حصاد السينما في العام 2018 (2) السينما العالمية: المرأة تخرج رابحة سينمائياً... في «سنة الاتجاهات المتناقضة»

ما لا يقل عن 20 فيلماً روائياً وتسجيلياً أنتجت في 2018 بتوقيع مخرجين أفرو ـ أميركيين

لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
TT

حصاد السينما في العام 2018 (2) السينما العالمية: المرأة تخرج رابحة سينمائياً... في «سنة الاتجاهات المتناقضة»

لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية

عندما تداعت حكايات هارفي وينستين، المنتج السينمائي الأميركي، مع الممثلات اللواتي اعتقدن أنه يريد الحديث معهن حول مشاريعه المقبلة معهن في مخدعه الخاص، ليكتشفن أنهن وقعن في أقدم حيلة سينمائية في التاريخ، تداعت حركات التحرر الجديدة وانبثقت تيارات نسائية تطالب - بحق - المساواة في الوقت الذي كان المنتج الشهير يتلقى ضربات عشرات القضايا المرفوعة ضده بسبب أفعاله المشينة.
هارفي صرّح قبل أيام أن عام 2018 كان «جحيماً» بالنسبة إليه، ولا عجب. لكنه كان جحيماً أيضاً للممثل كَفن سبايسي الذي لم يتعرض للنساء بأي أذى، بل بالرجال فقط، خصوصاً الشبّان من بينهم. سبايسي أسدل الستارة، في هذا العام الآيل لنهاياته، على مهنته السينمائية كممثل. عندما وقعت الفضيحة سارع المخرج ريدلي سكوت وشركة «سوني» لاقتلاعه من فيلم «كل المال في العالم» وأعيد تصوير مشاهده مع الممثل كريستوفر لامبرت، بديلاً.
- موقف مزدوج
لكن ما تقدّم هو جزء من صورة كاملة تقع في الشق الفاصل بين الصحيح والخطأ، بين الفضيلة والرذيلة وبين ما هو فعل صائب في مواجهة فعل يدعي الصواب، بل ما هو حق التعبير ومناهضته. قبل أيام تنازل الممثل الكوميدي كَفن هارت عن تقديم فقرات حفل الأوسكار المقبل كما كان مقرراً منذ بضعة أسابيع. السبب خلاف نشب بينه وبين الأكاديمية المانحة لأشهر جوائز السينما حول تغريدات معادية للمثليين أطلقها على حسابه. وجهة نظر هارت أنها كانت تغريدات عفا عليها الزمن، إذ أطلقت منذ سنوات، لكن الأكاديمية اعتبرتها ما زالت سارية المفعول ووجهة نظرها، أفصحت عنه أو لم تفصح، هو أنها تحاول رفع نسبة مشاهديها (المتوعكة في السنوات العشر الأخيرة) وليس الهبوط به.
يمكن تفهم موقف الأكاديمية، وإن من المستبعد القبول به، خصوصاً إذا ما تذكر مواقفها السابقة في هذا الصدد. فحتى عام 2014 كانت غالبية أعضاء الأكاديمية من ذوي البشرة البيضاء (قرابة 93 في المائة)، كما كانت نسبة الرجال بين الأعضاء تصل إلى 77 في المائة.
أحد المدافعين عن كَفن هارت وموقفه، هو الكوميدي، نك كانون، الذي ذكر أن أحداً من الأكاديمية لم يعتذر حتى اليوم عن منح الممثلة هاتي مكدانيال كرسياً في الصفوف الأمامية عندما تم ترشيحها للأوسكار عن دورها في فيلم «ذهب مع الريح» سنة 1944، وذلك لأنها كانت ممثلة سوداء البشرة. وعندما تم الإعلان عن اسمها كفائزة عن دورها المساند في ذلك الفيلم اضطرت للنهوض من على كرسي في آخر صفوف القاعة (الصف الذي كان مخصصاً لـ«ذوي البشرة الملوّنة») لكي تصعد المنصّة كأول ممثلة أو ممثل من أصول أفريقية يفوز بالأوسكار.
