الإرهاب محور قضايا المنطقة وكل مشاكلها تدور حوله

معلقون لـ {الشرق الأوسط}: الخطاب أقام الحجة على الجميع

جانب من تفجير «الوشم» الإرهابي الذي شهدته الرياض في 2004 (تصوير خالد الخميس)
جانب من تفجير «الوشم» الإرهابي الذي شهدته الرياض في 2004 (تصوير خالد الخميس)
TT

الإرهاب محور قضايا المنطقة وكل مشاكلها تدور حوله

جانب من تفجير «الوشم» الإرهابي الذي شهدته الرياض في 2004 (تصوير خالد الخميس)
جانب من تفجير «الوشم» الإرهابي الذي شهدته الرياض في 2004 (تصوير خالد الخميس)

تضمنت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز التأكيد على ضرورة التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب باعتباره المهدد الأول لاستقرار المنطقة وأمنها وأمن العالم، وأبدى خادم الحرمين خيبة أمل من عدم تفعيل المركز الدولي لمكافحة الإرهاب الذي اقترحه خادم الحرمين الشريفين قبل نحو عشر سنوات، وتم اختيار مقره في العاصمة السعودية الرياض.
أمر آخر قرأه معلقون وخبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط» في كلمة الملك عبد الله، وهو أن الإرهاب هو محور قضايا المنطقة وأبرز أسباب معاناتها ومشاكلها، فهو يبدأ من التطرف البعيد عن وسطية الإسلام ثم يتحول إلى جماعات تمارس العنف والإرهاب باسم الإسلام، زورا وبهتانا، وتضر بالدين وتشوه صورة المسلمين، وتتولى كبره في المنطقة إسرائيل التي تمارس بدورها وبكل جبروت إرهاب الدولة ضد الفلسطينيين، فيما أشار المعلقون إلى نقطة مهمة نبه لها خادم الحرمين الشريفين، وهي تبدد جهود الحرب على الإرهاب طالما هناك دول تستفيد من ظاهرة الإرهاب وتغذيه وتدعمه.
كما شدد خبراء ومحللون سياسيون على أن كلمة خادم الحرمين الشريفين تضمنت الدعوة للوقوف بوجه الإرهاب، مؤكدين أن تضمن الإشارة بوضوح إلى الخطاب تضمنت صمت المجتمع الدولي أمام التنظيمات الإرهابية.
ورأى الخبراء في شأن تطورات الأحداث العالمية أن الكلمة أتت لتقيم الحجة على الجميع، محملين العلماء والمفكرين والمثقفين دور مواجهة الإرهاب بالكتابة عن مخاطره والقيام بواجب التحذير من تلك المخاطر.
أمام ذلك يقول الدكتور عبد الله العسكر، رئيس قسم الشؤون السياسية في مجلس الشورى، إن الخطاب الملكي عرج على المنظمات الإرهابية التي بدأت تجد لها مواطئ قدم في بعض الدول المجاورة، التي استغلت عدم الاهتمام الدولي بها مما جعلها تتوسع وربما تتحول إلى دول فاشلة، وإن الملك رأى أن التحول خطير للغاية وأن دول العالم يجب أن تتحمل دورها تجاه الوضع المتردي، وهو ما أشير إليه من أن التأخير لن يكون في صالح الدول، وربما تتحول تلك المشاكل إلى كوارث أكثر.
وأفاد العسكر بأنه يجب على الدول أن تتحمل المسؤولية التامة في عدم التوحد تجاه الإرهاب المنظم، وأيضا صمت المجتمع الدولي، وأن الدول لم تأخذ الإرهاب على محمل الجد ولم تكافحه، مفيدا بأن الخطاب وجه إلى المثقفين ومفكري الأمة لتحمل المسؤولية الكبرى بأن يفككوا مفاصل الخطاب الإرهابي المتطرف، وأن يبينوا للناس عاره، وأيضا أشار إلى أن بعض الدول تستخدم الجماعات الإرهابية لأغراض آنية لمصالح شخصية. وأوضح الدكتور العسكر أن الخطاب تطرق إلى حرب الإبادة على غزة، وأنه أشار إلى أن ما يجري في غزة هو إرهاب دولة، وأن إرهاب الدولة أخطر أنواع الإرهاب، بما أن دولة إسرائيل عضوة في مجلس الأمن، مضيفا: «الخطاب وجه رسالة إلى بعض الدول التي تؤيد الإرهاب، والتي تدعمه بالمال والدعم اللوجيستي، والعسكري، لمنظمات إرهابية، ويصعب عليه معالجة الموقف المستقبلي منه».
