السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مؤتمر الأدباء السعوديين وفيلم «وجدة».. واستقلال الإذاعة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة
TT

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مثل فوز الروائي الكويتي، سعود السنعوسي، بجائزة البوكر العربية، على روايته «ساق البامبو»، واحدا من أبرز منجزات المثقفين الخليجيين. فقد منح هذا الفوز للرواية الكويتية إطارا من التتويج بعد رحلة ناهزت النصف قرن.
وفي حين راح بعض المثقفين السعوديين يعددون الأحداث الثقافية التي مرت بها بلادهم، وتلك التي تمثل محطات بارزة، كان لافتا أن هناك من وجد أن الثقافة السعودية راوحت مكانها خلال عام 2013، ولم تقفز إلى الأمام، على الرغم من أنها حافظت على وتيرتها في الحركة.
يلخص الناقد أحمد بوقري، ما يعده «رتابة المشهد الثقافي»، بالقول: «حفل مشهدنا الثقافي هذا العام بانتفاء كل بواعث الفعل الثقافي البسيط، فهناك انتخابات متعثرة، ونواد أدبية بلا مرتادين، وحركة نشر بطيئة، وإنتاج أدبي فقير يشرئب نحو الخارج، ومكتبات متقلصة على قرطاسياتها ومستهلكاتها، وصفحات ثقافية تقتات على ما يقال لا على ما تقول».
لكن مثقفين آخرين رأوا أن هناك أحداثا مهمة مرت بها السعودية وشارك فيها الشباب، منها التواصل والحراك داخل وسائط التواصل الاجتماعي، وانتعاش حركة النشر، والقراءة، ودخول أعداد واسعة من المشتغلين بالشأن الثقافي، إضافة إلى انعقاد مهرجانات كبيرة وواسعة.

* مؤتمر الأدباء السعوديين
كما بين الشاعر جاسم الصحيح، أن من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال عام 2013، كان انعقاد مؤتمر الأدباء الذي خرج بتوصيات عدة بالاهتمام بالمسرح وبالمراكز الثقافية، ورفع سقف الرقابة. وأضاف: «كما أن هذا العام حمل لي حدثا ثقافيا مميزا وهو فوز ديواني (ما وراء حنجرة المغني) بجائزة البابطين». وطالب وزارة الثقافة والإعلام بالاهتمام بإعادة جائزة الدولة التقديرية، وإيجاد جوائز كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية.
كذلك يؤكد الأديب الدكتور سلطان القحطاني، أن السعودية شهدت في عام 2013، عددا من الفعاليات الثقافية المتميزة عن سابقاتها. وقال إن أولى تلك المنجزات، كان وجود هيئة مستقلة عن وزارة الثقافة والإعلام باسم «هيئة الإذاعة والتلفزيون»، حين حصلت الإذاعة فيها على استقلالية، وانفصلت إذاعة جدة عن البرنامج العام، وتحولت إلى شبابية ثقافية.
وأضاف: «أما الثاني، فهو انعقاد مؤتمر الأدباء السعوديين الرابع في المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية. وقد تميز هذا المؤتمر عن سابقيه (الثاني والثالث)، بمشاركات الشباب، ومشاركة البلاد العربية ببحوث عن الأدباء والأدب في السعودية، وما كتبه الأدباء العرب عن البلاد».
أما الثالث، برأي الدكتور القحطاني، فهو انعقاد ملتقى نادي مكة المكرمة، في دورة استثنائية عن الأدب والثقافة والحدود بينهما. وكان ملتقى مثمرا ومفيدا، من حيث التفاعل والحضور وجدية الأبحاث والنتائج والحوارات المثمرة وتكريم أصحاب الجهود الثقافية، من أبناء مكة، مما جعل هذا حافزا لتكريم أبناء المناطق الأخرى في دورات أنديتهم.