وفي مقابل هذه القضايا المطروحة، هناك نسبة أعلى من الأفلام التي تم إنتاجها في هوليوود خصوصاً، التي أخرجها أو قام ببطولتها ممثلون أفرو - أميركيون (أميركيون من أصول أفريقية)، وكذلك في عدد الأفلام التي أخرجتها، حول العالم، نساء. هاتان الملاحظتان هما أهم ما برز من قضايا خلال سنة 2018، بجانب المزيد من تحوّل المخرجين الأوروبيين لإطلاق أفلام ناطقة بالإنجليزية (وإن كانت أوروبية) بالإضافة إلى قضية العروض المنزلية التي تؤمنها شركتا «نتفلكس» و«أمازون» على الأخص.
- أفرو - أميركيون
ما لا يقل عن 20 فيلماً روائياً وتسجيلياً طويلاً أنتجت في 2018 بتوقيع مخرجين أفرو - أميركيين، من بينها 14 فيلماً تمتعت بتوزيع رئيسي داخل وخارج الولايات المتحدة، أهمها فيلم «بلاك بانثر» الذي حققه رايان كوغلر من بطولة شادويك بوزمان ومايكل ب. جوردان ولوبيتا نيونغ، والثلاثة من بين أهم شخصيات الجيل الجديد من الممثلين الأميركيين. فيلم «السوبر هيرو» هذا تكلف 200 مليون دولار استرجعها في عروض الأيام الثلاث الأولى قبل أن تبلغ حصيلته الإجمالية حول العالم ملياراً و346 مليون دولار. هناك كذلك «بلاككلانسمان» وهو ليس الفيلم الموجه لتحدي النجاح التجاري السابق، لكنه عوض المخرج سبايك لي إلى طينة الأفلام الكوميدية الساخرة ومن بطولة ممثل أفرو - أميركي آخر ينضم لقافلة الجيل الجديد الناجح من الممثلين، هو جون ديفيد واشنطن.
أهم الأفلام الأخرى هذه السنة «ذا إكويلايزر 2» لأنطوان فوكوا (وبطولة دنزل واشنطن والد جون ديفيد واشنطن) و«وتني» كَفن ماكدونالد (تسجيلي حول الحياة البائسة لنجمة الغناء وتني هاوستون) و«غبية لا أحد»No Body‪’‬s Fool) ) لتايلر بيري (بطولة تيفاني هادش وميسي بايل) و«كريد 2» لستيفن شابل جونيور (مع مايكل ب. جوردان) كما «الكره الذي تعطيه» The Hate U Give)) لجورج تيلمن. يدفع ما سبق للمقارنة مع العقود الماضية عندما كان قيام مخرج أفرو - أميركي بالوقوف وراء الكاميرا حدثاً فريداً يستقطب الاهتمام فقط لفرادته، ناهيك ببلوغ فيلمه أي نجاح مالي يُذكر أو حتى نيله فرصة مساوية لتوزيع فيلمه في المدن الكبرى.
- العنصر النسائي
لم يكن موضوع الفصل بين أفلام من إخراج رجال وأخرى من إخراج النساء بالحدة ذاتها كما هو الحال عليه في السنوات الأخيرة وفي هذا العام بالتحديد في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الأفلام التي تخرجها إناث عما كانت عليه في الأعوام القريبة السابقة. في الولايات المتحدة (داخل هوليوود وخارجها) تم تحقيق 81 فيلماً من إخراج نساء في عام 2018 بالإضافة إلى أكثر من 25 فيلماً رئيسياً في أوروبا ونحو 30 فيلماً من إنتاج أفريقي ولاتيني وآسيوي.
مهرجانات السينما العالمية استمرت هذا العام بمحاولة درء أسباب النقد الإعلامي لها بالتأكيد على استقبال أفلام من إخراج نساء في مسابقاتها الرسمية حتى وإن لم تكن بالضرورة أفلام جيدة. لا يُقصد هنا القول إن المخرجات لا يصنعن أفلاماً جيدة، لكن القول بأن اختيار الأفلام يجب أن يكون تبعاً لجودة الأفلام وليس لجنس المخرج الواقف وراء العمل المعروض، وإن الإعلام الغربي بات جاهزاً على نحو آلي لينتقد عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في كيانه. في سنة 2018 تم إطلاق ما لا يقل عن 60 فيلماً أميركياً من إخراج نساء، رغم أن معظم هذه الأفلام عرضت في نطاق ضيق وما يجاورها من أفلام أوروبية أو آسيوية أو لاتينية.