من جهة أخرى، قال الدكتور عيسى الغيث، القاضي الشرعي، وعضو مجلس الشورى، إن كلمة خادم الحرمين الشريفين جاءت في وقت حساس يشهد فيه العالم إرهابا كبيرا من دول كإسرائيل وإيران وسوريا والعراق، وإرهابا آخر من منظمات إسلامية مثل «القاعدة» و«داعش» ونحوهما، وكذلك منظمات غير سنية مثل الحوثيين والفصائل الشيعية في العراق ولبنان.
وأضاف: «خطاب خادم الحرمين الشريفين أقام الحجة على الجميع، وبقي علينا نحن العلماء والمفكرين والمثقفين أن نواجه الإرهاب بأقلامنا وألسنتنا ومقالاتنا وتغريداتنا على مواقع التواصل الاجتماعي وفتاوانا وخطبنا ومحاضراتنا وفي جامعاتنا ومساجدنا وبيوتنا، ونعلن النفير العام للبراءة من الإرهاب بكل أشكاله والنفير لمكافحته بالحكمة والعدل، وفي الوقت نفسه بالحزم والحسم، ولا عذر لصامت ولا متفرج».
وأشار إلى أن العالم غير جاد في مكافحة الإرهاب، حيث إن بعض الدول تستفيد منه، مثل أميركا تدعم الإرهاب الإسرائيلي، وإيران تدعم الإرهاب الصفوي وحتى تدعم الإرهاب السني ممثلا في «القاعدة» و«داعش»؛ لأنه يحقق أجندتها بتشويه سمعة السنة وإثارة الفتنة بينهم وبث الفوضى في بلاد العرب لتسهيل تغلغلها وتمددها، وغيرهما من الدول والمنظمات، ولذا تخاذلت كل الدول عن الوقوف مع السعودية في مبادرتها لإقامة المركز العالمي لمكافحة الإرهاب.
من جانب آخر، قال الدكتور صدقة فاضل عضو مجلس الشورى السعودي، إن السعودية من أكثر دول العالم معاناة من ظـــاهرة الإرهاب التي شهدها العالم في الفترة الأخيرة، حيث فقدت السعودية الكثير من أبنائها الأبرياء جراء الأحداث الإرهابية، وفي الوقت ذاته نتيجة لذلك أصبحت السعودية من أكثر الدول امتلاكا لخبرات التعامل مع الإرهاب والجماعات الإرهابية، سواء كان ذلك بالحسنى كالمناقشة الفكرية والمناصحة للمنتمين للفكر المتطرف، أو بالقوة والتعامل الأمني الحازم للمتورطين في الأعمال الإرهابية، مما أكسب الأجهزة الأمنية السعودية خبرات واسعة في إدارة حربها مع الإرهاب بتحقيق ضربات استباقية للجماعات والخلايا الإرهابية، مما مكنها من أبطال كثير من الهجمات التي تستهدف أمن البلد واستقراره واقتصاده.
ويتابع الدكتور صدقة فاضل: «أنتجت الخبرات السعودية في التعاطي مع الإرهاب أن الحرب عليه تجري على مستويين الأول أمني والثاني فكري، وهما متلازمان لا تنجح مكافحة الإرهاب والحرب عليه دون العناية بهما معا».
ولفت الدكتور صدقة فاضل إلى اقتراح خادم الحرمين الشريفين إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب في الرياض، إلا أن المركز لم يفعل بالشكل المطلوب وتأخر دوره نظرا لعدم تحمس الدول المعنية بمكافحة الإرهاب للدور الذي قد يلعبه المركز في الحرب على الإرهاب، وأضاف: «لا بد من تعاون دولي ولا بد من تكاتف الدول المعنية بالحرب على الإرهاب وتنسيق جهودها من الناحية الأمنية والمعلوماتية لتحجيم خطر الإرهاب».
