حصاد السينما في العام 2018 (2) السينما العالمية: المرأة تخرج رابحة سينمائياً... في «سنة الاتجاهات المتناقضة»

ما لا يقل عن 20 فيلماً روائياً وتسجيلياً أنتجت في 2018 بتوقيع مخرجين أفرو ـ أميركيين

لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
TT

حصاد السينما في العام 2018 (2) السينما العالمية: المرأة تخرج رابحة سينمائياً... في «سنة الاتجاهات المتناقضة»

لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية
لورا ديرن في «الحكاية»: قصة شخصية

عندما تداعت حكايات هارفي وينستين، المنتج السينمائي الأميركي، مع الممثلات اللواتي اعتقدن أنه يريد الحديث معهن حول مشاريعه المقبلة معهن في مخدعه الخاص، ليكتشفن أنهن وقعن في أقدم حيلة سينمائية في التاريخ، تداعت حركات التحرر الجديدة وانبثقت تيارات نسائية تطالب - بحق - المساواة في الوقت الذي كان المنتج الشهير يتلقى ضربات عشرات القضايا المرفوعة ضده بسبب أفعاله المشينة.
هارفي صرّح قبل أيام أن عام 2018 كان «جحيماً» بالنسبة إليه، ولا عجب. لكنه كان جحيماً أيضاً للممثل كَفن سبايسي الذي لم يتعرض للنساء بأي أذى، بل بالرجال فقط، خصوصاً الشبّان من بينهم. سبايسي أسدل الستارة، في هذا العام الآيل لنهاياته، على مهنته السينمائية كممثل. عندما وقعت الفضيحة سارع المخرج ريدلي سكوت وشركة «سوني» لاقتلاعه من فيلم «كل المال في العالم» وأعيد تصوير مشاهده مع الممثل كريستوفر لامبرت، بديلاً.
- موقف مزدوج
لكن ما تقدّم هو جزء من صورة كاملة تقع في الشق الفاصل بين الصحيح والخطأ، بين الفضيلة والرذيلة وبين ما هو فعل صائب في مواجهة فعل يدعي الصواب، بل ما هو حق التعبير ومناهضته. قبل أيام تنازل الممثل الكوميدي كَفن هارت عن تقديم فقرات حفل الأوسكار المقبل كما كان مقرراً منذ بضعة أسابيع. السبب خلاف نشب بينه وبين الأكاديمية المانحة لأشهر جوائز السينما حول تغريدات معادية للمثليين أطلقها على حسابه. وجهة نظر هارت أنها كانت تغريدات عفا عليها الزمن، إذ أطلقت منذ سنوات، لكن الأكاديمية اعتبرتها ما زالت سارية المفعول ووجهة نظرها، أفصحت عنه أو لم تفصح، هو أنها تحاول رفع نسبة مشاهديها (المتوعكة في السنوات العشر الأخيرة) وليس الهبوط به.
يمكن تفهم موقف الأكاديمية، وإن من المستبعد القبول به، خصوصاً إذا ما تذكر مواقفها السابقة في هذا الصدد. فحتى عام 2014 كانت غالبية أعضاء الأكاديمية من ذوي البشرة البيضاء (قرابة 93 في المائة)، كما كانت نسبة الرجال بين الأعضاء تصل إلى 77 في المائة.
أحد المدافعين عن كَفن هارت وموقفه، هو الكوميدي، نك كانون، الذي ذكر أن أحداً من الأكاديمية لم يعتذر حتى اليوم عن منح الممثلة هاتي مكدانيال كرسياً في الصفوف الأمامية عندما تم ترشيحها للأوسكار عن دورها في فيلم «ذهب مع الريح» سنة 1944، وذلك لأنها كانت ممثلة سوداء البشرة. وعندما تم الإعلان عن اسمها كفائزة عن دورها المساند في ذلك الفيلم اضطرت للنهوض من على كرسي في آخر صفوف القاعة (الصف الذي كان مخصصاً لـ«ذوي البشرة الملوّنة») لكي تصعد المنصّة كأول ممثلة أو ممثل من أصول أفريقية يفوز بالأوسكار.
