كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

الشاعر الإماراتي: كتبت الرواية والشعر.. ولا أجد نفسي إلا شاعرا

كريم معتوق
كريم معتوق
TT

كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

كريم معتوق
كريم معتوق

يرى الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن تجربة أمير الشعراء «حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري، وجعلته شعبيا وجماهيريا». وكان معتوق أول شاعر يتوّج بلقب «أمير الشعراء»، في النسخة الأولى من مسابقة أمير الشعراء التي تنظم في أبوظبي.
معتوق ما زال محافظا على بنية القصيدة وملتزما بموقع الشعر ديوانا للعرب، رغم أنه أصدر عددا من الروايات الأدبية والمجموعات القصصية، جنبا إلى جنب مع مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة». في مجال الرواية أصدر: «حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
هنا حوار أجري معه خلال زيارة قام بها أخيرا إلى الرياض:
* كتبت قصيدة تحت عنوان «عتاب متأخر للسيّاب».. فيم كنت تعتب عليه؟
- بعد التأمل لمدة تزيد على الأربعين عاما من كتابتي الشعر، التفت لتجربة السياب بعد ذلك، بعد مرور أربعين عاما بعد وفاته، وتجلى ذلك في تحولي في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث إنني قبل لقائي السياب وقراءتي شعره كنت في تلك الرعونة الشعرية في البداية، التي كانت تمنعني من قراءة أي نص غير مشروط بالشكل العمودي، إلى أن قرأت السياب، وعندها أدركت أنني أكاد أضيّع مجرة من الإمكانيات والخيال الشعري وهي شعر التفعيلة، ومن هنا جاء هذا العتاب متأخرا، إذ كتبت هذه القصيدة للسياب في فترة سابقة. السياب ليس شاعرا مجيدا فحسب، بل يتميز عن بقية الشعراء في أنه أسس ابتداعا شعريا في زمن لا يزال فيه كثير من الشعراء يتخبطون من أجل البحث عن ريادة وهمية فيما يسمى قصيدة النثر أو ما يسمى قصيدة الومضة وكل الصراعات التي تمنح صاحبها فضل الريادة. السياب شاعر عظيم، وهؤلاء الذين استطاعوا في مجتمع كالمجتمع العراقي العريق في الشعر والمسكون بأعلام الشعر وموروثاته، التي بسطت سيطرتها الأدبية والسياسية أيضا كالجواهري وغيره، يخرج هذا الشاعر ليتبنى نهجا جديدا وهي مغامرة تحسب له.
المرأة التي تزرع الشعر
* رغم «صدود المرأة عنك» كما تقول في إحدى قصائدك، فإنك لا تزال «تحلف باسمها شعرا»!
- من الأجمل ألا يطلع القارئ على ما وراء العمل الإبداعي لأنه في الغالب، وخاصة في الرواية والقصة القصيرة، يمثل جزءا بسيطا من الورقة وجزءا كبيرا من الخيال، فيصبح أمامك عمل إبداعي، فإذا أوغلت في خصوصية العمل وذهبت إلى تفكيك هذا الخيال وفضح سرّه فسيبقى جزء يسير من الواقع الذي يؤمن به القارئ، ولكنه يخسر جزءا كبيرا كان به الفن والخيال العامران. لا أعني أنه لا توجد أعمال عن قصة حقيقية على أرض الواقع، ولكن كل واقع حقيقي لا بد أن يجمّل بالخيال لأنه يجد صداه في الشعر، فالحديث عن وقائع مثلا في السرد وارد، فإن كان للقصة القصيرة والرواية مساحة من الواقع، ففي الشعر يجب أن تضيق هذه المساحة إلى أكبر درجة. أما هذه القصيدة «أتصدك امرأة وتحلف باسمها»، فتجسد الكثير من الحب لمن تحب لأنه هناك حالات أشبه بها وهو الحب من طرف واحد، والآخر حين يصدّ عنك ربما يزيد من شعلة الحب فيك. نحن مع المرأة في كل حالاتها إذا كانت قادرة على زرع الشعر في قلوب الشعراء والروائيين والقصاصين، وأن تنجب الخيال للحالمين، ولا تعنينا المرأة العابرة التي تمر على الغيم ولا تنزل المطر.
* رثيت شاعر المرأة نزار قباني «في ليلة السفر» دون غيره.. هل تأثرت به؟
- طبعا نزار قباني شاعر علم، وأنا حضرت عددا من أمسياته الشعرية، وصادف أيضا أن التقينا في جلسات خاصة، وسهرنا ليالي معا. لقد كان الشاعر المحرر لجيل كبير من الشعراء. وأهم ما في نزار أنه يحرّض على القراءة، فكم هم الشعراء الذين يحرضون على القراءة؟ قد يصادف أن تلتقي أناسا، تسألهم لمن تقرأون الشعر؟ فيقولون قرأنا ديوانا أو ديوانين لنزار فقط، وهذا يعني أن الأخير لم يحرض فقط الشعراء على كتابة الشعر ولكن حرض أيضا الآخرين على القراءة، وترتب على تحريضه دفع الكثير من النساء لأن يكنّ في الصورة التي يرسمها نزار في كثير من قصائده، سواء تلك المرأة القوية والقادرة على أن يكون جمالها محور حديث هذا الكون أو الصورة الأخرى الشبيهة لها.
* تتحدث عن تجربتك المختلفة عن الآخرين.. غما الذي يميز هذه التجربة؟
- لا أزعم أن تجربتي قصيرة ولا أزعم أنها تجربة حكيم طويلة جدا، ولكن لا أكتب شعرا دون أن يكون لي بصمة خاصة. لقد كتبت عدة دواوين كانت بمثابة فرادة لي على الصعيد الشخصي وعلى الساحة، فالطفولة على سبيل المثال، أكاد أكون الوحيد الذي كتب عن الطفولة كاملة، فكتابتي عنها عبارة عن لوحات من الحديث عن الطفولة من الداخل. ليس الطفولة كما يراها الكبير الآن أو كمن يتحسر عليها. هناك كتابة من الداخل، تعنى بالتفاصيل. كذلك كانت تجربتي مع «رحلة الأيام السبعة». وأكاد أجزم أنني الوحيد الذي كتب ديوانا من الشعر كاملا في أدب الرحلة، إذ إن هذا النوع من الأدب دوّن رواية ونثرا ولكن لم يدوّن شعرا، وأزعم أنني ممن ساهموا في تكريس السرد في الشعر العربي وهو اتجاه لا يتقنه الكثير، أو لنقل لا يحبه الكثير أو لا يكتبه الكثير أو لا يستطيعه الكثير.

