مصطفى حجازي: عودة التنظيمات مرفوضة في مصر ولو بعث التلمساني

مستشار الرئيس المصري أكد لـ «الشرق الأوسط» أن باب التوبة مفتوح لمن يريد العودة للصف الوطني.. لكن بشروط

د. مصطفى حجازي المستشار السياسي للرئيس المصري
د. مصطفى حجازي المستشار السياسي للرئيس المصري
TT

مصطفى حجازي: عودة التنظيمات مرفوضة في مصر ولو بعث التلمساني

د. مصطفى حجازي المستشار السياسي للرئيس المصري
د. مصطفى حجازي المستشار السياسي للرئيس المصري

أكد الدكتور مصطفى حجازي، المستشار السياسي للرئيس المصري، أنه لا عودة إلى الماضي في قرار اعتبار الدولة المصرية جماعة الإخوان المسلمين «تنظيما إرهابيا»، موضحا أن التنظيم «سقط في كل الاختبارات» بشهادة أطراف المجتمع الدولي ذاته، والذي أيقن أن المهارة الأساسية للجماعة هي «الخطاب المزدوج».
وأشار حجازي، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر الهاتف من القاهرة، إلى أن قرار إعلان الجماعة إرهابية كان بناء على قرارات اتخذتها الجماعة ذاتها بصورة علنية على مرأى ومسمع من الجميع بأنها ستقوم بأفعال من شأنها إرهاب وترويع المجتمع المصري، مشددا على أنه لا مجال للتأويل في ذلك. كما أكد مستشار الرئيس أن القرار ليس سياسيا، بل هو استخدام وتطبيق لقانون موجود، وأن المصريين أنفسهم هم من طالبوا بتدخل الدولة لحماية الشارع من تبعات عنف الإخوان، مؤكدا أن الإعلان في حد ذاته كان «تقريرا لواقع».
وأوضح حجازي أن باب الرجعة مفتوح دائما لمن لم يرتكب جرما في حق المجتمع، لكن على هؤلاء أن يتحملوا مسؤولية ما حدث بسببهم، وأن يقوموا بجسر الفجوة التي أحدثها هذا التنظيم الذي انتموا إليه، بما يتطلبه ذلك من نبذ للعنف وتبرؤ من الجماعة. وحول وجود توجهات لدى بعض المنشقين عن الجماعة لإعلان جمعيات أخرى ومرشد جديد، أكد حجازي أن مصر تجاوزت هذه المرحلة، وأن المجتمع لن يقبل بهذا النوع من التنظيمات مرة أخرى مهما اختلفت الأسماء، مشددا على أن التنظيم الوحيد الموجود في مصر الآن هو «الدولة» ذاتها.. مؤكدا على ذلك بأنه حتى إذا بعث عمر التلمساني نفسه (وهو أكثر مرشدي الإخوان اعتدالا) فإن أمر عودة التنظيمات غير قابل للتفاوض.
كما أشار حجازي إلى أنه يعتقد أن مصر تجاوزت مرحلة عودة حكم «الطوارئ» حتى إذا زاد العنف، مؤكدا أنه «في إطار القانون العادي، وفي إطار منظومات حقوق الإنسان وقيم المجتمع، فإننا سننتصر على الجريمة وسننتصر على الإرهاب». وإلى نص الحوار..

* لنبدأ من الحدث الأقوى حاليا.. بعد أكثر من 80 عاما، وبعد صعود لكرسي السلطة لم يستمر طويلا، قررت مصر إعلان جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.. كيف ترى الأمر؟
- هناك منطق حاكم يقول إننا لدينا تنظيم وجماعة ينتهجان العنف بشكل منظم جدا في محاولة لإيصال وجهات نظرهما.. وكانت لديهما رغبة واضحة لا تحتمل أي تأويل - كما سميتها أنا – في «الاعتصام في الزمن»، بمعنى محاولة إيقاف حركة المستقبل في هذا المجتمع، وإيذاء هذا المجتمع بأكبر درجة ممكنة. ويسمى هذا الإيذاء بأنه عنف ممنهج يصل إلى درجة الإرهاب.. وقلنا هذا سابقا - ربما حتى قبل فض ما يسمى بالاعتصامين - بأنه في اللحظة التي يصل فيها العنف إلى أن يكون ممنهجا والغرض منه هو إلحاق أذى بحياة الناس البسطاء المسالمين اليومية وإيقاف عجلة الاقتصاد في المجتمع؛ فإن هذا يسمى «فعلا إرهابيا».