وفي مقابل هذه القضايا المطروحة، هناك نسبة أعلى من الأفلام التي تم إنتاجها في هوليوود خصوصاً، التي أخرجها أو قام ببطولتها ممثلون أفرو - أميركيون (أميركيون من أصول أفريقية)، وكذلك في عدد الأفلام التي أخرجتها، حول العالم، نساء. هاتان الملاحظتان هما أهم ما برز من قضايا خلال سنة 2018، بجانب المزيد من تحوّل المخرجين الأوروبيين لإطلاق أفلام ناطقة بالإنجليزية (وإن كانت أوروبية) بالإضافة إلى قضية العروض المنزلية التي تؤمنها شركتا «نتفلكس» و«أمازون» على الأخص.
- أفرو - أميركيون
ما لا يقل عن 20 فيلماً روائياً وتسجيلياً طويلاً أنتجت في 2018 بتوقيع مخرجين أفرو - أميركيين، من بينها 14 فيلماً تمتعت بتوزيع رئيسي داخل وخارج الولايات المتحدة، أهمها فيلم «بلاك بانثر» الذي حققه رايان كوغلر من بطولة شادويك بوزمان ومايكل ب. جوردان ولوبيتا نيونغ، والثلاثة من بين أهم شخصيات الجيل الجديد من الممثلين الأميركيين. فيلم «السوبر هيرو» هذا تكلف 200 مليون دولار استرجعها في عروض الأيام الثلاث الأولى قبل أن تبلغ حصيلته الإجمالية حول العالم ملياراً و346 مليون دولار. هناك كذلك «بلاككلانسمان» وهو ليس الفيلم الموجه لتحدي النجاح التجاري السابق، لكنه عوض المخرج سبايك لي إلى طينة الأفلام الكوميدية الساخرة ومن بطولة ممثل أفرو - أميركي آخر ينضم لقافلة الجيل الجديد الناجح من الممثلين، هو جون ديفيد واشنطن.
أهم الأفلام الأخرى هذه السنة «ذا إكويلايزر 2» لأنطوان فوكوا (وبطولة دنزل واشنطن والد جون ديفيد واشنطن) و«وتني» كَفن ماكدونالد (تسجيلي حول الحياة البائسة لنجمة الغناء وتني هاوستون) و«غبية لا أحد»No Body‪’‬s Fool) ) لتايلر بيري (بطولة تيفاني هادش وميسي بايل) و«كريد 2» لستيفن شابل جونيور (مع مايكل ب. جوردان) كما «الكره الذي تعطيه» The Hate U Give)) لجورج تيلمن. يدفع ما سبق للمقارنة مع العقود الماضية عندما كان قيام مخرج أفرو - أميركي بالوقوف وراء الكاميرا حدثاً فريداً يستقطب الاهتمام فقط لفرادته، ناهيك ببلوغ فيلمه أي نجاح مالي يُذكر أو حتى نيله فرصة مساوية لتوزيع فيلمه في المدن الكبرى.
- العنصر النسائي
لم يكن موضوع الفصل بين أفلام من إخراج رجال وأخرى من إخراج النساء بالحدة ذاتها كما هو الحال عليه في السنوات الأخيرة وفي هذا العام بالتحديد في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الأفلام التي تخرجها إناث عما كانت عليه في الأعوام القريبة السابقة. في الولايات المتحدة (داخل هوليوود وخارجها) تم تحقيق 81 فيلماً من إخراج نساء في عام 2018 بالإضافة إلى أكثر من 25 فيلماً رئيسياً في أوروبا ونحو 30 فيلماً من إنتاج أفريقي ولاتيني وآسيوي.
مهرجانات السينما العالمية استمرت هذا العام بمحاولة درء أسباب النقد الإعلامي لها بالتأكيد على استقبال أفلام من إخراج نساء في مسابقاتها الرسمية حتى وإن لم تكن بالضرورة أفلام جيدة. لا يُقصد هنا القول إن المخرجات لا يصنعن أفلاماً جيدة، لكن القول بأن اختيار الأفلام يجب أن يكون تبعاً لجودة الأفلام وليس لجنس المخرج الواقف وراء العمل المعروض، وإن الإعلام الغربي بات جاهزاً على نحو آلي لينتقد عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في كيانه. في سنة 2018 تم إطلاق ما لا يقل عن 60 فيلماً أميركياً من إخراج نساء، رغم أن معظم هذه الأفلام عرضت في نطاق ضيق وما يجاورها من أفلام أوروبية أو آسيوية أو لاتينية.