* «أمير الشعراء»

* توّجت أميرا للشعراء في أول دورة لمسابقة «أمير الشعراء».. حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربة «أمير الشعراء»، حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري العربي، وأصبحت حقيقة، وأخذت مكانتها من الإعلام العربي ما لم يأخذه حدث ثقافي أو شعري آخر، وأدركت في مشاركتي في الدورة الأولى أنها قدمتني بشكل ماسي إن لم يكن ذهبيا للقارئ العربي الذي لم تكن لي إمكانية الوصول إليه بهذا الشكل المباغت، فالأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات ومعارض الكتب، كلها تؤدي إلى تعارف ووصول الأديب إلى نخبة صغيرة من القراء المعنيين بالثقافة، أما «أمير الشعراء»، فجعل المشهد الشعري شعبيا وجماهيريا، والمشهد الشعري لم يكن قبل ذلك إلا نخبويا، فقد كانت الرياضة والغناء هما فقط المتسيدان في المشهد الجماهيري والشعبي العربي، واستطاع هذا البرنامج لعدة أسباب، أذكر منها الاسم والعنوان الذي انتقي بمهارة جذبت عامة المشاهدين. قد يختلف معه بعض الشعراء ولكن هذا دأبهم في الاختلاف، أيضا وجود آلية محكمة للتصفية جعلت كل مشاهد عربي طرفا في هذه المسابقة، فأخذت بعدا جماهيريا عالميا، وهي لفتة تحسب للمنظمين، أضف إلى ذلك أن النخبة الأولى التي اشتركت في «أمير الشعراء» كانت من أبرز الشعراء في الوطن العربي، منهم من كان لديه رصيد إعلامي في بلده، وغالبيتهم هكذا، ومنهم من كان قادرا على أن يخلق جماهيرية له وكان ينتظر فقط المناسبة التي يصل من خلالها إلى الآخر، فأنا وصلت إلى الجماهيرية العربية، وقد حملني البرنامج مسؤولية أن أقدم ما يعجب القارئ، وأن أحافظ على هذه المكانة، إذ إن البرنامج لم يخلق شعراء، ولكنه قدمهم في أجمل صورة جماهيرية، ولم يحدث أن قدم الشعر من قبل بهذه الصورة.