وهذا أمر لم يكن معرفا في مصر أو في العالم كله على هذا النحو.. وبالتالي فنحن أمام تعريف عملي.. إننا أمام تنظيم بالفعل يقوم بأعمال إرهابية وفي أخف التعبيرات يقوم بأعمال عنف ممنهج. لكن هذا الأمر أصبح معرفا على أرض الواقع.. وعموم المصريين يشعرون به ويطالبون برد فعل عملي وقانوني في مقابل هذا الأمر.
* البعض رأى القرار تأخر، وآخرون عدوه متعجلا.. ما رؤيتكم من منطلق كواليس قصر الرئاسة حول خلفيات وقت صدور القرار؟
- رد الفعل العملي كان في أحوال كثيرة، كانت هناك محاولات في بعض الأحيان لعذرهم من أطراف المجتمع. وفي أحوال أخرى كان هناك من ينادي بمواجهة بقوة القانون، ووضوح في المواجهة القوية من طرف الدولة والقانون. والدولة في كل الأحوال لديها إيمان بأننا نضمن حرية الناس في التعبير واعتناق الأفكار، ولكن بشكل سلمي ودون استخدام العنف.. وهو ما كان يصدر دائما تأكيدا لهذه الحقوق في البيانات الرئاسية وعن مجلس الدفاع الوطني، وسندافع عنه دائما. لكن أي دولة تحترم نفسها فإنها بنفس القدر الذي تحمي به حريات أبنائها تكون مهمتها الأولى هي حماية مجتمعها وأبناء هذا المجتمع من الإرهاب والعنف ومن محاولة إيذائهم بأي شكل من الأشكال.
وما حدث من خلال إعلان الجماعة تنظيما إرهابيا هو في اعتقادي «تقرير لواقع». ربما رأى البعض أن القضية ما زالت في حوزة القضاء، والحكم القضائي قد يصدر في أي وقت. ولكن استخدمت الحكومة المصرية حقها في أنها عرفت من خلال قانون قائم - وليس قانونا مستحدثا - أن هناك مادة تسمى 86 في قانون العقوبات تعرف ما يجري الآن من هذا التنظيم على أنه عمل إرهابي. ومن ثم، فإن وصف هذه المنظمة بأنها إرهابية هو من واقع قانوني وليس تعريفا مستحدثا؛ أو تعريفا سياسيا كما يروج البعض. وفكرة أنه تأخر أو تقدم، قد يكون ترك للحظة لمحاولة - في أوقات كثيرة - أن يعود البعض إلى رشدهم، وأن يكونوا أكثر مصرية، أكثر من كونهم ينتمون إلى تنظيمات أو جماعات أخرى.
ولكن في التصعيد الأخير الذي رآه الجميع في الدقهلية والقاهرة وغيرهما من أحداث، بدا بوضوح شديد للغاية أن هذا التنظيم بالفعل يقرر في حق نفسه، من دون أن يقرر له أحد، أنه تنظيم إرهابي.. فهو ينال من سلامة البسطاء وعموم الناس المسالمين بغرض إرهابهم وترويعهم وإيذائهم.
* لكن البعض ربما من المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي يسأل لماذا جرى الربط بين الإخوان والأحداث، رغم أن هناك بيانات لجهات أخرى تزعم تبنيها مثل «أنصار بيت المقدس» أو «كتائب الفرقان»؟
- هناك طريقتان للبحث.. إما أن نتعامل مع حقائق واقعية على الأرض، أو نستقي الحقائق من واقع مستندات أو إجراءات. لو تناولنا الموضوع من حيث الواقع على الأرض، فالكل يعرف ويرى ويستطيع أن يؤكد وأن يربط أن لدينا تنظيما قرر «علانية» على مرأى ومسمع من الجميع أنه سيقوم بهذه الأفعال حال عدم وصوله إلى ما يريد؛ وكان هدفه هو إعادة اختطاف مصر كدولة مرة أخرى. هذا أمر أعلن وأقره هذا التنظيم على نفسه، ولا مجال للتأويل في هذه النقطة.