في مهرجان برلين تكوّنت المسابقة الأولى من 19 فيلماً بينها ثلاثة من إخراج نساء، وأحد هذه الأفلام («لا تلمسني» لأدينا بنتيل) حظي بالجائزة الأولى. فقط مهرجان فينيسيا «نفد بجلده» من هذا المنهج المتكلف وقدّم برنامجه من دون اعتذار، مفضلاً الأفلام الجيدة على جنس مخرجيها وتميّزت برمجته الرئيسية بالعدد الأكبر من الأفلام الجيدة من بين المهرجانين المنافسين الآخرين.
أميركياً، وعلى نطاق تجاري واضح ومن بين عشرات الأفلام التي تم رصدها من إخراج نساء، برزت بضعة أفلام نسائية تتميز بالجودة الفعلية أو تطرح مواضيع تستفيد من حساسية المرأة حيالها.
- أكشن للجنس اللطيف
كل هذه الأفلام دفعت إلى الأمام قضايا بمعالجات جادة وفنية، لكن هناك أفلام أخرى توخت العمل على المنوال التجاري الذي برع فيه الرجل طويلاً «ماري ملكة سكوتلاند» لجوزي رورك و - على الأخص - «الجاسوس الذي أهملني» لسوزانا فوغل. هذا الاتجاه ينتمي إلى ظاهرة كانت انطلقت قبل عدة أعوام لكنها تبلورت في 2018 إلى تيار كامل. إنه اتجاه إنتاج أفلام أكشن من بطولة نسائية مطلقة. معظم هذه الأفلام كان من إخراج رجال. هذا كان حال «إبادة» مع نتالي بورتمن وجنيفر جاسون لي للمخرج إليكس غارلاند، و«أوشن 8» مع ساندرا بولوك وكايت بلانشت وهيلينا بونام كارتر (إخراج غاري روس). وفي حين أن بطلات هذا الفيلم يخططن للسرقة الكبيرة فقط لتأكيد قدراتهن على القيام بما يقوم به الرجال عادة، نجد بطلات «أرامل» (فيولا ديفيز، ميشيل رودريغيز، إليزابث دبكي وأخريات) يقمن بها لأسباب اقتصادية محضة.
> > ‫الأفلام الأعلى نجاحاً لعام 2018
> تمثل إيرادات الأفلام الطريقة المُثلى لرصد حركة الجمهور حول العالم، فهي تطلعنا على ما فضّله المشاهدون غير المعنيين كثيراً بالنواحي النقدية والعناصر الفنية. الفيلم ما زال، بالنسبة لمئات ملايين الناس حول العالم، مصدر ترفيه قبل أن يكون مصدر فن ورسالة.‬
التالي هو آخر ما سجلته الإيرادات العالمية (وليس الأميركية فقط) من أرقام للأفلام العشرة الأولى في قوائمها.
1 Avengers: Infinity Wars
الحلقة الأخيرة من مسلسل الكوميكس بأبطاله المتعددين: 2 مليار و84 مليون و815 ألف دولار
تقييم الناقد: (جيد)
2 Black Panther
أكشن عن «سوبر هيرو» أسود آت من صفحات الكوميكس الشعبية: مليار و347 مليون و71 ألف دولار.
‫تقييم الناقد: (ممتاز)
3 Jurassic World: Fallen Kingdom
تشويق مع رسالة ضد العلم واستهلاكه من المنتج ستيفن سبيلبرغ: مليار و304 ملايين و866 ألف دولار.
تقييم الناقد: (جيد)
4 Incredibles Two
رسوم متحركة عن بطولات خارقة لعائلة تريد بدورها إنقاذ العالم: مليار و241 مليون و480 ألف دولار.