* الشباب والثقافة
الدكتور عبد الله السفياني، مدير الموسوعة العالمية للأدب العربي، يقول: «في نظري إن أبرز ما يميز العامين الأخيرين، وعام 2013 تحديدا، هو بروز الحراك الشبابي في مجال اللقاءات والإصدارات من كتب ودواوين شعرية، بالإضافة إلى نشاطهم في شبكات التواصل الاجتماعي، مع ملاحظة تنافس دور النشر على الأسماء المتميزة في هذه الشبكات، وطبع إنتاجها الورقي وتسويقه».
ويرى القاص محمد الشقحاء، أن إصدارات كرسي الأدب السعودي يعد من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال العام الماضي. وهذا الكرسي صادر عن جامعة الملك سعود، وقد قدم رسائل ودراسات علمية حول أدباء سعوديين ومنتجهم الأدبي وسيرهم الذاتية، فتناول غازي القصيبي وحامد دمنهوري وغيرهم من الأدباء والمبدعين.
في حين ذكر يوسف العارف، عضو نادي جدة الأدبي، أن تعيين الأمير خالد الفيصل وزيرا للتربية والتعليم، يعد خاتمة مسك لسنه 2013، عادا أن الأمير خالد الفيصل يمثل نقلة نوعية في الثقافة السعودية. فهو من أطلق عددا من المبادرات الثقافية، مثل مؤسسة الفكر العربي، وسوق عكاظ، وغيرهما.
ورأت عفاف المحيسن، أن أهم الأحداث الثقافية كان «اختيار المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية».

* تراجع
بعض المثقفين السعوديين لم يجدوا في عام 2013 حدثا تمكن الإشارة إليه كعام يمثل حالة استثنائية عن العام السابق له. وتقول الشاعرة زينب غاصب: «لا يوجد حدث ثقافي مهم خلال عام 2013. فهناك حاله تراجع بسبب التصويت في الأندية الأدبية، وانتخاب أشخاص ليس لهم أي صلة بالثقافة للعمل في الأندية، مما أدى إلى هذه الحالة من التراجع».
كذلك لا يرى الأديب والإعلامي الدكتور صالح المحمود، حدثا بعينه يمكن الإشارة إليه، وقال: «لم أجد شيئا بارزا، ربما نحن بحاجة ماسة إلى هز المشهد وخلخلته لنخلق النوعي». لكنه أضاف: «الجديد ثقافيا: معرض الرياض للكتاب، والمهرجان الوطني للثقافة والتراث (الجنادرية)، وإقامة ملتقيات الأندية، وغيرها». وبرأيه فإن هذه المناسبات «لم تستطع تقديم فعل ثقافي مختلف ونوعي طيلة السنوات الماضية».

* فشل على صعيد الأندية
وأشار القاص فهد المصبح، إلى أن من أهم الأحداث الثقافية التي جرت خلال عام 2013، كان فشل وزارة الثقافة والإعلام في حل مشكلات الأندية الأدبية، وخصوصا نادي الشرقية الأدبي، مؤكدا وجود إشكالية لم تحل وهي موقف الوزارة من الأندية الأدبية.
بينما يرى الأديب الدكتور أحمد قران الزهراني، أن معظم الفعاليات الثقافية فعاليات مكررة تحدث كل عام. وقال إننا نطالب بتجديد وتطوير الفعاليات التي تقدمها وزارة الثقافة والإعلام مثل إقامة مؤتمر للشعر العربي، والرواية العربية، أو الفنون التشكيلية، أو جائزة كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية تكون مختلفة عن جوائز الأندية الأدبية.
في حين عد القاص طاهر الزارعي، استقالة مدير عام الأندية الأدبية حسين بافقيه، بعد ثلاثة أشهر من تعيينه، بالحدث الأبرز في الحالة الثقافية السعودية. وكانت الاستقالة أحدثت أصداء واسعة عند الأدباء والمثقفين.
بينما رأت الإعلامية منيرة المشخص، أن أهم حدث كان الاحتفاء باللغة العربية، وتكريم الدكتور محمد أحمد الرشيد من قبل وزارة الثقافة والإعلام.