خادم الحرمين الشريفين شخص في كلمته الوضع الحالي للأمتين العربية والإسلامية، وأسباب ذلك، كما وضع خادم الحرمين الشريفين - والحديث للدكتور فاضل - في الكلمة ظاهرة التطرف المتلازمة مع الإرهاب كأبرز أسباب تردي الوضع الراهن، وأشار فاضل إلى أن هناك مجموعات من أبناء الأمة خرجوا عن وسطية الإسلام وتطرفوا ولجأوا إلى العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم الغامضة وغير المشروعة، وفي سبيل ذلك شوهوا صورة الإسلام ولطخوا صورته الوسطية والمعتدلة التي تحث على الاعتدال والتسامح، وأساءوا إلى الأمة الإسلامية.
من جانبه أكد الدكتور ناصر الشهراني عضو مجلس الشورى السعودي أن خادم الحرمين الشريفين وضع العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي بأكمله أمام مسؤولية تاريخية في مواجهة التطرف ومكافحة الإرهاب؛ حيث خاطبت كلماته الضمير الإنساني لوضع حد لكل من يتخاذل في مكافحة الإرهاب لتحقيق مصالح وقتية أو مخططات مشبوهة، وتستنهض دعوة خادم الحرمين الشريفين قادة الأمة الإسلامية وعلماءها للقيام بما يجب عليهم في مواجهة الفكر المتطرف والإرهاب الذي يتستر بالدين ظلما وعدوانا.
وقال الدكتور الشهراني إن الأحداث الجارية في العالم العربي، وأنماط التطرف والإرهاب التي تُغذّي وتَتَغذّى مما يجري من صراعات وتفكك وهدم للأمة العربية؛ والقوى التي تقتات سياسيا من هذه الأحداث؛ كل ذلك حمل خادم الحرمين الشريفين على إطلاق هذا النداء للأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي، والعلماء والمفكرين وعقلاء العالم أجمع؛ للوقوف صفا واحدا لمواجهة تداعيات هذه المرحلة التاريخية التي تشهد انتشار رقعة الإرهاب، وتسلط تجار النزاعات والحروب، وانحسار وحدة الصف العربي، وشماتة أعداء الأمة العربية والإسلامية بما آلت إليه أوضاعها.
وشدد الشهراني على أن مضامين كلمة خادم الحرمين الشريفين تعكس بحق نداءاته المتكررة لوحدة الصف، والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وبث روح التسامح، واضطلاع كل الدول والمجتمعات والقادة والعلماء بمسؤولياتهم تجاه ما يجري. ويجب أن نستذكر هنا خطاب خادم الحرمين الشريفين أمام المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في مدينة الرياض في فبراير (شباط) عام 2005 حيث قال: «إن الإرهاب لا ينتمي إلى حضارة ولا ينسب إلى دين ولا يعرف ولاء لنظام، إن الإرهاب شبكة إجرامية عالمية صنعتها عقول شريرة مملوءة بالحقد على الإنسانية ومشحونة بالرغبة العمياء والقتل والتدمير». وقد دعا خادم الحرمين الشريفين حينها لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب؛ لتعزيز العمل الدولي الجماعي في مكافحة الإرهاب. ورحبت دول العالم بهذا المقترح؛ وقدمت المملكة كل الدعم لإنشاء هذا المركز، إلا أنه لم يتحقق من هذا المركز الجهد المأمول في مكافحة الإرهاب على صعيد دولي.
وتابع الدكتور ناصر الشهراني: «لقد عكست كلمات خادم الحرمين الشريفين سياسة السعودية وموقفها الدائم في مجال مكافحة الإرهاب، وتعزيز جهود التعاون والتنسيق، كما أوضحت الكلمة بجلاء أن ما يجري من أحداث في العالم العربي وتنامي خطر الإرهاب، واستغلال الدين؛ يشير بوضوح إلى أن هناك من يعمل للاستفادة من الفوضى، بالمساعدة والتواطؤ تارة، وغض الطرف تارة أخرى، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تعزيز سطوة الإرهاب، وانتشار مسرح عملياته».