تقييم الناقد: (جيد)
5 Venom
توم هاردي في هذه الثورة العبثية ضد الخير والشر معاً مستخلصة أيضاً من الكوميكس: 853 مليون و85 ألف دولار
تقييم الناقد: (جيد)
6 Mission: Impossible - Fallout
أفضل أفلام السلسلة (لجانب الجزء الأول) يقوم فيه توم كروز بتحدي قدراته السابقة وينجح: 787 مليون و497 ألف دولار.
تقييم الناقد: (ممتاز)
7 Deadpool two
سيادة أفلام الكوميكس على الإيرادات استمرت هنا مع مزج التشويق بالهزل: 734 مليون و719 ألف دولار
‫تقييم الناقد: (وسط)
8 Ant‪ - ‬Man and the Wasp
الرجل النملة والدبور، شخصيتان مكملتان كل للآخر في هذه المغامرات غير المعقولة: 522 مليون و309 آلاف دولار.
‫تقييم الناقد: (وسط)
9 Bohemian Rhapsody
الفيلم البيوغرافي الوحيد، وهو يدور حول المغني الأول في فريق «كوين»: 598 مليون و743 ألف دولار.
10 Ready Player One
فيلم آخر لسبيلبرغ، هذه المرّة مخرجاً، مليء بالمؤثرات والمشاهد الخفيفة عن عالم ينتقده المخرج ضمنياً: 578 مليون و621 ألف دولار.
> > اختيار الناقد لأفضل الأفلام الأجنبية لعام 2018
> شاهدتُ أكثر من 274 فيلماً أجنبياً جديداً في العام الحالي (من أصل نحو 5000 ‬فيلم، هو متوسط ما تُطلِقه عواصم السينما حول العالم كله). هناك البعض مما شاهدت وتضمنته قوائم نقاد آخرين اعتادوا إعلان اختياراتهم في مثل هذه الأيام، لكنه لم يدخل قائمتي، وقليل مما لم أستطع مشاهدته حتى الآن، وإن لم يجد معظمها طريقه للقوائم الأخرى أيضاً.
- الترتيب هنا أبجدي للعشرة الأولى مما نال الإعجاب والتقدير.
BlacKkKlansman
إخراج: سبايك لي (الولايات المتحدة)
نكهة كوميدية داكنة تنبع من داخل الحكاية الواقعية، وفوقها بعض ما عُرف عن المخرج من نظرات نقدية ساخرة. شرطي أسود في بلدة محيطها أبيض يتصل بمنظمة «كو كلوكس كلان»، المعروفة بتاريخها العنصري، مدعياً أنه شخص أبيض ويريد الانضمام للمنظمة. يرسل بالنيابة عنه شرطياً أبيض بهدف التسلُّل إليها والكشف عن عمل إرهابي تودُّ المنظمة القيام به. في الواقع المتحري الأبيض لم يكن يهودياً، وتحويله إلى يهودي في الفيلم أزعج القضية الأساسية، وهي العنصرية ضد السود. ويعيد الفيلم إلى البال أفضل ما سبق لسبايك لي تحقيقه من أفلام حول الموضوع، مثل «حمى الغابة» و«أفعل الشيء الصحيح».
Burning
إخراج: لي تشانغ - دونغ (كوريا الجنوبية)
عمل بارع للمخرج المقلّ (أول فيلم له منذ 8 سنوات) يوظف تلك العقدة المعتادة في أفلامه، القائمة على 3 شخصيات؛ شابين وفتاة، في اتجاه جديد يزداد غموضاً مع استمرار الحكاية في سرد قصّة الشاب الغريب الآتي من سنوات غياب في أفريقيا حاملاً معه سرّاً لا يجوز لأحد الاطلاع عليه. الحكاية تبدأ من تعارف يتم بين الفتاة (شن هاي - مي) وشاب تطلب منه العناية بقطتها إلى أن تعود من أفريقيا، وتفعل ذلك بصحبة الشاب غريب الأطوار. بصرياً جيد وتشويقياً كذلك.
