«القوة والمتع والأرباح»... تعطش لا يرتوي ولا ينتهي إلا بالموت

الثلاثي مكيافيلي ـ هوبس ـ سميث أعادوا البشرية إلى واقع الدوافع الأنانية للسلوك البشري

مكيافيلي
مكيافيلي
TT

«القوة والمتع والأرباح»... تعطش لا يرتوي ولا ينتهي إلا بالموت

مكيافيلي
مكيافيلي

يعتبر الكثيرون تراث المفكر الإيطالي نيكولو دي برناندو مكيافيلي (1469 - 1527) - ولا سيما كتابه الأشهر «الأمير» بمثابة نقطة تحول في الفكر السياسي للبشرية، انتقل فيه من مجاراة الادعاء الموهوم بسعي الممسكين بزمام السلطة في الدويلات الإيطالية المتنافسة إلى تحقيق العدالة وخدمة القداسة نحو الكشف عن فضاء عملي صريح يسود في دهاليز القصور ديدنه التعطش إلى القوة لذاتها بما تمنحه من السلطة والنفوذ والهيلمان. لكن البروفسور ديفيد ووتون - أستاذ التاريخ في جامعة يورك البريطانية - في كتابه الجديد الصادر (بالإنجليزية) عن دار جامعة هارفارد «القوة والمتع والأرباح: عن تعطشات لا ترتوي من مكيافيلي إلى ماديسون» يأخذ مساهمة الرجل إلى ما بعد السياسة فيجعل من فكره حول فلسفة القوة نقطة انطلاق ثورة معرفية اكتملت بأعمال المفكر البريطاني توماس هوبس المالميسبوري (1588 - 1679) الذي نظر لأفكار المتعة ومعنى السعادة البشرية وصاحب كتاب «ليفياثان»، ولاحقاً بأعمال المفكر الاقتصادي الاسكوتلندي آدم سميث (1723 – 1790) مؤلف البحث الشهير في «ثروة الأمم» ومنظر فلسفة الربح الرأسمالي الأول ليشكل الثلاثة بمجموعهم مثلث القوة والمتع والأرباح الذي يذهب ووتون إلى أنه خلاصة فكر ما نعرفه اليوم بعصر التنوير (الإنلايتمينت) وروح عالم ما بعد العصور الوسطى.
عند ووتون، فإن البشرية قبل ثلاثية الفكر المفصلي هذه كانت أخذت بلبابها الأديان فجعلت غايتها العليا الفضيلة، ودافع سلوكها المعلن سعياً إلى الخلاص وتمنٍ للفوز بنعيم أبدي إلى أن أعادها الثلاثي مكيافيلي - هوبس - سميث إلى صحراء واقع الدوافع الأنانية العميقة للسلوك البشري التي لا فضيلة فيها ولا خلاص، بل تعطش لأدوات القوة ومتع الحياة وتعظيم الربح، تعطش وصفه هوبس ذاته بأنه «لا يرتوي ولا ينتهي إلا بالموت».
ووتون الذي سبق وكتب في التأريخ للثورة العلمية (اختراع العلم - 2015، جاليليو: رقيب السماء - 2010، باولو ساربي: بين النهضة والتنوير - 1983) معتبراً أنها غيرت بشكل كلي إحساس البشر بواقع عيشهم على هذا الكوكب الصغير ومثلت تحولاً في نظرتهم إلى العالم - أو ما يعرف بالإنجليزية بـ«البرادايم» - يرى أن مثلث مكيافيلي - هوبس - سميث كان كما الهيكل الذي استند إليه تحول جذري - موازٍ إن لم يكن أعمق أثراً - في النظرة إلى العالم تم خلال القرنين السادس والثامن عشر - صار يعرف لاحقاً بين المؤرخين بعهد التنوير - وتتمحور فيه غايات الاجتماع البشري حول بحث لا يكل لتحقيق إشباع يكاد يكون مستحيلاً في أجواء مجتمع تجاري رأسمالي يقوم على اقتصاد السوق والملكية الخاصة ومحدودية سلطات الدولة وتمحورها حول توفير المناخ المناسب لازدهار التبادلات التجارية، ويجعل من منظومة القيم المرتبطة بهذه النظرة الجديدة جذراً لما تجلى لاحقاً بما يعرف بالقيم الأميركية وقيم الغرب عموماً.
ومع أن ووتون لا يدعي في أي وقت بأن أفكار الثلاثي العتيد مكيافيلي - هوبس - سميث تمثل منظومة فكرية متجانسة وموحدة إلا أنه يجعل من مجموع الهالات التي خلقتها أفكارهم الليبرالية حصراً خلاصة لعصر التنوير وتأسيساً للعصور الحديثة، ذلك دون غيرها من الأفكار التقدمية الأخرى - التي لا تنتمي بالضرورة إلى مناهج ليبرالية الطابع، حتى يكاد يلغي بالكلية مساهمات كبرى لاحقة لا يمكن بحال إنكار دورها في استكمال تشكيل وعي البشرية خلال عصور حداثتها من وزن جورج هيغل (1770 – 1831) أو كارل ماركس (1818 – 1883) مثلاً اللذين لا يُنْكَر تأثيرهما في الدفع باتجاه نظرة جديدة نهضوية إلى العالم لا سيما خارج المركز الغربي أي في روسيا والصين وأفريقيا. ويتأكد ذلك بشكل صريح ناحية نهاية الكتاب عندما يصنف ووتون الماركسية والأصوليات الدينية وترهات ما بعد الحداثة في سلة واحدة بوصفها تعديات على (البرادايم) النهضوي في تصورنا عن العالم وردةٌ انتكاسية إلى ما قبله، وهو انحياز حاد لن يرضى به كثير من القراء، ويضعف نظريته ولا يقويها.