* الفن السعودي
وقال الشاعر محمد خضر: «أعتقد أن عمل الفنان عبد الناصر غارم في مزاد دار كريستي بدبي، يعد منجزا رائعا لفنان من السعودية. وقد حقق عمل تركيبي بعنوان (قبة الكابيتول) للفنان السعودي عبد الناصر غارم، مبلغ 545 ألف دولار». كذلك أشار خضر إلى نجاح فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، وإلى دخول أرامكو السعودية هذا العام، في رعاية الثقافة والإبداع، من خلال معرضها «إثراء المعرفة» الذي أضاف قدرا من «التواصل مع المجتمع».
ويقول خضر: «على الصعيد الشخصي أصدرت مجموعتي الشعرية (منذ أول تفاحة) في بداية العام، وقرأت ما يقارب 48 كتابا جديدا في فروع مختلفة في الفن والأدب والفكر والثقافة العامة.

* دليل لأدب الطفل
أما الأديبة والكاتبة هيلة البغدادي، عضو نادي تبوك الأدبي، فتقول: «من الأحداث الثقافية على مستوى العربي، انعقاد (المنتدى العربي السنوي للتطوير التربوي 2013) الذي عقدته مؤسسة الفكر العربي من خلال مشروع (عربي 21)، حيث شارك فيه عدد من الوزارات والمؤسسات الثقافية والتربوية».
كما أن المؤسسة أطلقت أيضا أول دليل عربي لـ1021 كتابا مصنفا لأدب الطفل العربي، وذلك بدعم مشترك بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وشركة أرامكو السعودية، بهدف بناء المكتبات الصفية المصنفة في المدارس، تماشيا مع التوجه العالمي لتشجيع الأطفال على تعلم القراءة، والرغبة في المطالعة باللغة العربية.

* البوكر للكويت والبابطين يحمل حوار الحضارات إلى أوروبا
* يرى الناقد والروائي السوري عدنان فرزات، الذي يعمل في الكويت، أن فوز الروائي الكويتي سعود السنعوسي بجائزة البوكر العربية عن روايته «ساق البامبو»، يعد أبرز حدث ثقافي على المستوى الكويتي.
ويقول إن من الأحداث الثقافية المهمة في الكويت أيضا، كان مشاركة الفرق المسرحية الكويتية في المهرجان المحلي بنصوص كلها لمؤلفين كويتيين. وهذا يعني أن هناك شريحة جديدة من المؤلفين بدأت تطرح أفكارها من بعد ركود نسبي. كذلك قيام مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بعقد مؤتمر عالمي حول حوار الحضارات، في مقر اتحاد البرلمان الأوروبي، وبرعاية رئاسة هذا البرلمان، وهو بعنوان: «الحوار العربي الأوروبي في القرن الحادي والعشرين: نحو رؤية مشتركة». المميز في هذا المؤتمر، هو تشكيل هيئة دولية لمتابعة القضايا الإنسانية والسلمية على صعيد العالم، من خلال تواصل هذه الهيئة مع زعامات الدول والمنظمات الحقوقية.
ويضيف: «إن ما نأمل في أن يتحقق خلال السنة الجديدة، هو الشروع في إنشاء مجمع ثقافي متكامل يضم كل الفعاليات الأدبية والمسرحية والتشكيلية وغيرها، وانضمام كل المؤسسات والاتحادات والروابط والجمعيات المعنية تحت هذا السقف، لأن الشتات المكاني يضعف قوة الفعل الثقافي وخصوصا على صعيد الجمهور».
وفي دولة الإمارات، تشير الأديبة والكاتبة الإماراتية نورة النومان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن جائزة القصة والرواية التي انطلقت أخيرا في دبي بدولة الإمارات، تعد من أهم الأحداث الثقافية في عام 2013 في بلادها. وتقول إن أهمية هذا الحدث الثقافي، تكمن في كونه يهتم بالإبداعات والروايات التي لم يحالفها الحظ في النشر بعد، مبينة أن هذه الجائزة بمثابة تحفيز وتشجيع للمبدعين الجدد الذين لم يتمكنوا من نشر مؤلفاتهم لسبب أو لآخر، لترى إبداعاتهم ومؤلفاتهم النور.
وثمة حدث ثقافي آخر شغل الأوساط الإماراتية في عام 2013، وفق النومان، وهو معرض الشارقة للكتاب الدولي وفعالياته، بعده حدثا مميزا وناجحا، مشيرة إلى أن «المعرض أتاح لرواده فرصة الاطلاع على تجارب جديدة وكتاب جدد، بجانب الكتاب المعروفين».



الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.


بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل
TT

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة. أسلوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شخصياتها على نولهن. فالنساء في الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت، يحكن الأثواب وبسمة الخطيب تغزل الأحداث بقلمها، في حفر عميق في الذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى الوريثة الأخيرة ندى التي تعيش في عزلة بسبب وباء «كوفيد» وتحاول رتق النسيج الممزق الذي ورثته لتفهم تاريخها.

شجرة العائلة نسائية

على عكس شجرة العائلة التقليدية التي تحتفظ بأسماء الذكور وتسقط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تجارب نسلها الأنثوي. هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى غير موجودة، بل على العكس الرواية تعجّ بأناس يصنعون هذا العالم الممتد مثل آمال ووالدتها، وهن من جيران الوادي الذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الرواية يظل متمحوراً حول الحائكات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولاً إلى ندى.

الحكاية تبدأ من الحفيدة الأخيرة ندى، معاصرتنا التي توفيت والدتها أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق في تفاصيل العزلة والحداد. «هل أمّها محظوظة لأنها عاشت للثمانين؟ تشكّ ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأمّ كانت تعيسة، قضتها في انتظار أحلام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، من امرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كانت قد أودعتها عند والدتها أميرة. هذه الأخيرة كانت «داية» تولد النساء وتدفن «خلاص» مواليدهن في الوادي، وهي التي حفظت «الأمانة» أو النسيج القديم، الذي نفهم بعد ذلك أنه الرابط الذي تتناقله السلالة النسائية.

خط زمني واحد يمتد من ماضٍ سحيق إلى حاضر الوباء الجديد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بالصبر والحياكة، والغزل والطبخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظاراً مجانياً، إنما هو تفاعل بطيء، لكنه متواصل وحثيث وفيه إصرار على بلوغ الهدف النهائي، وهو تغيير هذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته.

لا استخدام لكلمات ممجوجة كـ«الحقوق» أو «الحرية» أو «المساواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المرأة، بل على العكس تماماً، هو سرد لمسارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ.

الاستعاضة عن الكلام بالنسج

ننتقل مع الكاتبة إلى زمن الجدة تانيس، المرأة البكماء الصماء التي نفيت إلى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الوادي، ليكون سجناً تودع فيه النساء لعاقبهن. وهو منفى خُصص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بدلاً من أن تستسلم تانيس للموت، تُحوّل هي والنساء الأخريات في القصر الحياكة إلى أداتهن المتبقية للاستمرار والتغلب على العزلة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مسار الاستعاضة عن الكلام بالنسج. وعندما تولد ابنتها ليلان في «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الصبر ورحلة العذاب الطويل. هكذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بها تانيس لتبدأ رحلة على طول بلاد الصدع الزلزالي التي تمتد من تركيا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مهجة الكبرى التي واجهت الطاعون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضحى ومن ثم حسينة اللتان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس.

اللعبة الروائية التي تنقلنا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لهؤلاء النسوة المعذبات والمصرّات على الكدح، كأنما هي انعكاس للصدع الزلزالي الذي يمزق الأرض، وتأتي الحياكة التي لا يتوقفن عن ممارستها وسيلةً لرتق جروحهن.