Cold War
إخراج: بافل بافلكوفسكي (بولندا)
قصّة حب بين شخصين على طرفي نقيض؛ فتاة وشاب. وبينما يقترح العنوان وزمن الأحداث (الخمسينات) وضعاً سياسياً في الخلفية، تكشف الأحداث ذاتها أن الحرب الباردة هي في داخل شخصيتيه الرئيسيتين. الحكاية في أساسها مأخوذة عن ذكريات المخرج حول والديه اللذين توفيا في عام واحد (1989). بافلكوفسكي يصف حياتهما معاً بـ«كارثة دائمة»، ويستوحي من تلك العلاقة كل ما تضمنته من حب وبغضاء ممتزجين بالواقع المعيش أيام «الستار الحديدي»، الذي انتصب حول بلاده. على ذلك، الفيلم فيه كثير من الخيال، والعلاقة بين شخصيتيه فنية أساساً أدّت إلى كتلة المشاعر العاطفية التي يتداولها المخرج بحذق شديد.
Faces Places
إخراج: أغنيس فاردا وج. ر. (فرنسا). تنطلق المخرجة التسجيلية البديعة (على امتداد سنوات مهنتها) مع فنان الغرافيتي والمصور ج. ر. إلى بعض القرى الفرنسية منقِّبة معه عن أوجه تلك الحياة وشخصياتها. فيلمها ليس، كما هو حال كثير من الأفلام المماثلة، حزيناً يشيد بالأمس ويطرح أسئلة على الحاضر. بل هو ليس حتى نوستالجياً (الحنين إلى الماضي). إنه حبور دائم وبهجة تمارسها المخرجة عبر ما تسجله في فيلمها من أوجه تلك الحياة، والطريقة التي تفعل بها ذلك، الثرية بفن حيوي وحاضر.
First Man
إخراج: داميان شازيل (الولايات المتحدة)
لم ينل «رجل أول» ما يستحق من إشادة، ربما لأن المخرج شازيل لم يسع إلى تأطير شخصياته على النحو الذي توقعه بعض النقاد، ولا أحداثه. فعوض الإعلان عن إعجابه بشخصية نيل أرمسترونغ (كما يؤديه رايان غوزلينغ)، الذي كان أول من مشى على سطح القمر، بأسلوب احتفائي، يختار الحديث في الخوف والتوتر والنزاعات النفسية التي يراها سادت رواد الفضاء. بذلك يتخلص من الرغبة في إعلاء شأن المغامرة الفضائية، ويتبنى مبدأ الاحتفاء بالتضحية الفردية دون أن يغيب عنه نقد بعض الملامح الاجتماعية المحيطة. بذلك هو فيلم مختلف وجيد في اختلافه هذا.
First Reformed
إخراج: بول شرادر (الولايات المتحدة)
إيثان هوك في دور القس الذي لديه ماضٍ يهرب من مواجهته، لكنه يلعب الدور الأول في جعله حائراً حيال إيمانه. المخرج بول شرادر كتب «تاكسي درايفر» من المنطلق ذاته لكن النتيجة هنا مختلفة جداً، ولو أنها أيضاً حادة. يبني المخرج فيلمه بكادرات محددة الحجم والوظيفة. ليس لديه ما يبعثره لإرضاء أحد. بعض ما يتضمنه الفيلم موحى به من مخرجين آخرين (روبير بريسون أساساً) لكن هذا ينصهر جيداً في أسلوب شرادر وموضوعه.
‬The Heiresses‪
إخراج: مارسيلو مارتنيزي (باراغواي، برازيل)
امرأتان في النصف الثاني من عمريهما تعيشان في بيت كبير ورثته إحداهما. الأخرى تدخل السجن والأولى تبقى وحيدة لأول مرة في حياتها. هذا ما يدفعها لمحاولة اكتشاف درب جديد في الحياة. تبدأ بقيادة تاكسي خاص لبعض النساء الثريات، وقيادتها تدلها على طريق التحرر من سلطة الأمس البرجوازي الذي انتمت إليه وانحسر لاحقاً عنها. فيلم حساس المشاعر وواقعي ويختصر موضوعه الشاسع بسيناريو محكم.