في مهرجان برلين تكوّنت المسابقة الأولى من 19 فيلماً بينها ثلاثة من إخراج نساء، وأحد هذه الأفلام («لا تلمسني» لأدينا بنتيل) حظي بالجائزة الأولى. فقط مهرجان فينيسيا «نفد بجلده» من هذا المنهج المتكلف وقدّم برنامجه من دون اعتذار، مفضلاً الأفلام الجيدة على جنس مخرجيها وتميّزت برمجته الرئيسية بالعدد الأكبر من الأفلام الجيدة من بين المهرجانين المنافسين الآخرين.
أميركياً، وعلى نطاق تجاري واضح ومن بين عشرات الأفلام التي تم رصدها من إخراج نساء، برزت بضعة أفلام نسائية تتميز بالجودة الفعلية أو تطرح مواضيع تستفيد من حساسية المرأة حيالها.
- أكشن للجنس اللطيف
كل هذه الأفلام دفعت إلى الأمام قضايا بمعالجات جادة وفنية، لكن هناك أفلام أخرى توخت العمل على المنوال التجاري الذي برع فيه الرجل طويلاً «ماري ملكة سكوتلاند» لجوزي رورك و - على الأخص - «الجاسوس الذي أهملني» لسوزانا فوغل. هذا الاتجاه ينتمي إلى ظاهرة كانت انطلقت قبل عدة أعوام لكنها تبلورت في 2018 إلى تيار كامل. إنه اتجاه إنتاج أفلام أكشن من بطولة نسائية مطلقة. معظم هذه الأفلام كان من إخراج رجال. هذا كان حال «إبادة» مع نتالي بورتمن وجنيفر جاسون لي للمخرج إليكس غارلاند، و«أوشن 8» مع ساندرا بولوك وكايت بلانشت وهيلينا بونام كارتر (إخراج غاري روس). وفي حين أن بطلات هذا الفيلم يخططن للسرقة الكبيرة فقط لتأكيد قدراتهن على القيام بما يقوم به الرجال عادة، نجد بطلات «أرامل» (فيولا ديفيز، ميشيل رودريغيز، إليزابث دبكي وأخريات) يقمن بها لأسباب اقتصادية محضة.
> > ‫الأفلام الأعلى نجاحاً لعام 2018
> تمثل إيرادات الأفلام الطريقة المُثلى لرصد حركة الجمهور حول العالم، فهي تطلعنا على ما فضّله المشاهدون غير المعنيين كثيراً بالنواحي النقدية والعناصر الفنية. الفيلم ما زال، بالنسبة لمئات ملايين الناس حول العالم، مصدر ترفيه قبل أن يكون مصدر فن ورسالة.‬
التالي هو آخر ما سجلته الإيرادات العالمية (وليس الأميركية فقط) من أرقام للأفلام العشرة الأولى في قوائمها.
1 Avengers: Infinity Wars
الحلقة الأخيرة من مسلسل الكوميكس بأبطاله المتعددين: 2 مليار و84 مليون و815 ألف دولار
تقييم الناقد: (جيد)
2 Black Panther
أكشن عن «سوبر هيرو» أسود آت من صفحات الكوميكس الشعبية: مليار و347 مليون و71 ألف دولار.
‫تقييم الناقد: (ممتاز)
3 Jurassic World: Fallen Kingdom
تشويق مع رسالة ضد العلم واستهلاكه من المنتج ستيفن سبيلبرغ: مليار و304 ملايين و866 ألف دولار.
تقييم الناقد: (جيد)
4 Incredibles Two
رسوم متحركة عن بطولات خارقة لعائلة تريد بدورها إنقاذ العالم: مليار و241 مليون و480 ألف دولار.