* وهل يرى المجتمع الدولي ذلك حاليا؟
في كل الأوقات، ومن قبل فض الاعتصام، تحدثت أطراف المجتمع الدولي عن أن هذا التنظيم لم يتبن أفعال العنف في الشارع، وكانت تلتمس لهم الأعذار. وكانت هذه الأطراف الدولية دائما ما تأخذ منهم كلاما جميلا عن الديمقراطية والحرية والرغبة في الانخراط في الحياة العامة وما إلى ذلك. ولكن هذا المجتمع الدولي نفسه، وبشهادة بعض أطرافه بأنفسهم لنا كمسؤولين مصريين، كان في منتهى الوضوح والقطع، بأنهم رأوا من أفعال هذا التنظيم ما يكفي لكي يؤكد أن هذا التنظيم يتبنى خطابا مزدوجا، وعلى حد تعليق ميشيل باكمان في مقالتها الشهيرة أنه «شأنه شأن أي تنظيم فاشي آخر.. المهارة الأساسية التي يتبناها هي الخطاب المزدوج».
وبالفعل هم لديهم قدرة فائقة على التحدث إلى كل طرف بما يروقه.. ودائما يراهنون على الفجوة بين ما يمكن أن تعطيه لهم من مساحة تفسير الشك في مصلحتهم، من حيث أن عليك أن تصدقهم أو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. وبين ما يفعلونه على أرض الواقع. لكن واقع الأمر أن التنظيم سقط في كل الاختبارات التي كانت من طرف المجتمع الدولي، قبل أن تكون من طرف المجتمع المصري. ونحن أعلنا أنهم خلف تلك الأحداث لأنهم كانوا يعلنون ذلك.. فحين كان يخرج من ينفذ أي عملية كان يسبقه خروج بيان من «أذنابهم» كـ«بيت المقدس» أو غيرها، أو ما يحدث في خلال المسيرات والمظاهرات. وكما رأينا فإنهم لم يستطيعوا أن يجابهوا المجتمع مرة أخرى بشعار تنظيم الإخوان (الأصلي)، لأنه أصبح شعارا ينم فعلا عن حالة مكروهة ومقيتة في الشارع؛ واستبدلوه بشعار الكف والأصابع السوداء على خلفية صفراء، في محاولة لتغيير الشعار.
وهي ليست المرة الأولى التي نرى فيها أنهم يحاولون تقديم هذه المماحكات للقواعد الإنسانية والقانونية التي هي منهم براء. والقاعدة القانونية تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. لكن حين يوجد توجه عام لدى هذا التنظيم إلى أن يكون هو من يتبنى هذه الجرائم في كل مرة فلا نستطيع أن نقول إنه بريء. من الممكن أن يكون هناك أفراد داخله يرفضون العنف، لكن هؤلاء شواذ القاعدة. القاعدة الآن أن لدينا تنظيما يمارس العنف والإرهاب.. ويقول إن ما كان يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التالية إذا وصل إلى ما يريده. وما يحدث في سيناء لم يعرفه أحد في المجتمع الدولي إلا بأنه فعل إرهابي مكتمل الأركان.
* وماذا عن ردود الفعل؟
- كون المجتمع الدولي لديه أمل أن «يبقى البعض رقما في المعادلة» فأنا أتصور أن المجتمع الدولي عليه أن يعرف أنهم هم من يخرجون أنفسهم من المعادلة، وعلى المجتمع الدولي أن يراجعهم هم ولا يراجع الطرف الذي يمثل الإدارة المصرية.. فنحن في الإدارة المصرية في كل وقت حاولنا محاولات جادة جدا. لكي ينخرط الجميع؛ دون استثناء. وهناك قطاعات أخرى في المجتمع ربما صغيرة لديها بعض التحفظات، الجميع مسموح له ومرحب به إذا أراد أن يكون جزءا من خارطة المستقبل.. بغير ذلك، فلا أحد يستطيع - ولا يملك حتى من باب الشرعية - أن يقدم لأحد شيئا.