Image Book
إخراج: جان - لوك غودار (سويسرا، فرنسا)
لا يسرد غودار حكاية على غرار بعض أفلامه، لكن ذلك لا يجعله فيلماً تسجيلياً رغم أنه مؤسَّس على مئات اللقطات المتوالية المأخوذة من أفلام سينمائية سابقة ومشاهد وثائقية لحروب تبدأ بإلقاء القنبلة النووية، وتنتهي في بعض حروب العرب الدائرة. يريد أن يؤكد وجهة نظر مفادها أن العالم وصل إلى نقطة اللاعودة في خضمِّ المتغيرات السياسية الحاصلة. في هذا الإطار يستخدم أرشيفاً من المشاهد الموثقة لأفعال وممارسات عنف من مناطق متعددة من الحياة على هذا الكوكب. ما يوفره هنا - بكل ذلك - فيلم تجريبي من الدرجة الأولى.
Roma
إخراج: ألفونسو كوارون (المكسيك) لا علاقة للعنوان بمدينة روما، بل هو الحي الذي وُلد فيه المخرج في مدينته المكسيكية. على ذلك لا يسرد مباشرة قصة حياته هو بل الحياة كما طالعها في سنوات صباه جاعلاً محور الأحداث منصباً على تلك الخادمة كليو (ياليتزا أبريكيو) التي تعنى بشؤون البيت والآتية من أصول هندية. يسرد كوارون بثقة وسهولة ما يحدث في البيت الكبير وعلاقة الأفراد المختلفين بعضهم ببعض، وذلك الحب الأسري الذي يربط بين العائلة والخادمة التي، في مشهد متأخر من الفيلم، ستنقذ حياة الفتاة الصغيرة من الغرق في مشهد رائع التنفيذ استخدم فيه المخرج «تراكينغ شوت» (لقطة طويلة تتحرك أفقياً موازية لتحرك الموضوع الذي تصوّره) بمهارة. في الواقع، مدارك المخرج في كيفية صهر المضمون وأحداثه وتوليه تقديم الحكاية ومعالجة مشاهده المختلفة أكثر إثارة للاهتمام مما يرد على الشاشة في سياق القصّة ذاتها.
Shoplifters
‫إخراج: هيروكازو كوريدا (يابان)‬
كعادة هذا المخرج، استقى كوريدا الأحداث من واقعة منشورة في الصحف. تم العثور على عائلة من نشَّالي المحلات التجارية، تعيش معاً وبعض أفرادها لا يمتلك شهادات ولادة، ولا حتى ينتمون إلى العائلة بصلة القربى. ما يفعله المخرج هنا هو تصوير تلك الحياة الراكدة والمثيرة معاً لشخصيات كل منها بئر عميقة لا تفصح عن أسرارها. هذا كله من وجهة نظر عميقة لا تدين وتبدو أكثر اهتماماً بمنح تلك الشخصيات العناية والعطف. استحق ذهبية مهرجان «كان».
• أفضل فيلم عاطفي:
‪A Star is Born‬
‫إخراج: برادلي كوبر، رافعاً القبعة لسينما الأمس.
‬• أفضل فيلم كوميدي:
Alright Now
إخراج: جايمي أدامز، سارداً حكاية مثيرة وصادقة حول المرأة والفن والحب.
‫•‬ أفضل أكشن:
Mission‪:‬ Impossible‪ - ‬ Fallout
توم كروز تحت إدارة كريستوفر ماكوايري، يسيطر على سينما الأكشن كلها.
‫•‬ أفضل دراما اجتماعية:
‪…‬ And Suddenly The Dawn
الماضي والحاضر وحياة كاتب يعود إلى تشيلي بعد عناء الغربة، في الفيلم رقم 11 على قائمتنا.
‫•‬ أفضل وسترن:
The Ballad of Buster Scruggs
على علاته… أكثر جدية من حفنة أخرى من أفلام هذا النوع.
‫•‬ أفضل كوميكس:
Black Panther
ولأسباب باتت معلومة، من بينها أنه يحمل معاني أكثر مما هو متاح في أفلام أخرى من النوع ذاته.
‫•‬ أفضل فيلم عن حادثة تاريخية:
Peterloo
فقط لو أن المخرج، مايك لي، لم يكتفِ بالعرض وساق بعض المواقف غير التلقائية.
‫•‬ أفضل فيلم من بطولة شخصين فقط:
Aga
عجوز وزوجته وصحراء من الثلج ومستقبل مجهول.


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.