تقييم الناقد: (جيد)
5 Venom
توم هاردي في هذه الثورة العبثية ضد الخير والشر معاً مستخلصة أيضاً من الكوميكس: 853 مليون و85 ألف دولار
تقييم الناقد: (جيد)
6 Mission: Impossible - Fallout
أفضل أفلام السلسلة (لجانب الجزء الأول) يقوم فيه توم كروز بتحدي قدراته السابقة وينجح: 787 مليون و497 ألف دولار.
تقييم الناقد: (ممتاز)
7 Deadpool two
سيادة أفلام الكوميكس على الإيرادات استمرت هنا مع مزج التشويق بالهزل: 734 مليون و719 ألف دولار
‫تقييم الناقد: (وسط)
8 Ant‪ - ‬Man and the Wasp
الرجل النملة والدبور، شخصيتان مكملتان كل للآخر في هذه المغامرات غير المعقولة: 522 مليون و309 آلاف دولار.
‫تقييم الناقد: (وسط)
9 Bohemian Rhapsody
الفيلم البيوغرافي الوحيد، وهو يدور حول المغني الأول في فريق «كوين»: 598 مليون و743 ألف دولار.
10 Ready Player One
فيلم آخر لسبيلبرغ، هذه المرّة مخرجاً، مليء بالمؤثرات والمشاهد الخفيفة عن عالم ينتقده المخرج ضمنياً: 578 مليون و621 ألف دولار.
> > اختيار الناقد لأفضل الأفلام الأجنبية لعام 2018
> شاهدتُ أكثر من 274 فيلماً أجنبياً جديداً في العام الحالي (من أصل نحو 5000 ‬فيلم، هو متوسط ما تُطلِقه عواصم السينما حول العالم كله). هناك البعض مما شاهدت وتضمنته قوائم نقاد آخرين اعتادوا إعلان اختياراتهم في مثل هذه الأيام، لكنه لم يدخل قائمتي، وقليل مما لم أستطع مشاهدته حتى الآن، وإن لم يجد معظمها طريقه للقوائم الأخرى أيضاً.
- الترتيب هنا أبجدي للعشرة الأولى مما نال الإعجاب والتقدير.
BlacKkKlansman
إخراج: سبايك لي (الولايات المتحدة)
نكهة كوميدية داكنة تنبع من داخل الحكاية الواقعية، وفوقها بعض ما عُرف عن المخرج من نظرات نقدية ساخرة. شرطي أسود في بلدة محيطها أبيض يتصل بمنظمة «كو كلوكس كلان»، المعروفة بتاريخها العنصري، مدعياً أنه شخص أبيض ويريد الانضمام للمنظمة. يرسل بالنيابة عنه شرطياً أبيض بهدف التسلُّل إليها والكشف عن عمل إرهابي تودُّ المنظمة القيام به. في الواقع المتحري الأبيض لم يكن يهودياً، وتحويله إلى يهودي في الفيلم أزعج القضية الأساسية، وهي العنصرية ضد السود. ويعيد الفيلم إلى البال أفضل ما سبق لسبايك لي تحقيقه من أفلام حول الموضوع، مثل «حمى الغابة» و«أفعل الشيء الصحيح».
Burning
إخراج: لي تشانغ - دونغ (كوريا الجنوبية)
عمل بارع للمخرج المقلّ (أول فيلم له منذ 8 سنوات) يوظف تلك العقدة المعتادة في أفلامه، القائمة على 3 شخصيات؛ شابين وفتاة، في اتجاه جديد يزداد غموضاً مع استمرار الحكاية في سرد قصّة الشاب الغريب الآتي من سنوات غياب في أفريقيا حاملاً معه سرّاً لا يجوز لأحد الاطلاع عليه. الحكاية تبدأ من تعارف يتم بين الفتاة (شن هاي - مي) وشاب تطلب منه العناية بقطتها إلى أن تعود من أفريقيا، وتفعل ذلك بصحبة الشاب غريب الأطوار. بصرياً جيد وتشويقياً كذلك.