* ما هو الموقف ممن يريدون التراجع من المحسوبين على الجماعة والعودة إلى الصف الوطني؟
- التنظيم كانت منه شخصيات أمثال ناجح إبراهيم وثروت الخرباوي وكمال الهلباوي وآخرين.. وهؤلاء جميعا هم مواطنون مصريون بالدرجة الأولى ولم يحاسبهم أحد بأثر رجعي. نقول إنه دائما بقي - في كل وقت - باب للرجعة لمن لم يرتكب جرما في حق المجتمع أو إرهابا، لأن من ارتكب جرما أو إرهابا مآله إلى المحاسبة والمساءلة القانونية أولا، ومن سيستطيع أن يتجاوز الآن نفسيا ما كان فيه، ومن لم يمارس العنف بشكل منهجي ولم يقر به بشكل واضح، إذا أراد أن يعود إلى المجتمع مرة أخرى ويطلب العفو والصفح فأهلا به؛ شريطة أن يتوقع أن المجتمع هو من سيقبل أو لا يقبل.. وعليه هو أن يقوم بجسر الفجوة التي أحدثها هذا التنظيم الذي انتمى إليه. وعلى هؤلاء أن يتحملوا مسؤولية ما حدث بسببهم، ولا يطالبوا أحدا بأن يكون أكثر تفهما من أنفسهم.. فهو في لحظة ما تبنى عقيدة فكرية معينة وتصورا تنظيميا وحركيا معين ضد حركة حياة المصريين ومنهج الحياة في مصر. وإذا كان صادقا في توبته، شأنه شأن من قاموا بمراجعات حقيقية مثل من ذكرت، ونقضوا الفكرة الأساسية، فقد يكون له حظ في المجتمع دون ضمانات.
* وما التصور للصيغة المقبولة لمن يريد التراجع من المنتمين للجماعة إلى الصف الوطني؟
- يجب أن يعلن إعلانا قاطعا ليس فقط بنبذ العنف، لأن ما كان مكفولا في يوليو (تموز) ليس مكفولا الآن.. بل عليه أن يعلن عمليا ونظريا أنه يتبرأ بمعنى الكلمة من هذا التنظيم وهذه الجماعة وما حوته من أفكار. والمشكلة الحقيقية أن الآن الأمر استفحل لدرجة أنه تبين أنه يوجد في الأفكار ذاتها جرم في حق المجتمع، وعلى من يريد العودة مراجعة هذه الأفكار والتخلي عما يتصوره من صورة للإسلام، وأن يعود إلى الإسلام السمح، والإسلام رحب لدرجة أن يحتوينا جميعا وكذلك الوطن.
وهناك أمر آخر خطير عليهم أن يتبينوه، وهم أوصلوا أنفسهم إليه في هذه اللحظة.. حيث عليهم أن يفهموا أنهم الآن انتقلوا مما كان يسمى بـ«الحظر القانوني»، وهو ما كانوا يجدون فيه فسحة للتعامل مع المجتمع، إلى مرحلة ستزيحهم من صفحة المجتمع بطريقة سبق أن قلت إنها «خشنة للغاية»، وهو ما أدى إلى أنهم حظروا «حظرا مجتمعيا»، وهو ما مهد إلى إعلانهم منظمة إرهابية. وبالتالي نحن الآن نتحدث عن تنظيم «إرهابي»، بما يعني أنه لن تصبح هناك فسحة سواء للمواطن العادي أو المسؤول بالدولة لأن يتعامل مع هذا التنظيم الإرهابي، كون هذا الأمر أصبح مجرما بحكم القانون.. وهو ما يعني أن الموقف أصبح في منتهى الصعوبة.. لأنهم صاروا مثلهم مثل من يوجدون في «تورا بورا» والآخرين الذين يؤثم التعامل معهم دوليا ومحليا.