يمضي «القوة والمتع والأرباح» إلى منح سمة سرمدية لقيم عصر التنوير التي وِفق مؤلفه لا يمكن أن تهزم، فكأن البشرية خرجت من (برادايم) القداسة العتيق إلى (برادايم) جديد - لكنه نهائي هذي المرة - من سيادة العلم التجريبي كما لو كان قفصاً ذهبياً تدخله ثم لا تملك قدرة الخروج منه، وتلك بالطبع نظرة ليبرالية الطابع سطحية على نحو ما، وتنحو إلى تفاؤل ليس في مكانه بالوصول إلى صيغة لنهاية (فضلى) للتاريخ، في الوقت الذي تشير تجارب دفع ثمنها ملايين البشر آلاماً وأحزاناً ودماءً على يد أنظمة بنت آيديولوجياتها على (برادايم) التنوير ذاته وما نتج عنه من أدوات: نازيو ألمانيا إلى سوفيات ستالين وانتهاء بحروب الهيمنة الأميركية الكثيرة والمستمرة، وهي تجارب تجبرنا في كل وقت على مساءلة مزاعم القيم الغربية وما يبنى عليها من السياسات (والمؤسسات)، كما إعادة للنظر جذرية في معنى التقدم والتحديث.
ووتون يطرح من خلال الإضاءة على مثلث المفكرين الكبار مكيافيلي - هوبس - سميث فكرة جديرة بالاهتمام لتفكيك مصادر التحول النهضوي الذي مهد لانحسار العصور الوسطى وفتح للبشرية آفاق التحديث بعد طول انغلاق. لكنه يقدم مرافعته منقطعة عما يمكن أن يكون تجارب بشرية في عهود سحيقة قد تكون منحت الإنسان نظرة مغايرة عن العالم قبل نشوء الدول وظهور الأديان، أو فظائع السقوط المدوي للحداثة في القرن العشرين وهو ما يمكن على أساسه قبول مجادلة الكتاب بوصفها مقتصرة على الفترة الممتدة من «الأمير» إلى «ثروة الأمم» مروراً بالطبع بـ«ليفياثان» دون غيرها.
مع توسيعها ربما قليلاً لتغطي مرحلة إطلاق مشروع الولايات المتحدة من خلال إدراج مساهمات رابع الرؤساء الأميركيين جيمس ماديسون (1836 - 1751)
ولعل قيمة الكتاب الأهم ليست في نصه بقدر ما هي في سكوته المريب عن إنجازات القيم الغربية التي جعلها ووتون قيماً «تنويرية» المصدر: من حروب الأفيون في الصين مروراً بالحكم البريطاني للهند، وفظائع بلجيكا في الكونغو وانتهاء بحروب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق. فتكرار هذي المصائب الحداثية الطابع يجعل مطلب الخروج من قفص الليبرالية الرأسمالية الذهبي أمراً لا بد منه إذا كان للمجموعة البشرية أن تحقق خلاصها الجمعي في وقت ما، وهي مسألة غير ممكنة إلا من خلال تكون (برادايم) جديد يَجُب ما قبله من مواضع النظر إلى علاقة البشر بعالمهم، الأمر الذي قد يكون في طور التشكل لكن حتماً لن يراه من حكمت عليهم أقدارهم بالعيش في قفص (برادايم) النهضة - الغربي - الغالب إلى اليوم، ففقدوا حكماً القدرة على تخيل عوالم بديلة يمكن أن يكون فيها للبشر تعطشات مغايرة للقوة المتصاعدة والمتع الحسية والأرباح المتراكمة.
لا بد من الإشارة مع ذلك إلى أن مجادلات البروفسور ووتون مدعمة بكم هائل من المصادر والمراجع تماماً كما يليق بأي نص يخطه أكاديمي عريق - وهي بالفعل استهلكت ثلث مجموع الصفحات - إلا أن «القوة والمتع والأرباح: عن تعطشات لا ترتوي من مكيافيلي إلى ماديسون» بقي مع ذلك كتاباً قريباً يمكن عبوره من قبل القارئ غير المتخصص والتماهي مع طروحاته دون الحاجة إلى قراءات مرجعية كثيرة.



سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟


مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».