Cold War
إخراج: بافل بافلكوفسكي (بولندا)
قصّة حب بين شخصين على طرفي نقيض؛ فتاة وشاب. وبينما يقترح العنوان وزمن الأحداث (الخمسينات) وضعاً سياسياً في الخلفية، تكشف الأحداث ذاتها أن الحرب الباردة هي في داخل شخصيتيه الرئيسيتين. الحكاية في أساسها مأخوذة عن ذكريات المخرج حول والديه اللذين توفيا في عام واحد (1989). بافلكوفسكي يصف حياتهما معاً بـ«كارثة دائمة»، ويستوحي من تلك العلاقة كل ما تضمنته من حب وبغضاء ممتزجين بالواقع المعيش أيام «الستار الحديدي»، الذي انتصب حول بلاده. على ذلك، الفيلم فيه كثير من الخيال، والعلاقة بين شخصيتيه فنية أساساً أدّت إلى كتلة المشاعر العاطفية التي يتداولها المخرج بحذق شديد.
Faces Places
إخراج: أغنيس فاردا وج. ر. (فرنسا). تنطلق المخرجة التسجيلية البديعة (على امتداد سنوات مهنتها) مع فنان الغرافيتي والمصور ج. ر. إلى بعض القرى الفرنسية منقِّبة معه عن أوجه تلك الحياة وشخصياتها. فيلمها ليس، كما هو حال كثير من الأفلام المماثلة، حزيناً يشيد بالأمس ويطرح أسئلة على الحاضر. بل هو ليس حتى نوستالجياً (الحنين إلى الماضي). إنه حبور دائم وبهجة تمارسها المخرجة عبر ما تسجله في فيلمها من أوجه تلك الحياة، والطريقة التي تفعل بها ذلك، الثرية بفن حيوي وحاضر.
First Man
إخراج: داميان شازيل (الولايات المتحدة)
لم ينل «رجل أول» ما يستحق من إشادة، ربما لأن المخرج شازيل لم يسع إلى تأطير شخصياته على النحو الذي توقعه بعض النقاد، ولا أحداثه. فعوض الإعلان عن إعجابه بشخصية نيل أرمسترونغ (كما يؤديه رايان غوزلينغ)، الذي كان أول من مشى على سطح القمر، بأسلوب احتفائي، يختار الحديث في الخوف والتوتر والنزاعات النفسية التي يراها سادت رواد الفضاء. بذلك يتخلص من الرغبة في إعلاء شأن المغامرة الفضائية، ويتبنى مبدأ الاحتفاء بالتضحية الفردية دون أن يغيب عنه نقد بعض الملامح الاجتماعية المحيطة. بذلك هو فيلم مختلف وجيد في اختلافه هذا.
First Reformed
إخراج: بول شرادر (الولايات المتحدة)
إيثان هوك في دور القس الذي لديه ماضٍ يهرب من مواجهته، لكنه يلعب الدور الأول في جعله حائراً حيال إيمانه. المخرج بول شرادر كتب «تاكسي درايفر» من المنطلق ذاته لكن النتيجة هنا مختلفة جداً، ولو أنها أيضاً حادة. يبني المخرج فيلمه بكادرات محددة الحجم والوظيفة. ليس لديه ما يبعثره لإرضاء أحد. بعض ما يتضمنه الفيلم موحى به من مخرجين آخرين (روبير بريسون أساساً) لكن هذا ينصهر جيداً في أسلوب شرادر وموضوعه.
‬The Heiresses‪
إخراج: مارسيلو مارتنيزي (باراغواي، برازيل)
امرأتان في النصف الثاني من عمريهما تعيشان في بيت كبير ورثته إحداهما. الأخرى تدخل السجن والأولى تبقى وحيدة لأول مرة في حياتها. هذا ما يدفعها لمحاولة اكتشاف درب جديد في الحياة. تبدأ بقيادة تاكسي خاص لبعض النساء الثريات، وقيادتها تدلها على طريق التحرر من سلطة الأمس البرجوازي الذي انتمت إليه وانحسر لاحقاً عنها. فيلم حساس المشاعر وواقعي ويختصر موضوعه الشاسع بسيناريو محكم.
