الحريري: تأخير تشكيل الحكومة لم يوقف تطبيق الإصلاحات

تأكيد حكومي أمام منتدى الاستثمار اللبناني ـ البريطاني على تنفيذ قرارات «سيدر»

الرئيس سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومدير «الميدل إيست» محمد الحوت مع المشاركين في منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني (دالاتي ونهرا)
الرئيس سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومدير «الميدل إيست» محمد الحوت مع المشاركين في منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني (دالاتي ونهرا)
TT

الحريري: تأخير تشكيل الحكومة لم يوقف تطبيق الإصلاحات

الرئيس سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومدير «الميدل إيست» محمد الحوت مع المشاركين في منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني (دالاتي ونهرا)
الرئيس سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومدير «الميدل إيست» محمد الحوت مع المشاركين في منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني (دالاتي ونهرا)

قدَّمت الحكومة اللبنانية، أمس، في لندن، رسالة تفاؤل والتزام وإصلاح لقطاع الأعمال البريطاني، وأكد رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري التزام الحكومة الراسخ بتطبيق الإصلاحات القانونية والمالية والاقتصادية اللازمة لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الشفافية.
وشهد منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني الذي انعقد في لندن، وجاء لتأكيد قرارات مؤتمر «سيدر»، والإصلاحات التي بدأ لبنان اتخاذها، توقيع اتفاق بين شركتي «رولزرويس» و«طيران الشرق الأوسط».
ولم تمنع «العاصفة السياسية» التي شهدتها لندن، صباح أمس، وزير شؤون الشرق الأوسط أليستر بيرت من المشاركة في منتدى الاستثمار اللبناني - البريطاني، إلى جانب الحريري، ووزير الخارجية جبران باسيل ومسؤولين بارزين، بينهم وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري، ووزير الثقافة غطاس خوري، ووزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل، ورئيس لجنة المال النيابية إبراهيم كنعان، والسفير اللبناني لدى بريطانيا رامي مرتضى، وسفير بريطانيا لدى لبنان كريس رامبلينغ، والموفد الفرنسي المكلف متابعة آلية منتدى «سيدر» السفير بيار دوكان.
وفرضت أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية نفسها على أجندة المنتدى، باعتبارها عاملاً قد يؤثر على جاذبية لبنان للمستثمرين الأجانب، وشركات القطاع الخاص البريطاني. وتطرَّق الحريري إلى هذه المخاوف في كلمته أمام المشاركين في أعمال المنتدى، وقال إن «التأخير في تشكيل الحكومة لم يوقف تقدمنا في تطبيق مشاريع وإصلاحات (سيدر)».
وأشار الحريري إلى الضغوط «الهائلة» التي يتعرض لها الاقتصاد اللبناني، والتي «تعود جزئياً إلى استمرار الاضطرابات الإقليمية». وأضاف أن «التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها تتفاقم بسبب استمرار وجود مليون ونصف مليون نازح سوري للسنة الثامنة على التوالي».
واعتبر أن حكومته قدمت في مؤتمر «سيدر» رؤية شاملة تهدف إلى تحفيز النمو من خلال تجديد البنية التحتية الأساسية، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتحديث التشريعات، وتعزيز الحوكمة، وتحسين الشفافية، وإطلاق العنان لإمكانات قطاعاتنا الإنتاجية.
وقال الحريري إنه منذ انعقاد المؤتمر في باريس في أبريل (نيسان) الماضي «أعدنا النظر ببعض القطاعات والمشاريع لتسريع تخطيط وتنفيذ المشاريع، كما أننا نحافظ على حوار منتظم مع بنوك التنمية متعددة الأطراف لمواءمة التمويل مع مشاريع برنامج الإنفاق الاستثماري». كما لفت إلى التشريعات التي صادق عليها البرلمان اللبناني أخيراً المرتبطة مباشرة بالإصلاحات المطلوبة، على غرار الوساطة القضائية والمعاملات الإلكترونية والشفافية في قطاع النفط والغاز وحماية المبلغين عن المخالفات وقانون إطاري لقطاع النفايات الصلبة.