وأضاف: «لقد استغلت أطراف إقليمية ودولية ما يعرف بالربيع العربي لتمرير أجندة الفوضى مستخدمة الإرهاب أداة لذلك، وكانت السعودية في مثل هذه الظروف رأس الحربة في حماية الأمن القومي العربي ومحاولة جمع كلمة العرب؛ لمواجهة تحديات هي الأخطر في تاريخ العالم العربي. وتسامت مواقف المملكة على بعض التصرفات والأحداث؛ بهدف مواجهة هذه الأزمات من خلال موقف عربي موحد يصطف مع الحق، ويقدم المصالح العليا للعالم العربي، ويستشعر الخطر».
وقال إن تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ليس اختيارا؛ بل هو ضرورة حتمية تفرضها الشريعة الإسلامية ومواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي، ويجب على المجتمع الدولي أن ينظر إلى ما يحدث في العالم العربي على أنه سيؤثر بالضرورة على كل دول العالم؛ إن لم تتوقف الأجندات العبثية، ويضطلع مجلس الأمن بدوره الأساسي في حفظ الأمن والسلم الدوليين. إن عدم اضطلاع مجلس الأمن الدولي بالدور المطلوب منه هو ما حذرت منه المملكة عندما اعتذرت عن عضوية مجلس الأمن الدولي؛ حيث ظل هذا المجلس انتقائيا في قراراته مراعيا لمصالح الدول دائمة العضوية حتى في مجال بالغ الدقة والحساسية، وهو مجال التعاون في مكافحة الإرهاب، وأضاف أن خادم الحرمين الشريفين يقول بوضوح نحن قمنا بواجبنا ومواقفنا شديدة الوضوح، وهذه هي المخاطر وهؤلاء هم المساهمون في تأجيج نار الفتنة. فماذا أنتم فاعلون؟
بدوره، عد الدكتور زهير الحارثي عضو مجلس الشورى السعودي كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز تشريحا لواقع الأمة الراهن، وقال الحارثي: «استخدم الملك، كما هي عادته، عبارات واضحة وصريحة في طرح الواقع كما هو باستخدام لغة المصارحة والشفافية في تشخيص واقع الأمتين العربية والإسلامية».
وشدد الحارثي على أن كل قضايا المنطقة والقضايا المطروحة في كلمة خادم الحرمين الشريفين لها علاقة بشكل أو بآخر بالإرهاب، حتى الوضع الفلسطيني الذي يعاني إرهاب دولة تمتلك كل أسباب القوة، فإسرائيل دولة إرهابية تمارس أبشع أنواع الإرهاب وأخطره ضد الفلسطينيين العزل. وتابع الحارثي: «السعودية تنادي منذ فترة بضرورة التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، فالإرهاب آفة لا علاقة لها بالدين ولا يمكن محاربتها دون تنسيق دولي وجدي في التعامل مع خطر الإرهاب».
وعدَّ الحارثي النداءات السعودية لضرورة التنسيق في الحرب على الإرهاب ومكافحته، وآخرها كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يوم أمس دليل ثابت وقاطع على أن السعودية ضد الإرهاب والجماعات المتطرفة وأنها تقود الحرب على الإرهاب، وقال إن اتهام السعودية بدعم الإرهاب والحركات الإرهابية محض افتراءات لا تثبت أمام جهود السعودية في مكافحة خطر الإرهاب، وإنها في مقدمة الدول التي تعمل على مكافحته وتحجيم خطره على دول المنطقة ودول العالم.
ولفت الدكتور زهير الحارثي إلى خيبة الأمل التي عبر عنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في كلمته بشأن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب الذي طرحته السعودية مبادرة في الحرب على الإرهاب في عام 2005، حيث قال الحارثي عبر خادم الحرمين الشريفين عن هذه الخيبة لأن المجتمع الدولي لم يتفاعل مع فكرة إنشاء المركز بالشكل المطلوب.
وأضاف الحارثي: «السعودية كانت تخشى صعود ظاهرة التطرف ووضع الإسلام في مواجهة عدائية مع الغرب، وكانت تحذر من ذلك».
