في مناطق سيطرتهم، معتبراً أنها تعكس استخفافاً متكرراً بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتؤكد أن استمرار هذا الانقلاب المسلح هو السبب الجوهري في إطالة أمد الأزمة وتفاقم معاناة اليمنيين.