فالرتق عند النسّاجات له وظائف عدّة لأن «قطبة واحدة ضالّة قد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الدؤوبة على إعادة العمل». ولكن «الرتق» أو «الرثو» أو «الوصل» هو الحيلة المنقذة. «حين تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطاً من آخر، وتشبكهما، ثمّ تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلى إنقاذها وربطها بأخواتها بقطبة مخفية». المهم هنا «أنّ قفا أقمشة النول تُظهِر بوضوح ما رُمّم ووصِّل واُصلِح. وإنّ القفا هو دليل رحلة الأخطاء والعثرات التي قطعها الحائك وسوء الحظّ أيضاً».

الرموز تحمل الرواية

اعتمدت الأديبة الأسلوب الملحمي في القص الذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجواء وكأنها محاطة بهالة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغزل وولادة وكفاح مستمر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المتخم بميراث ثقيل وموجع، جعلت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فيها من النضال الصامت ما يجعلها أسطورية النكهة.

الكاتبة تنسج مع تانيس وكأنها تشاركها نولها وخيوط تفاصيل مرارة سجنها، وصبرها وصمتها، وتتحدث عوضاً عنها، لتقول المسكوت عنه بطريقتها الترميزية. فالأمراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنثوي لسلالة تانيس، من أسبابها أيضاً الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مع التصدع السيكولوجي الذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والوصلات، ومقابل التاريخ الذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودموعها وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران».

تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف شخصياتهن وأزمانهن، يمثلن وجوداً واحداً تصعب تجزئته. «الأسماء كلها واحدة» كما تقول المرأة الغريبة، وندى هي آخر خيط في رداء نسجته النساء في عمل متواصل.

عندما يموت زوج ندى يبدو وكأن السماء تنقشع، ويأتي الفرج. مأساوي أن يكون موت الزوج هو الحلّ السعيد الوحيد للمرأة. لكن الوفاة هنا هي الباب الذي يفتح لندى لتعثر على حريتها، وربما تثأر لجداتها. زوجها الذي لم يتمكن من الإنجاب كل ما فعله أنه كتب الشقّة الزوجيّة وأرضاً باسمها تعويضاً تكفيراً عن ذنبه، أو هكذا ظن. لكنه في المقابل تزوج مرتين محاولاً أن يثبت لنفسه بأنه كامل ولا تشوب رجولته النقصان. محاولة ندى حل مشكلة الإنجاب بتبني «آدم» لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيداً؛ إذ أصبحت العلاقة المتوترة بين زوجها وابنها باباً لعواصف جديدة.

«لم يتقبّل الزوج أن تنبت لآدم (والاسم له رمزيته حتماً) لحية، حتّى أنّه جاهر بسخريته من (شنب الفئران) الذي بدأ ينمو تحت أنفه، فكيف سيتقبّل أن يحلق آدم ذقنه؟ كيف سيعبّر عن حنقه حين يدخل حمّام آدم ويرى معجون الحلاقة والشفرة؟».

لم تتخل ندى عن الغزل، لكنها في الوقت نفسه حصلت على الماجستير، وعثرت على وظيفة في مكتبة إحدى الجامعات، في غفلة من زوجها.

انكشاف كل هذا أمام أعين الزوج لن يغضبه فقط، بل سيودي بحياته كلياً إثر الصدمة. فهو «لا يروق له أن تفرح، فكيف بأن تكون سعيدة. لا بل لا يروق له أن يفرح أحد وهو محروم من الإنجاب ومشكوك في رجولته رغم كل محاولاته إثبات العكس».

