ترمب يعلن الانسحاب الأميركي «الكامل والسريع» من سوريا

قال إن القرار اتخذ بعد هزيمة «داعش»... وأعضاء في الكونغرس يحذرون من انعكاسات

آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعلن الانسحاب الأميركي «الكامل والسريع» من سوريا

آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتصار الولايات المتحدة على تنظيم داعش، مؤكداً أن التواجد العسكري الأميركي في سوريا كان هدفه مكافحة «داعش»، وتم تحقق ذلك؛ وبالتالي ستنسحب القوات الأميركية من سوريا بشكل كامل وسريع.
وقال ترمب في تغريدة على موقع «تويتر» صباح أمس: «لقد هزمنا (داعش) في سوريا، وهذا هو السبب الوحيد لتواجدنا بسوريا خلال رئاسة ترمب». وأكد الكولونيل روب مانينغ، المتحدث باسم وزارة الدفاع (بنتاغون) للصحافيين، صباح الأربعاء، أن البيت الأبيض أمر بسحب القوات الأميركية من سوريا على الفور، وقال: «في الوقت الحالي سنواصل العمل مع شركائنا في المنطقة ومن خلالهم». وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية: إنه يجري التخطيط لسحب القوات الأميركية من سوريا بشكل «كامل وسريع» بناءً على قرار الرئيس ترمب، مشيراً إلى أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد «داعش» التي استمرت لأربع سنوات قد انتهت بالانتصار وهزيمة «داعش».
ويقلب القرار الافتراضات التي صرح بها مسؤولي الإدارة الأميركية في السابق من أهمية البقاء الأميركي «طويل الأمد» في سوريا؛ لضمان عدم عودة تنظيم داعش مرة أخرى إلى سوريا. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أوضح وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، أن القوات الأميركية باقية حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب السورية التي أودت بحياة مئات الآلاف من السوريين على مدى ثماني سنوات، وقال: «نحن لا نريد الانسحاب قبل أن تحرز الجهود الدبلوماسية حلولاً بالتوصل إلى السلام وتكسب المعركة، ومن ثم يتحقق السلام».
وتأتي تلك التطورات المفاجئة على خلفية تصريحات سابقة للرئيس ترمب في 29 مارس (آذار) الماضي التي أعلن فيها رغبته في الخروج العسكري الأميركي من سوريا في أقرب وقت، وقد تراجع ترمب عن قراره بسحب القوات الأميركية من سوريا بعد نصيحة مسؤولي البنتاغون بالبقاء لإلحاق هزيمة شاملة لـ«داعش» بسوريا، ومنح وزارة الخارجية الأميركية مهلة لإنهاء مهمة القوات الأميركية في هزيمة «داعش» في سوريا في أسرع وقت.
كما يأتي القرار بعد مكالمة بين الرئيس ترمب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم الاثنين، أشار فيها إردوغان إلى خطط تركيا لشن هجوم ضد الوحدات الكردية في سوريا والعراق، وهي القوات التي تقوم القوات الأميركية بتدريبها في سوريا لمكافحة «داعش».
ويقول مسؤولون: إن تلك الهجمات التركية المحتملة قد أشعلت جدلاً في اجتماعات البيت الأبيض ومسؤولي البنتاغون ومجلس الأمن القومي، حيث أشار إلى رؤية الرئيس ترمب أن هجمات تركيا تشكل تهديداً للقوات الأميركية في سوريا، وأن احتمالات تعرض القوات الأميركية لأي ضربات أو سقوط قتلى وجرحى في تلك الهجمات سيؤدي إلى عمليات أميركية ضد القوات التركية، وبالتالي مواجهة عسكرية بين البلدين. وأوضح مسؤول بالبنتاغون، أن التوصيات التي قدمها البنتاغون هي انسحاب تدريجي للقوات الأميركية، لكن الرئيس ترمب فضّل سحب جميع القوات الأميركية في أسرع وقت ممكن.
وفي سؤال حول احتمالات عودة تنظيم داعش إلى الاستيلاء على الأراضي فور رحيل القوات الأميركية، يقول مسؤولو البنتاغون: إن هناك توجداً عسكرياً أميركياً كبيراً في المنطقة لمواجهة أي تهديدات، حيث يوجد نحو 5200 جندي أميركي في العراق.
ويثير المحللون هذه النقطة في وجه إدارة ترمب، حيث يحذر الكثير من المحللين من إمكانية عودة «داعش» مرة أخرى، وينتقدون الرئيس ترمب الذي لطالما انتقد قرار الرئيس السابق باراك أوباما بسحب القوات الأميركية من العراق مما أدى إلى ظهور «داعش» بقوة في العراق وسوريا عام 2014.
