السلطات الفرنسية تواجه مجدداً «السترات الصفراء» بعد فشل تنازلاتها المتكررة

انقسام الحركة الاحتجاجية بين الراغبين في المهادنة والعازمين على مزيد من التصعيد

جانب من المحتجين بستراتهم الصفراء يقفون أمام حائط وسط شوارع باريس كتبت عليه عبارة «ماكرون استقِل» (رويترز)
جانب من المحتجين بستراتهم الصفراء يقفون أمام حائط وسط شوارع باريس كتبت عليه عبارة «ماكرون استقِل» (رويترز)
TT

السلطات الفرنسية تواجه مجدداً «السترات الصفراء» بعد فشل تنازلاتها المتكررة

جانب من المحتجين بستراتهم الصفراء يقفون أمام حائط وسط شوارع باريس كتبت عليه عبارة «ماكرون استقِل» (رويترز)
جانب من المحتجين بستراتهم الصفراء يقفون أمام حائط وسط شوارع باريس كتبت عليه عبارة «ماكرون استقِل» (رويترز)

استبق رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون عودة «السترات الصفراء» إلى الشوارع مجدداً اليوم (السبت)، بالانضمام إلى الأصوات الداعية إلى وقف الحركة الاحتجاجية. وقال أمس، إن فرنسا «بحاجة لعودة النظام واستعادة عملها المعتاد»، باعتبار أنه استجاب لمطالب المحتجين من خلال التدابير والإجراءات التي أعلن عنها الاثنين الماضي، وقبلها إلغاء زيادات الرسوم على المحروقات لعام 2019، التي كانت أساس انطلاق الحركة الاحتجاجية.
وجاءت دعوة الرئيس الفرنسي، الذي زار مدينة ستراسبورغ بعد ظهر أمس، عقب القضاء على مرتكب العملية الإرهابية ليل الثلاثاء الماضي، في إطار حملة منسقة لدفع المحتجين لوضع حد لحركتهم. وشارك فيها رئيس المجلس النيابي ريشار فران، ووزيرة العدل نيكول بيلوبيه، بالإضافة إلى وزير الداخلية كريستوف كاستانير، ووزيرة الدفاع فلورانس بارلي، والناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو وأعضاء حكوميون آخرون، ومسؤولون أمنيون ونواب من الأكثرية. علاوة على نقابيين ورجال سياسة من اليمين المعتدل والوسط.
بالمقابل، فإن رئيس حركة «فرنسا المتمردة» جان لوك ميلونشون، ورئيسة «التجمع الوطني» مارين لوبان، ورئيس حزب «فرنسا انهضي» النائب نيكولا دوبان دينيان، التزموا مواقف مغايرة. ولتبسيط الصورة، يمكن القول إن الأطراف المتشددة، يميناً ويساراً، تدفع باتجاه الاستمرار في الاحتجاجات، بينما الأحزاب «الحكومية»، سواء في الحكم أو في المعارضة، تسعى إلى التهدئة وإطفاء الاحتجاجات.
وتشدد الحكومة ومن يدعمها في الدعوة لوقف التحركات، وتلافي العودة إلى مشاهد العنف، والإحراق والسلب والاشتباكات، على 3 أسباب رئيسية، تراها «كافية» للاستجابة لها. أولها أن الرئيس ماكرون «استجاب» لمطالب المحتجين على دفعتين، إذ ألغى من جهة زيادات الرسوم على المحروقات للعام المقبل، كما قرر زيادة 100 يورو على الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى تجميد أسعار الغاز والكهرباء، وحجب زيادات الضرائب على المعاشات التقاعدية الضعيفة «دون ألفي يورو في الشهر». وهذه التدابير ستكلف خزينة الدولة ما بين 12 و14 مليار يورو، وستجعل باريس تتخطى سقف 3 في المائة المسموح به أوروبياً لعجز الميزانية، قياساً على الناتج المحلي الخام. والحجة الثانية هي التذرع بالتهديد الإرهابي كما ظهر في ستراسبورغ، والحاجة لأن تكرس القوى الأمنية اهتمامها بمواجهته. أما الحجة الثالثة فهي «تعب» قوات الشرطة والدرك من التعبئة المستمرة منذ نحو الشهر. وأخيراً، الحاجة لوقف الخسائر الاقتصادية التي تترتب عن إقفال الطرقات والمخازن، ناهيك بالخسائر المادية الناتجة عن التحطيم والتهشيم والحرق، وكل الأعمال العنفية. والدليل الأبرز على ذلك ما عرفته باريس، وخصوصاً أحياءها التجارية الراقية طيلة الأسابيع الماضية، وتدهور صورتها في العالم، وعزوف نسبة من الزوار والسياح عن القدوم إليها بسبب ما تنقله القنوات التلفزيونية.