* هناك بعض من شباب الإخوان أعلنوا نبذ الجماعة، وأعلنوا عن نيتهم بدء كيان جديد يقدم خدمة اجتماعية، وأنهم سيعينون مرشدا جديدا.. ما تعليقك، وهل تقبل الدولة استمرار الشكل التنظيمي الهرمي ولو بعيدا عن السياسة؟
- مصر تجاوزت هذه المرحلة.. ولن يقبل المجتمع بهذا النوع من التنظيمات مرة أخرى مهما اختلفت الأسماء. وهذا ليس وليد الأمس ولا عائدا على قرار إعلان الجماعة تنظيما إرهابيا.. لكن هذا ما نحاول توضيحه منذ أكثر من عام. هذا المجتمع لن يقبل بهذه التنظيمات؛ ليس فقط لأنه اكتوى بنارهم، بل لأن المجتمع أيقن أنه يوجد «شر» داخل هذه التنظيمات، كما عرف المجتمع الغربي سابقا أن الفاشية والنازية وأشكالهما هي تنظيمات خطرة.
إذن، ففكرة التنظيمات على هذا النحو أصبحت فكرة غير مقبول بها في هذا المجتمع مرة أخرى.. والآن يعلن من يعلن، ويسمي من يسمي كما يشاء، متصورا أنه يريد إعادة إنتاج التنظيم مرة أخرى. لكنني أقول الآن «إذا بعث عمر التلمساني» (مرشد الإخوان الأسبق في عهد الرئيس الراحل أنور السادات)، وهو كان من أكثر قيادات الجماعة عقلا وتفهما، وإذا تصور أحدهم أن التلمساني يمكن أن يقود نسخة جديدة من تنظيم جديد، فهذا الأمر أصبح غير قابل للتفاوض في هذا المجتمع. عليهم الآن أن يحيوا دون تنظيمات؛ بل كمصريين فقط.
والتنظيم الوحيد الموجود في مصر الآن هو «الدولة»، وهي المؤسسة والمظلة الوحيدة. ولا توجد لوائح لتنظيمات أخرى وفقا للقانون الذي نحيا في كنفه جميعا.. ليس هناك مكان لا لمرشد جديد ولا لتنظيم جديد.. وهذا الإطار أصبح إطارا «مؤثما» في المجتمع ولن يسمح أحد بوجوده مرة أخرى.
* سؤال أخير.. إذا استمر العنف في الشارع المصري، هل هناك أي احتمالية منظورة لعودة إعلان حالة «الطوارئ»؟
- أعتقد أننا كدولة مصرية تجاوزنا مرحلة ذلك. وأفضل ما حدث في المرحلة السابقة أننا صرنا نحاول أن نتفوق على أنفسنا، ولا نحاول أن نسابق أحد.. ولا نريد أن يقوم أحد بتقييمنا، فنحن من نقيم أنفسنا.
وهذا الأمر ينطبق على خارطة المستقبل، كما ينطبق على نوعية الإطار القانوني الذي نريد أن نحيا به. وبالتأكيد، لو كان الوقت كما كان في عصر (الرئيس الأسبق حسني) مبارك لكان هناك من الذرائع ما قد يقبل به الناس إعادة (حالة) الطوارئ مرة أخرى. لكننا نعرف الآن أننا نستطيع أن ننتصر على هذا الإرهاب في إطار قانوني غير استثنائي.. ونحن نريد أن نودع حالة الاستثناء في كل الأحوال.
ولكن ما نؤكد عليه أنه في إطار القانون العادي، وفي إطار منظومات حقوق الإنسان وقيم المجتمع، فإننا سننتصر على الجريمة وسننتصر على الإرهاب. إذن فلا نحتاج إلى منظومة الطوارئ أو ما شابه.. بل ما نحتاجه هو أن الجميع يقرر ويتأكد أننا في دولة، ويقبل أننا في دولة.. وأنه لن يسمح لأحد بتحدي فكرة ومبدأ القانون.. وأتصور أن هذا أقوى وأمضى وأكثر أثرا من أي «طوارئ».
* ما رؤيتك للقادم؟
تفاءلوا بالخير تجدوه.. فمصر ماضية على طريقها.. والدولة وشعبها أقوى من أي وقت مضى بإذن الله.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.