وعلى مستوى الاستقرار السياسي، قال الحريري إنه «بعد انعقاد مؤتمر (سيدر)، نجح لبنان في عقد انتخابات برلمانية، وشرع في عملية تشكيل حكومة وحدة وطنية، مع احترام التوازن السياسي الدقيق في لبنان».
واعتبر أن هذه ليست مهمة سهلة، وأن «الحفاظ على هذا التوازن الدقيق والتوصل إلى توافق سياسي هو أمر بالغ الأهمية والطريقة الوحيدة لضمان سير جدول أعمال مؤتمر (سيدر) على الطريق الصحيح».
وتطرق الحريري إلى مختلف مشاريع البنى التحتية التي تشكل فرصة استثمارية مهمة للشركات البريطانية، داعياً الأخيرة إلى إلقاء نظرة على «الخطة التي تم تقديمها في مؤتمر (سيدر) لإعادة تأهيل وتحديث بنيتنا التحتية. إنها توفر فرصاً كبيرة للشركات البريطانية في قطاعات النقل والمياه ومياه الصرف والطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة»، مشدداً على أن الحكومة تسعى إلى إنفاق نحو ملياري دولار سنوياً على مشاريع البنى التحتية.
وأعطى الحريري أمثلة عن مجالات التعاون بين القطاع الخاص اللبناني والبريطاني، وقال إن «القطاع اللبناني راسخ في بلدان المنطقة، خصوصاً تلك التي يُتوقَّع أن تشهد جهود إعادة إعمار كبيرة مثل العراق وسوريا عندما يحين الوقت. كما تشكل منطقة طرابلس الاقتصادية الخاصة في شمال لبنان المنصة المثالية للمصنعين البريطانيين للإنتاج والتصدير إلى المنطقة. وستقوم هذه المنطقة بجعل لبنان منصة طبيعية لإعادة إعمار سوريا».
إلى ذلك، كشف الحريري أن حكومته استكملت المعمل مع «ماكينزي» على استراتيجية شاملة للقطاعات الإنتاجية تحدد فرص الاستثمار الرئيسية في خمسة قطاعات رئيسية هي الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات المالية واقتصاد المعرفة. ولفت إلى أنه سيتم الكشف عن الاستراتيجية بعد تشكيل الحكومة الجديدة.
وأنهى الحريري كلمته بنبرة تفاؤل، مؤكداً أنه «ليس لديَّ شك أن مستقبل لبنان مشرق. والواقع أن بلدي يمر بتأهيل كبير للبنى التحتية والاقتصاد، وأنا أدعوكم لتكونوا جزءاً من هذه العملية؛ أن تكونوا جزءاً من التغيير الذي ينتظر لبنان».
كذلك رحب وزير الدولة البريطاني أليستر بيرت بتحسن الوضع الأمني في لبنان، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة تشكيل حكومة «في أسرع وقت ممكن». وقال بيرت إن «الأمن في لبنان شهد تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الماضية»، مشيراً إلى قرار لندن الأخير رفع الحظر عن زيارة البريطانيين لأماكن عدة في لبنان. كما شدد بيرت على تنوع فرص الاستثمار المتوفرة في لبنان، ما يشجع على مشاركة القطاع الخاص البريطاني في تنفيذ مشاريع «سيدر» التي توجب على لبنان الشروع في القيام بإصلاحات ضرورية مطلوبة.
كما أشاد بيرت بالقوات المسلحة اللبنانية «التي توفر الأمن والاستقرار داخل أراضيه، والتي تمكَّنت في وقت سابق من دحر تنظيم (داعش)»، مجدداً «التزام بلاده دعم هذه القوى».
من جهته، اعتبر وزير الخارجية اللبناني أن «الشراكة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ستؤدي حتماً إلى تشكيل حكومة جديدة رغم العقبات، ما يؤشر إلى مرحلة مقبلة من الازدهار». وأضاف أن «لبنان كان دائماً مصدراً للأخبار السيئة، واليوم ننقل، رئيس الحكومة وأنا، رسالة إيجابية من الأمل والثقة ببلدنا».
ووصف باسيل الشراكة اللبنانية - البريطانية بأنها «تنطلق من أرضية صلبة من القيم المشتركة المبنية على التعددية والانفتاح والديمقراطية ما يؤدي إلى خلق مناخ مساعد للاستثمار والعمل»، معتبراً أن «اللبنانيين المقيمين أو الجالية المنتشرة في جميع أنحاء العالم هم قصص نجاح للصمود وقدرتهم على تحمل الحروب والصعوبات، رغم معاناة لبنان من أعلى نسبة لجوء ونزوح في التاريخ تفوق 200 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.