وهكذا، تكاثرت التصريحات خلال الأيام الأخيرة، حيث اعتبر الناطق باسم الحكومة، أن الدولة «سمعت مطالب» المحتجين واستجابت لها، وحث هؤلاء على «التعقل والتحلي بالمسؤولية، والامتناع عن التظاهر نهاية هذا الأسبوع» الذي يسبق الأعياد العائلية. كما ذهبت وزيرة العدل في الاتجاه نفسه، إذ رأت أن هذه الحركة «يجب أن تتوقف»، وهو رأي رئيس البرلمان ورئيس نقابة الكونفدرالية الفرنسية للشغل التي تعتبر قريبة من الحزب الاشتراكي.
وليس سراً أن الحكومة تراهن على الانقسام داخل «السترات الصفراء»، بين معتدلين يريدون «هدنة» تمكن من الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة، ومتشددين يرون أن التدابير الحكومية لا تعدو كونها «فتاتاً»، وبالتالي يتعين الاستمرار في النزول إلى الشارع.
ودعا بنجامين كوشي، الناطق باسم «السترات الصفراء الأحرار»، إلى «تعبئة بناءة» بعيداً عن المظاهرات والاحتجاجات، واستبدال لقاء المسؤولين بها، لأن «زمن الحوار حان أوانه بعد شهر من الانسداد، ولأن الاقتصاد انهار، ويتعين علينا بالتالي أن نتحمل مسؤولياتنا». بالمقابل، فإن ناطقين باسم «فرنسا الغاضبة» من صفوف «السترات الصفراء» رفض الحجج الحكومية، ودعا إلى استمرار التعبئة الشعبية، خصوصاً بعد خطاب ماكرون الاثنين الماضي. وفي هذا السياق، طرحت بريسيليا لودوسكي، التي كانت أول من أطلق الدعوة إلى الاحتجاج، سلسلة مطالب جديدة، منها «الخفض الجدي» للضرائب والرسوم على السلع الأساسية، كالمواد الغذائية والمحروقات والثياب، إضافة إلى السكن والرواتب والتقديمات المرتفعة التي توفرها الدولة لكبار الموظفين.
وإذ غابت من المطالب السياسية الدعوة إلى حل البرلمان وتغيير الحكومة واستقالة ماكرون، فإن لودوسكي طالبت بإعادة «السيادة للشعب» عن طريق تبني الاستفتاء لتحديد السياسات الحكومية وتعديل الدستور. واتهم التيار المتشدد، الحكومة، بـ«تسخير» العملية الإرهابية في ستراسبورغ لـ«ابتزاز» السترات الصفراء، ومنعهم من الاستمرار في حركتهم.
هكذا، فإن فرنسا، وباريس خصوصاً، تتأهب ليوم احتجاجات إضافي، لا أحد يعرف مسبقاً حجمه أو طبيعته، وما إذا سيكون نسخة طبق الأصل عما عرفته العاصمة أو مدن بوردو ومرسيليا وسان أتيان وغيرها السبت الماضي، أم لا. ودرءاً لأي مفاجأة، فقد أعلن ميشال دلبويش، مدير الشرطة في باريس، خلال مقابلة إذاعية أمس، إعادة العمل بالمنظومة الأمنية التي نشرت في العاصمة السبت الماضي، بحيث يستدعى لهذه الغاية 8 آلاف رجل شرطة ودرك، ووحدات مكافحة الشغب وجلب 14 مدرعة تابعة للدرك قادرة على إزالة الحواجز والمتاريس، بما فيها المشتعلة وتحريم المثلث، الذي يضم قصر الرئاسة ووزارة الداخلية والقصر الحكومي، والمناطق الواصلة بينها، وأبرزها ساحة الكونكورد، وجانب من الشانزليزيه، إضافة إلى قوس النصر أعلاها، على المتظاهرين والمحتجين.
كما ستعمد القوى الأمنية إلى إقامة حواجز لتوقيف من تعتبرهم «مشاغبين»، ومنعهم من المشاركة في المظاهرات.
وتم السبت الماضي إيقاف نحو ألفي شخص منهم 1082 في باريس وحدها. لكن ذلك لم يحل دون اندلاع أعمال عنف، وإحراق واشتباكات، تركت آثارها على العاصمة الفرنسية، وعلى غيرها من المدن. ومجدداً، عمدت المتاجر والمقاهي والمطاعم إلى التحصن خلف ألواح خشبية سميكة.
فهل ستمر الأمور على خير؟ لا أحد يملك جواباً مسبقاً. لكن الأكيد أن الحكومة لم تعد قادرة على التراجع لأسباب سياسية واقتصادية ومالية. وبالمقابل، فإن المحتجين الذين لا يخضعون لقيادة أو لجنة تنسيقية ما زالوا مصرين على دفعها للتنازل، بعد أن أجبروها مرتين على ذلك، ولا يرون سبباً في ألا تتراجع مرة إضافية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...