الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

تداخل فظيع في خريطة القوى لكن لا شيء هناك يشبه قطاع غزة

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
TT

الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)

بخلاف قطاع غزة، لا يمكن حصر المواجهة في الضفة الغربية التي ترزح تحت احتلال إسرائيلي مباشر يتحكم في كل مفاصل الحياة هناك بما في ذلك السلطة الفلسطينية الحاكمة.
حالة من الفوضى هنا، وتداخل لا يمكن تنظيمه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، جنود إسرائيليون على الأرض مقابل شرطة فلسطينية ورجال أمن، مستوطنون في الشوارع مقابل مواطنين، وشوارع منفصلة وأخرى مشتركة، وفي أحيان كثيرة اختلاط غير مفهوم في مجمعات التسوّق والمنتجعات البعيدة والمناطق الصناعية ووجهات سياحية محددة وفي البلدات الوادعة.
إنه احتكاك مباشر يكاد يكون في كل شارع وزاوية ومنطقة وفي كل يوم وساعة ودقيقة، بشكل مرتب سلفاً أو فجائي، وهو احتكاك عادي جداً، لكنه يجعل المواجهة هنا أصعب وأسوأ ومعقدة أكثر من غزة أو لبنان، ويخلق حالة لا يمكن لجهاز أمني أن يتنبأ بها أو يحاصرها أو يتعامل فوراً معها، وإلا لكانت نجحت أجهزة الأمن الإسرائيلية المتقدمة التي تراقب كل شارع وزاوية وحجر وهاتف وشخص تقريباً، بوقف سيل الانتفاضات والهبات والهجمات المتقطعة منذ عقود.
إنها حرب مفتوحة لا تتوقف ولا تنتهي، تشارك فيها إسرائيل والسلطة الفلسطينية وفصائل بحجم فتح و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» والجبهتين «الشعبية» و«الديمقراطية» وآخرون، وجميعهم يشكلون قوى تسعى إلى السيطرة على المنطقة الصغيرة.
وإذا كان يمكن القول إن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يأخذ وجوها مختلفة في الضفة، على السيادة وفي المفاوضات وعبر محاولات السيطرة على كل شيء ومن خلال عمليات إطلاق نار وطعن ودهس وتفجيرات، فإن له وجها آخر غير معلن أيضا وهو صراع فلسطيني - فلسطيني، ويتجلى أكثر بين الفصيلين الأكبر «فتح» و«حماس». صراع سيطرة ونفوذ تتقدمه القوى التالية بالترتيب:

«فتح»... الأوسع انتشاراً
يرمز اسم «فتح» إلى الأحرف الأولى لعبارة «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (أي حتف ومقلوبة تصبح فتح). أسست الحركة في المنفى أواخر الخمسينات لكنها ظهرت إلى العلن عام 1965. وفي 31 ديسمبر (كانون الأول) 1964. نفذت أولى عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، والتي اضطلعت بها «العاصفة»، الجناح العسكري للحركة. وأعلنت العملية في بلاغ عسكري حمل الرقم واحد، في أول يناير (كانون الثاني) 1965. وكذلك أعلنت بيانها السياسي الأول، الذي أذاعته القيادة العامة لقوات «العاصفة». لمع نجم «فتح» بسبب العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
وفي العام 1967. دخل ياسر عرفات (أبو عمار) الأراضي المحتلة، وأسس بعض الخلايا العسكرية لـ«فتح»، في الضفة الغربية، ومن هنا بدأت أسطورته بين الفلسطينيين. وعلى أثر ازدياد العمليات الفدائية، شنت إسرائيل هجومها الواسع على مدينة الكرامة، يوم 21 مارس (آذار) 1968. وفي هذه المعركة، انتصر رجال «فتح» إلى جانب الجيش الأردني. لقد كان انتصارا معنويا لعرفات وحركته. وبعد عامين سيطرت «فتح» على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتخب عرفات رئيساً لها؛ وصدر بيان عن الحركة، يَعُدّ منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً، يجمع في داخله كافة التنظيمات الفلسطينية العاملة. بدأت «فتح» تتوسع وفي العام 1974، اعترف مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط، بالمنظمة التي تقودها «فتح» ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وفي العام نفسه، اعترفت بها، كذلك، الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفة عضو مراقب، وسمحت لها بالاشتراك في كل دوراتها، وكلِّ دورات المؤتمرات الدولية وأعمالها، والتي تعقد برعاية الجمعية العامة، فضلاً عن تلك التي تعقد برعاية هيئات الأمم المتحدة.
كانت الخطوة الأهم لـ«فتح» عام 1993 عندما أسست الحركة التي تسيطر على منظمة التحرير، السلطة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، كخطوة مؤقتة نحو الدولة التي لم تقم حتى الآن. وانضم معظم كوادر «فتح» إلى السلطة وحصلوا على وظائفها، كما ظل رئيس «فتح» رئيسا للسلطة الفلسطينية. وبدت السلطة أحد مكتسبات الحركة.
ومنذ ذلك الوقت لم تسمح «فتح» بخسارة المنظمة أو السلطة وخاضت مواجهات عدة في سبيل «الشرعية» معظمها كان في مواجهة حركة «حماس».