* الرواية والشعر

* حدثنا عن تجربتك الروائية..
- روايتي الأولى كتبت في عام 1997، وروايتي الثانية أنهيتها عام 2000، ولكنني لم أطبعها إلا في عام 2013 لأنني وقتها توقفت عن النشر، وكان لدي الكثير من الدواوين الشعرية التي كان لا بد من طباعتها، قبل طباعة الرواية، فالرواية الأولى تتحدث عن رحلة إلى إسطنبول يقوم بها شاب خليجي يلتقي مجموعة من الخليجيين، وفيها إسقاطات تاريخية كثيرة على إسطنبول وما تعنيه من تاريخ في الذاكرة العربية في تلك الفترة، التي سادت فيها الإمبراطورية والخلافة العثمانية على المنطقة العربية، وتدور أحداث وتفاصيل كثيرة خلالها، وأما الرواية الثانية فتدور أحداثها عام 300 قبل الهجرة، وهي تاريخية تعيّشك في ذلك الزمان في الجزيرة العربية، وهي عبارة عن قصة قصيرة تتخللها الرواية، وليس كما علمنا بأن تكون هناك قصة قصيرة داخل الرواية.
* بين القصيدة والرواية.. أين تجد نفسك؟
بالطبع أجد نفسي في القصيدة فقط، فأنا شاعر وأعلم أن هناك من تتأتى له عدة مواهب، وهذا ليس بغريب، فالشعر هو فيض من الوحي يتنزل دون حدود وتخطيط، ولكن الرواية تتطلب تراكم الخبرات، التي يضعها الكاتب في عمل روائي، يعتقد وقتها أن إناء القصيدة لا يحتمل هذا الركام الثقافي والآراء التي قد تكون سياسية اجتماعية أو عاطفية أو غيرها، حيث إن هناك مواصفات خاصة لإناء القصيدة لحمل الشعر، فحينما حمل البعض الأسرى في إناء القصيدة لم تحمله ولم توصله إلى الناس وبقيت هذه التجربة حبيسة الإصرار بكتابها وليست رهينة رغبة الجماهير فيها.
* لكن الرواية برزت في المشهد الثقافي ووجدت سوقا ومساحة من الانتشار على حساب الشعر.
- (مقاطعا) قد تكون الرواية نجحت في أن تبيع عددا كبيرا وأن تترجم وتباع في دول أخرى، ولكن الشعر ليس له مجال واسع في الترجمة مما نعرفه، ولكن الشاعر العربي يبقى أهم من الروائي العربي، فالشعر ابن لغته ولا يمكن ترجمته، ولهذا فغالبيتنا لا يعرف شاعرا فرنسيا ولكن يعرفون فيكتور هوغو، ولا يعرفون شاعرا إنجليزيا ولكنهم يعرفون كولن ويلسون والكثير من الروائيين، كما لا يعرفون شاعرا أميركيا ولكن يعرفون إرنست همينغوي؛ فالرواية عمل عالمي يمكن أن يترجم ويصل بلغات أخرى إلى العالم وقد تنجح الرواية في بلد عربي وتصبح عملا مهما، ولكن غير قادرة على أن تكون حديث المجالس أو حديث العامة.
* وماذا بالنسبة للمجتمعات العربية؟
- يبقى الشاعر في المجتمعات العربية هو أهم من الروائي، وأبسط مثال على ذلك أن الأديب نجيب محفوظ حصل على أعلى جائزة عالمية وهي نوبل، ولكنه عندما يمشي في الشارع أو يقيم ندوة لا يجد أهمية ما يجده نزار قباني ولا محمود درويش وغيرهما من كبار الشعراء، لهذا فإن مقولة إن الرواية سحبت البساط من الشعر لا أتقبلها البتة، فالرواية فن جيد ولها قراؤها، ولكنها ليست بتأثير القصيدة، فالشعراء الأولون كانوا قادرين على أن يبتكروا الرواية، ويقال إنهم أول من كتب الرواية والقصة، ولكنهم لم يجدوها تتناسب مع الذهنية العربية في تلك الفترة ولم تكن تناسب الإيقاع العربي الذي كان يميل إلى التطريب.