Image Book
إخراج: جان - لوك غودار (سويسرا، فرنسا)
لا يسرد غودار حكاية على غرار بعض أفلامه، لكن ذلك لا يجعله فيلماً تسجيلياً رغم أنه مؤسَّس على مئات اللقطات المتوالية المأخوذة من أفلام سينمائية سابقة ومشاهد وثائقية لحروب تبدأ بإلقاء القنبلة النووية، وتنتهي في بعض حروب العرب الدائرة. يريد أن يؤكد وجهة نظر مفادها أن العالم وصل إلى نقطة اللاعودة في خضمِّ المتغيرات السياسية الحاصلة. في هذا الإطار يستخدم أرشيفاً من المشاهد الموثقة لأفعال وممارسات عنف من مناطق متعددة من الحياة على هذا الكوكب. ما يوفره هنا - بكل ذلك - فيلم تجريبي من الدرجة الأولى.
Roma
إخراج: ألفونسو كوارون (المكسيك) لا علاقة للعنوان بمدينة روما، بل هو الحي الذي وُلد فيه المخرج في مدينته المكسيكية. على ذلك لا يسرد مباشرة قصة حياته هو بل الحياة كما طالعها في سنوات صباه جاعلاً محور الأحداث منصباً على تلك الخادمة كليو (ياليتزا أبريكيو) التي تعنى بشؤون البيت والآتية من أصول هندية. يسرد كوارون بثقة وسهولة ما يحدث في البيت الكبير وعلاقة الأفراد المختلفين بعضهم ببعض، وذلك الحب الأسري الذي يربط بين العائلة والخادمة التي، في مشهد متأخر من الفيلم، ستنقذ حياة الفتاة الصغيرة من الغرق في مشهد رائع التنفيذ استخدم فيه المخرج «تراكينغ شوت» (لقطة طويلة تتحرك أفقياً موازية لتحرك الموضوع الذي تصوّره) بمهارة. في الواقع، مدارك المخرج في كيفية صهر المضمون وأحداثه وتوليه تقديم الحكاية ومعالجة مشاهده المختلفة أكثر إثارة للاهتمام مما يرد على الشاشة في سياق القصّة ذاتها.
Shoplifters
‫إخراج: هيروكازو كوريدا (يابان)‬
كعادة هذا المخرج، استقى كوريدا الأحداث من واقعة منشورة في الصحف. تم العثور على عائلة من نشَّالي المحلات التجارية، تعيش معاً وبعض أفرادها لا يمتلك شهادات ولادة، ولا حتى ينتمون إلى العائلة بصلة القربى. ما يفعله المخرج هنا هو تصوير تلك الحياة الراكدة والمثيرة معاً لشخصيات كل منها بئر عميقة لا تفصح عن أسرارها. هذا كله من وجهة نظر عميقة لا تدين وتبدو أكثر اهتماماً بمنح تلك الشخصيات العناية والعطف. استحق ذهبية مهرجان «كان».
• أفضل فيلم عاطفي:
‪A Star is Born‬
‫إخراج: برادلي كوبر، رافعاً القبعة لسينما الأمس.
‬• أفضل فيلم كوميدي:
Alright Now
إخراج: جايمي أدامز، سارداً حكاية مثيرة وصادقة حول المرأة والفن والحب.
‫•‬ أفضل أكشن:
Mission‪:‬ Impossible‪ - ‬ Fallout
توم كروز تحت إدارة كريستوفر ماكوايري، يسيطر على سينما الأكشن كلها.
‫•‬ أفضل دراما اجتماعية:
‪…‬ And Suddenly The Dawn
الماضي والحاضر وحياة كاتب يعود إلى تشيلي بعد عناء الغربة، في الفيلم رقم 11 على قائمتنا.
‫•‬ أفضل وسترن:
The Ballad of Buster Scruggs
على علاته… أكثر جدية من حفنة أخرى من أفلام هذا النوع.
‫•‬ أفضل كوميكس:
Black Panther
ولأسباب باتت معلومة، من بينها أنه يحمل معاني أكثر مما هو متاح في أفلام أخرى من النوع ذاته.
‫•‬ أفضل فيلم عن حادثة تاريخية:
Peterloo
فقط لو أن المخرج، مايك لي، لم يكتفِ بالعرض وساق بعض المواقف غير التلقائية.
‫•‬ أفضل فيلم من بطولة شخصين فقط:
Aga
عجوز وزوجته وصحراء من الثلج ومستقبل مجهول.


مقالات ذات صلة

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.