«حماس»...المنافس الأول
أسست «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) عام 1987 بعد اندلاع الانتفاضة الأولى. وأعلنت عن نفسها آنذاك جناحاً من أجنحة «الإخوان المسلمين» في فلسطين، قبل أن تعدل الميثاق بوثيقة جديدة العام الماضي وتتنصل من «الإخوان» في ظل تقارب مع النظام المصري. أعلنت الحركة عن تأسيس جناحها العسكري «كتائب الشهيد عز الدين القسام» بنهاية عام 1991. وأخذت نشاطات «كتائب القسام» تتسع وتتصاعد. وعام 1994 أعلنت الحركة «حربا شاملة» ضد إسرائيل، تلتها عدة عمليات تفجيرية قادها المهندس يحيى عياش الذي اعتبر لعامين بعد ذلك، حتى اغتياله في غزة، بطلاً أقلق أجهزة الأمن الإسرائيلية.
واجهت الحركة سلطة الحكم الذاتي التي جاء بها الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكنه كان أكثر جماهيرية ورمزية. وبانطلاق «الانتفاضة الثانية» عام 2000. دخلت «حماس» مواجهة «كسر العظم» مع الإسرائيليين، بعد تنفيذها عدة عمليات كبيرة في العمق الإسرائيلي، وتميزت عمليات الحركة بإسقاط أكبر عدد من القتلى، فردت إسرائيل بسلسلة اغتيالات طالت قادة ورموز «حماس» وبينهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة وصلاح شحادة القائد العام لـ«كتائب القسام».
تركز الطرح، السياسي والآيديولوجي لحركة «حماس»، على فكرة التحرير «من البحر إلى النهر» (أي كلّ فلسطين).
سيطرت الحركة على قطاع غزة عام 2007 بعد معركة مع السلطة كسبتها بسرعة، لكن عينها ظلت على الشرعية الفلسطينية كلها.

لا إحصاءات للأحجام
وفي ظل تنافس لا محدود، لا يمكن حصر أعداد «الفتحاويين» في الضفة أو «الحمساويين»، إنهم في كل مكان. لكن منذ سيطرت «حماس» على قطاع غزة في العام 2007، بدأت السلطة حرباً لا هوادة فيها ضد الحركة في الضفة الغربية وهي حرب «استباقية» لإضعاف قدرة الحركة على تشكيل أي تهديد محتمل على وضع السلطة. وليس سراً أن إضعاف السلطة في الضفة ظل هاجسا مشتركا للطرفين.
ويظهر تسلسل الأحداث منذ 2007 على الأقل حتى اليوم، إصراراً حمساوياً على إشعال مواجهة مع إسرائيل في الضفة، طالما رأت السلطة فيها كلام حق يراد به باطل، أي إضعافها ونشر مزيد من الفوضى هنا. ومن أجل ذلك لاحقت السلطة أسلحة «حماس» وأنبوب المال المغذي لها، ومنعتها من الخطابة في المساجد وأخذت منها الجمعيات الخيرية وحظرت أي نشاط للحركة لم يحصل على تصريح مسبق. ببساطة لقد هدمت بنية الحركة التي كانت أيضا تستهدفها إسرائيل. لكن «حماس» لم تستسلم، ظلت تعمل بخطين متوازيين، الأول إعادة بناء بنيتها التحتية بشكل قد يهدد السلطة والثاني الدخول إلى منظمة التحرير كونها مظلة الشرعية الفلسطينية.