* هل يعني أنك ستستمر في كتابة الرواية على حساب الشعر؟
- لا لا.. كتابة الرواية تفرضها الرواية فقط، ولم يحدث أن خططت لكتابة رواية، فالرواية الأولى كانت محاولة لكتابة قصة قصيرة أو مذكرات التقائي بمترجم في إسطنبول كان يعمل معنا، ووجدت نفسي، دون أن أدري، أكتب رواية، والحدث الآخر أنني مررت على حدث تاريخي في الثقافة والذهنية العربية، فوجدت نفسي مشدودا بالكتابة عن شخصية معينة، وكنت أتساءل عمن يكون هذا الشخص ومن والده، والقصة يعرفها القارئ في الرواية، فكأنني عثرت على الحل بجهد تاريخي موجود من قبل ثلاثمائة عام قبل الهجرة من خلال هذا العمل الروائي، أما اليوم فإنني لست مثل الروائيين الآخرين أخطط لعمل روائي آخر، وأبدأ بوضع الخطوط الأولى له وتجميع الأهداف والأفكار التي تناسب هذا العمل لتجد مكانها في الرواية، وإنما العمل الروائي عمل مطبخي بالدرجة الأولى، هناك مطبخ في ذهن الروائي يعد جميع التفاصيل وأدوات ولوازم الطبخ قبل بدء الطبخ وتوزيع الأدوار بين البطل أو البطلة والشخوص المكملة الأخرى للحدث، فأنا لا أفكر في ذلك، ولكن إن راودتني رواية جديدة، فسأكتبها بكل متعة دون أن أنجز أي عمل مسبق مخطط له، كما أفعل بقصائدي التي تأتيني فكرة صغيرة فأدونها في انتظار أن أنطلق في كتابة هذه القصيدة.
* ما تقييمك لحركة النقد في الإمارات؟
- يقال، وأعتقد أنها حقيقة، إن الإبداع يسبق النقد بخطوة، فكان الإبداع في الأمام سواء كان شعرا أو رواية وغيره، فالنقد يأتي خطوة أخرى، ليس بسبب تأخر الأهمية فالناقد يستجلي ما كتب ويقرأ قراءة أخرى لما كتب ويستوضح ما كتب ويبحث عما كتب، ويخبئ ويجمّل ما كتب، لا أن يرسم كتالوغات خاصة ليقول للكاتب اكتب هكذا وصور هكذا وإلاّ أصبح الروائي هو المبدع وليس الناقد، وعموما لم يعد هناك نقد في سائر المنتجات الأدبية لا في الإمارات ولا في كثير من البلاد العربية، غير أن الإمارات تمتاز بكثافة إعلامية تفوق المنتج الثقافي المحلي، ولذلك نجد الإبداع العربي موجودا في الإمارات من خلال أنشطتها الثقافية المتعددة، ترتب عليه وجود حراك ثقافي عربي في هذه البلاد.

* سيرة ذاتية

* رئيس اتحاد كتاب الإمارات في أبوظبي سابقا
* الإصدارات الشعرية:
مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة».
* الإصدارات الروائية:
«حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
* كتب في الصحافة المحلية «بالقلم الأزرق» في جريدة «الاتحاد»، وزاوية «ملح وسكر» في مجلة «كل الأسرة»، ومقالا يوميا في زاوية «معكم» بجريدة «أخبار العرب».
* أعد وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية منها «مدارات» لإذاعة أبوظبي و«الثقافة والناس» لتلفزيون دبي، وبرنامج «مبدعون تحت الضوء» و«وجه القصيد» و«أنا أعتقد».



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.