ويضيف: «لم يكن أحد يجزم بأن تتجه البوصلة لما تتجه له الآن من انتشار ظاهرتي التطرف والإرهاب اللتين تهددان المنطقة والعالم، لذلك صارح الملك قادة الأمة وعلماءها بضرورة تحمل مسؤولياتهم التاريخية تجاه شعوبهم وأمتهم ومواجهة هذا التطرف والإرهاب بتنسيق الجهود». وشدد الحارثي على أن هناك مهمة في كلمة خادم الحرمين وهي «الدول الداعمة»، وقال إن هناك تضخيما للحركات والتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش»، التي لا تضم سوى بضعة آلاف، وتابع: «ليست الإشكالية مع هذه الجماعة وغيرها من التنظيمات الإرهابية، إنما الإشكالية أن هناك دولا إقليمية تستغل ظاهرة الإرهاب لتحقيق مصالحها، فتقدم الدعم لهذه الجماعات الإرهابية وتستفيد من وجودها».
ويخلص الحارثي إلى أنه لا يمكن تحجيم الإرهاب ودحره وهناك دول تدعم في الخفاء وتستفيد من ظاهره الإرهاب والجماعات الإرهابية في المنطقة.
وقال الدكتور خليل الخليل، الباحث والأكاديمي، إن دعوة خادم الحرمين الشريفين تأتي للوقوف أمام الإرهاب، وحمل الخطاب إطلاق مصطلح «الإجرام»، ووصف من يقوم بجرائم الإرهاب، مبينا أن بعض الجماعات الإرهابية تعتقد أن ما يقومون به لا يعد جريمة، موضحا أن خطاب الملك استنهض علماء الأمة وأدرك أن أساس الإرهاب فكر، وأن طرق المعالجة تتطلب مجهودا دينيا وفكريا فعالا، وبالأخص على المفكرين وعلماء الأمة، وأن هذا الاستنهاض يلقي بالعبء على العلماء وعلى المؤسسات الدينية، التي رأى أنها فشلت في مواجهة المعتقدات والمرتكزات التي تغلغلت في عقول الناشئة، وأن بعض المؤسسات لم تعلن الحرب على تلك المؤسسات التي تروج للمعتقدات الخاطئة، والتي هي أسقطت الشباب في مراتع الإرهاب، ولم تقم تلك المؤسسات بصناعة جرعات دينية تحمي الشباب. وأشار الكاتب والأكاديمي السعودي إلى أن الإرهاب له شأن دولي وأصبح مصدر تهديد وقوانين، وأن الدولة الوطنية مهددة من قبل ميليشيات دينية، ومهددة عبر بث شعارات.
بينما أكد الدكتور عبد الرحمن بن إبراهيم الحبيب رئيس قسم الصحافة بجامعة الملك عبد العزيز أن الكلمة التي وجهها خادم الحرمين الشريفين حملت مضامين ومرتكزات أساسية تتمثل في نبذ الإرهاب ومحاربته والتحذير من الفتن واستغلال الإسلام لأهداف ومآرب خبيثة هي في حقيقتها أبعد ما تكون عن الإسلام وتشوه صورته، مشيرا إلى أنها تحمل الصفاء والنقاء والعدالة والسلام.
وقال: «إن المملكة، وهي محضن الإسلام ورائدة السلام وإشاعة الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان، لم تدخر وسعا في السعي نحو تحقيق هذه الأهداف ومواصلة المسيرة في تعزيز الوسطية ونبذ التطرف ووقف المجازر والإبادة الجماعية من قبل العدو الصهيوني للأشقاء الفلسطينيين الذين لا حول ولا قوة لهم إلا بالله، فما أحوج الأمة العربية والإسلامية إلى التكاتف والترابط ونبذ الانقسام والتمزق وتغليب المصلحة الجماعية على المصالح الفردية». من جهته، أشار سعود بن علي الشيخي مدير عام هيئة الإعلام المرئي والمسموع بمنطقة مكة المكرمة إلى أن كلمة الملك عبد الله بن عبد العزيز تأتي في وقت تلملم فيه جراح الأمة وتدعو لوحدة الصف ونبذ الخلافات والقضاء على الفتن، وأوضح أن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام دين عنصرية أو خدمة طائفية على أخرى، ولا يميل للتطرف والكراهية والإرهاب، بل هو دين السماحة والألفة والمحبة، مؤكدا دور المملكة في إشاعة روح الحوار ونبذ الخلاف بصوره وأشكاله كافة، مما جعلها محل احترام وتقدير على مستوى العالم الإسلامي والعربي والعالمي.



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.