«حماس» تركب موجة التصعيد
أما الخط الأول فتمثل في تنفيذ الحركة الإسلامية عدة عمليات في الضفة بخلاف رغبة السلطة الفلسطينية التي لا تسعى إلى مواجهة مسلحة مع إسرائيل، وأخطر هذه العمليات على الإطلاق عام 2014 حينما اختطف مجموعة لـ«حماس» 3 مستوطنين وقتلتهم في منطقة الخليل، وهي العملية التي رأى فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس محاولة من الحركة لإشعال حرب في الضفة هدفها إسقاط السلطة. قبل هذه العملية وبعدها نفذت «حماس» عدة عمليات في الضفة متحدية السلطة الفلسطينية، وظلت تنادي على الدوام بتصعيد العمل المقاوم في الضفة وإطلاق انتفاضات.
ولا تنكر «حماس» أنها تريد إشعال الضفة الغربية حتى أن رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية قال قبل يومين فقط في مهرجان نظمته الحركة في الذكرى الحادية والثلاثين لتأسيسها في غزة أمس، إن الضفة الغربية المحتلة هي «الساحة الأهم والأعمق لحسم الصراع مع إسرائيل».
جاء كلام هنية هذا بعدما نفذت الحركة عدة عمليات في الضفة الغربية في محيط رام الله وفي الشمال، وهو الأمر الذي وضع المنطقة على شفا مواجهة جديدة. وعادة ما تعطي مثل هذه المواجهات في الضفة وحتى في غزة، دفعة قوية لحركة «حماس» من أجل استعادة الدور في الضفة.
وهذا يفسر لماذا أخرجت الحركة بشكل استثنائي قبل أيام قليلة مسيرات كبيرة باسمها في الخليل ونابلس للاحتفال بذكرى انطلاقتها، وهي مسيرات لم يكن يمكن مشاهدتها لولا حالة المواجهة الحالية.

لماذا الضفة؟
كل ذلك في الضفة، فيما ظلت «حماس» تسعى إلى اتفاق في غزة، وهي معادلة طالما استفزت السلطة. وقال اللواء عدنان الضميري الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، متسائلاً: «لمن لديه ذاكرة ولم يسرقوا وعيه، أن يتذكر كيف كانت مقدمات انقلاب حماس في غزة 2007 وما هي الوسائل والأساليب التي اتبعتها في التحضير للانقلاب؟ كيف انقضت على الأمن والسلطة وما هي الشعارات التي رفعتها؟». وأضاف: «شعارات، واستغلال نساء وأطفال ومساجد»، وتساءل «من كانوا حلفاء حماس في تلك المرحلة ومن هم حلفاؤهم اليوم؟».
هذا الكلام يشكل مرآة تعكس اتهامات للحركة بأنها تسعى إلى تقويض السلطة في الضفة عبر إطلاق فوضى هناك والحفاظ على نفسها في غزة. والاتهامات السلطوية لـ«حماس» تعززها رواية إسرائيلية كذلك. وهذا يفسر لماذا أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة لـ«حماس» عبر الوسطاء مفادها أنه لا يمكنهم الحفاظ على اتفاق في غزة وإشعال جبهة الضفة. وتقر إسرائيل بأن «حماس» تعمل لإعادة بناء قواتها في الضفة بهدف فرض سيطرتها هنا. ويتردد في الكواليس أن هذا العمل التنظيمي، يشمل تجنيد الأعضاء ونقل وتهريب الأموال. لكن كثيرين يرون أن تعاظم شعبية «حماس» لا يعدو كونه استعدادا لليوم الذي يحدث فيه فراغ في السلطة. غير أن تصور أفراد «كتائب القسام» يتمشون في شوارع الضفة يبدو ضربا من الخيال.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».