ويشير بعض المحللين، إلى أن الرئيس ترمب يريد أيضاً صرف الانتباه عن سلسلة التحديات القانونية التي تواجهه خلال الأيام الماضية من إدانة لمحاميه السابق مايكل كوهين، ومسارات التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر، وتعرض المستشار السابق للأمن القومي الأميركي مايكل فلين يوم الاثنين لانتقادات لاذعة من القاضي الفيدرالي خلال المحاكمة حول تضليل المحققين الفيدراليين فيما يتعلق بالتعاملات مع الجانب الروسي
ووفقاً لمسؤولي البنتاغون، يوجد نحو ألفي جندي أميركي في سوريا يعملون على تدريب القوات السورية لمكافحة مقاتلي «داعش»، وأوضحوا أن العمل يجري حول كيفية سحب القوات الأميركية بشكل لا يعرّض الحلفاء من الأكراد، الذين تقوم القوات الأميركية بتدريبهم، للخطر من احتمالات التعرض لهجمات عسكرية تركية ضدهم.
وقد أجرى الرئيس ترمب اجتماعات عدة مع وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ومسؤولي الأمن القومي حول كيفية سحب القوات الأميركية دون التخلي عن الأكراد والمخاطرة بفقدان ثقة المقاتلين المحليين في دول أخرى من ناحية، وعدم ترك المجال مفتوحاً لإيران وروسيا لزيادة النفوذ في الأراضي السورية بعد سحب القوات الأميركية بشكل كامل وعاجل من ناحية أخرى. ويعمل مسؤولو الخارجية الأميركية بقيادة المبعوث الأميركي لسوريا السفير جيمس جيفري للوصول إلى حلول دبلوماسية للأزمة السورية والتفاوض مع تركيا حول مصير الأكراد السوريين الذين يسيطرون على 30 في المائة من أراضي سوريا، وفكرة إنشاء منطقة حكم ذاتي في شمال شرقي سوريا على غرار المنطقة الكردية في العراق.
من جهته، قال السيناتور الجمهوري لينزي غراهام، المدافع الدائم عن الرئيس: إن أي قرار يتخذه الرئيس دونالد ترمب بسحب القوات الأميركية من سوريا سيكون «خطأ». وقال غراهام في بيان: «الانسحاب الأميركي في هذا التوقيت سيكون انتصاراً كبيراً لتنظيم داعش وإيران وبشار الأسد وروسيا. أخشى أن يؤدي ذلك إلى عواقب مدمرة على أمتنا والمنطقة والعالم بأسره».
وأضاف: «سيزيد من صعوبة الاستعانة بشركاء في المستقبل للتصدي للإسلام الراديكالي. وستعتبر إيران وغيرها من الأطراف الشريرة ذلك دلالة على الضعف الأميركي في الجهود الرامية لاحتواء النفوذ الإيراني».
وقال مسؤولون أميركيون، الأربعاء: إن الولايات المتحدة تدرس انسحاباً كاملاً للقوات الأميركية من سوريا مع اكتمال حملتها لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي التي كانت تسيطر عليها «داعش».
إلى ذلك، قال مسؤول أميركي: إن إجلاء كل موظفي وزارة الخارجية الأميركية من سوريا سيتم خلال 24 ساعة.
وأصدرت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض سارة ساندرز، بياناً في وقت لاحق من صباح أمس (الأربعاء)، يكرر فيه ادعاء الرئيس بأن الخلافة «قد هُزمت»، وأضافت أن القوات الأميركية بدأت في العودة إلى ديارها «للانتقال إلى المرحلة التالية من الحملة». وقالت ساندرز: «قبل خمس سنوات، كان (داعش) قوة قوية وخطيرة للغاية في الشرق الأوسط، والآن هزمت الولايات المتحدة هذا التنظيم. هذه الانتصارات على (داعش) في سوريا لا تشير إلى نهاية الائتلاف العالمي أو حملته، لقد بدأنا بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن ونحن ننتقل إلى المرحلة التالية من هذه الحملة. الولايات المتحدة وحلفاؤنا على استعداد لإعادة الانخراط على جميع المستويات للدفاع عن المصالح الأميركية كلما دعت الضرورة، وسنواصل العمل معاً لحرمان الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين من الأرض والتمويل والدعم وأي وسيلة لاختراق حدودنا».
وصرح مسؤول أميركي، بأن القوات الأميركية ستنسحب من سوريا في إطار زمني يتراوح ما بين 60 و100 يوم. وقال: «كل ما تبع ذلك هو تنفيذ للاتفاقيات التي تم التوصل إليها في المكالمة التليفونية بين ترمب واردوغان. وأشار إلى أنه تم التشاور في هذا القرار مع الشركاء والحلفاء في المنطقة.
من جانب آخر، ألغت وزارة الخارجية الأميركية في شكل مفاجئ مؤتمرها الصحافي المقرر، حيث كان من المتوقع أن يثار الكثير من الأسئلة حول القرار الأميركي.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.