في الصفحات الأخيرة من الرواية، تظهر امرأة غريبة لندى تمسك برداء يطول ويتمدد، تنكشف عليه زخارف وأسماء، كل أولئك اللواتي شاركن في صنعه: «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا». تلبسه الحفيدة الأخيرة، بصفته صنيعة نساء السلالة كلها، بحيث إنه حين يلتف حول جسدها يصبح جزءاً منه، وتجسيداً حياً لتراثها وكل من سبقنها.

هي الآن الحارسة المؤتمنة على إرث عائلتها النسوي، ولا نعرف ما سيكون مصير الرداء من بعدها لأنها لم تنجب ذكراً ولا أنثى، وإنما تنحصر آمالها في ابنها بالتبني: «آدم»، ولربما سلالة ذكورية جديدة.


أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا
TT

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة عربية كاملة لديوان «Arte de Pájaros»، أحد أهم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً.

ويعود الديوان إلى عام 1966، حين نُشر في موطنه تشيلي مصحوباً برسومات لفنانين بارزين، قبل أن يُدرج في الأعمال الكاملة ويُترجم إلى لغات عدة. ويُنظر إليه نقدياً بوصفه محطة أسلوبية فارقة تتراجع فيها النبرة الخطابية لصالح كتابة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعاً زخرفياً أو استعارياً مباشراً، بل بوصفها كائنات لغوية وحسية، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن.

كتب نيرودا هذه القصائد بعد جولات ربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، وهو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الطيور بوصفها عناصر بنائية في الصورة الشعرية.

يتألف الديوان من 53 قصيدة موزعة على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً. وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.

ويفتتح نيرودا الديوان بمشهد جماعي تتبدى فيه هجرة الطيور بوصفها حركةً كونيةً صارمةً، تقودها غريزةٌ لا تعرف التردّد:

زاويةٌ من الطيور

باتجاه

خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،

تتقدّم دونما هوادةٍ

في نهجها المستقيم:

استقامةٌ ساغبةٌ

كسهمٍ مصوَّبٍ،

لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها

للتكاثر، مجبولةً

بحبٍ وهندسةٍ قاهرين...

ومن مشهدية الأسراب وحركتها في السماء، ينتقل الشاعر إلى سلسةٍ من القصائد يتأمل فيها طيوراً مفردةً في موائلها، مثل طائر أبو منجل ليربط بين الماء والذاكرة، وبين الجسد وصمت الغابة:

المياه النهرية، أعرفها

وبسابغٍ من ماء العشق وترابه

انضوت في جسدي

الأصوات السرية للغابة

...

وحتى في إغفاءتي

أحيا ذلك الصمت الجهوري،

وأستيقظ، أو توقظني

أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،

وقد تمكّثت في حلمي.

وفي مواجهة هذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنفٍ خفي:

لماذا تُريني كل يوم

قلبكِ الدامي؟

أي خطيئةٍ ترتدينها،

أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،

وأي رمية صيادٍ دهمتك؟

ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل «الطائر الهيروغليفي»:

متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،

يبسط جناحيه في ميادين العمل.

طائر المتاهة، طائر البر والبحر،

والألغاز...

وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاته، معلناً وداعاً لا يخلو من الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياةٍ كاملة:

شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.

آتي وأذهب طائفاً العالم،

بلا عتاد،

أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.

أستسلم

للشمس وحقيقتها،

وللمطر، ولغة قيثارته...

وقد اعتمدت الترجمة العربية على ترجمة وسيطة بالإنجليزية مع الرجوع المنهجي إلى النص الإسباني الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الدكتورة خديجة قضّوم أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يسّرت تدقيق الترجمة لضمان مطابقة المعنى والاقتراب من الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المحلية والحمولات الدلالية المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية.

ويتيح هذا الإصدار لقرّاء الشعر الاطلاع على جانب تأمّلي أقل تداولاً من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الشعرية مع الطبيعة وعناصرها المختلفة، ويقدّم نصاً يوسّع أفق المطالعة الشعرية من خلال تجربة لغوية وبيئية مختلفة.