الحكومة التونسية ترفع درجة التأهب لحماية حدودها مع ليبيا

الداخلية تعلن عن اعتقال قيادي جديد في تنظيم أنصار الشريعة

جندي تونسي يفحص أوراق وافد من ليبيا خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها قوات الأمن على الحدود التونسية ـ الليبية (رويترز)
جندي تونسي يفحص أوراق وافد من ليبيا خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها قوات الأمن على الحدود التونسية ـ الليبية (رويترز)
TT

الحكومة التونسية ترفع درجة التأهب لحماية حدودها مع ليبيا

جندي تونسي يفحص أوراق وافد من ليبيا خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها قوات الأمن على الحدود التونسية ـ الليبية (رويترز)
جندي تونسي يفحص أوراق وافد من ليبيا خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها قوات الأمن على الحدود التونسية ـ الليبية (رويترز)

قرر مهدي جمعة، رئيس الحكومة التونسية، أمس، «رفع مستوى اليقظة للقوات الأمنيّة والعسكريّة على الحدود والمعابر والمراكز الحدوديّة، ورفع درجات التأهّب القصوى على الحدود بين تونس وليبيا». كما تقرر «اعتماد خطة تصاعديّة لحماية الحدود تعتمد على إجراءات تواكب مستجدّات الوضع في ليبيا، ولا تستبعد إغلاقها إذا تطلب الأمر ذلك، ومساعدة الرعايا الأجانب العالقين بالمعابر للالتحاق ببلدانهم، لتكون تونس أرض عبور لا أرض لجوء نظرا إلى الظرف الدّقيق الذي تمرّ به البلاد».
كما استقبل محمد المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية، أمس، المنجي الحامدي، وزير الخارجية التونسي، وتباحث معه الوضع في ليبيا وتداعياته على تونس.
وكان الحامدي قد أعلن أول من أمس أن تونس «قد تضطر إلى إغلاق حدودها مع ليبيا»، وهو ما أثار انتقادات كثيرة من أطراف سياسية وحقوقية تونسية. وفي هذا الإطار قال منصف وناس، الباحث التونسي المختص في الشؤون الليبية، إنه «يتعين المحافظة على العلاقات التاريخية بين البلدين وعلى تقاليد احتضان تونس للأشقاء الليبيين، التي تعود إلى زمن الاحتلال الإيطالي لليبيا».
وتشهد تونس تدفقا استثنائيا لليبيين والأجانب على أراضيها، بعد تصاعد وتيرة المواجهات المسلحة في ليبيا، علما بأن نحو 1.5 مليون ليبي يعيشون في تونس بشكل شبه مستمر منذ 2011؛ تاريخ سقوط نظام معمر القذافي.
وعلى الصعيد الأمني تدارست خلية الأزمة المكلفة متابعة الوضع الأمني، خلال الاجتماع الذي عقدته أمس الخميس بإشراف مهدي جمعة، «الوضع الأمني العام بالبلاد، وتنفيذ الإجراءات والقرارات الصادرة عنها، وسجلت توقيف 221 شخصا تورّطوا في قضايا إرهابيّة».
كما أعلنت وزارة الداخلية أن وحداتها تمكنت من اعتقال عفيف العموري، ووصف بيانها هذا الأخير بـ«الإرهابي الخطير»، و«قيادي في تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي المحظور». وقالت إنه متورط في عدة قضايا «ذات طبيعة إرهابية وفي قضايا اغتيالات».
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية في بيان أصدرته مساء أول من أمس أنها تمكنت من الكشف في محافظة المهدية الساحلية (200 كلم جنوب شرقي العاصمة التونسية) «عن خلية إرهابية مختصة في استقطاب وتسفير عناصر جهادية إلى معسكرات تدريب في ليبيا، والدعوة للإرهاب». وقالت الوزارة إنه «جرى اعتقال خمسة عناصر من هذه الخلية بعد استشارة النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس». كما كشفت في بيان آخر أنها اعتقلت الثلاثاء الماضي في محافظة الكاف (200 كلم شمال غربي العاصمة التونسية) عنصرا يشتبه بدعمه للمجموعة الإرهابية المرابطة بجبال الكاف. وقالت إنه «اعترف بعد تعميق التحريات معه بأنه مكلف بتزويد المجموعة الإرهابية بالمؤونة التي يجري شراؤها من محصول صندوق تبرّعات أحد مساجد الجهة، فضلا عن تزويدهم بشرائح هاتفيّة لاستعمالها في اتصالاتهم»، وبينت الداخلية أن «الأبحاث لا تزال جارية مع المتهم للكشف على العناصر المتورّطة معه ضمن هذه الشبكة، وإلقاء القبض عليها وتقديمها إلى القضاء».
وبخصوص تداعيات استقالة محمد صالح الحامدي، رئيس أركان جيش البر، أعلنت رئاسة الجمهورية، أمس، قبول محمد المنصف المرزوقي استقالته في أعقاب لقاء جمع المرزوقي بالحامدي في قصر الرئاسة بقرطاج في العاصمة التونسية.
ووفق بيان لدائرة الإعلام والتواصل لرئاسة الجمهورية التونسية فإن رئيس الجمهورية «عبر لأمير اللواء الحامدي عن أسفه الشديد لتمسّكه بهذه الاستقالة، وشكر له كل المجهودات التي بذلها منذ تعيينه، وعبّر له عن ثقته فيه، وفي كل قيادات الجيش الذي كلّف في أصعب الظروف بمواجهة عصابات إرهابية، ترمي لبثّ الخوف والفوضى، وإعطاء الذرائع لتأجيل الانتخابات، ومن ثمّ لإفشال المرحلة الانتقالية، وضرب مشروعنا لبناء دولة ديمقراطية ومجتمع تعدّدي».
كما جاء في البيان أن رئيس الجمهورية طلب من رئيس الحكومة ووزير الدفاع «مدّه بقائمة كبار الضباط القادرين على تولّي مسؤولية قيادة جيش البرّ»، وأضاف البيان أنه «سيجري اختيار خلف للحامدي وفق المقاييس التي اعتمدت لاختياره، والمحددة في الخبرة والأقدمية والحياد السياسي ونظافة اليد».
كما أهاب المرزوقي «بكل أفراد القوات المسلحة التمسّك أكثر من أي وقت مضى بكل القيم والتقاليد التي ميّزت الجيش التونسي، من انضباط ومهنية وتمسّك بالشرعية»، مؤكدا عزمه وعزم الحكومة على «دعم الجيش معنويا وماديا بتمكينه في أسرع وقت ممكن من العتاد الذي يحتاجه لمواجهة العصابات الإرهابية». كما دعا المرزوقي في هذا البيان التونسيين إلى «الالتفاف حول جيشهم الذي يدفع دمه حفاظا على أمنهم خاصة»، وقال إن «الحرب ضدّ الجماعات الإرهابية في بدايتها، ويجب الصبر على تكاليفها الموجعة»، ودعا الجميع إلى «احترام خصوصية المؤسسة العسكرية والأمنية وتجنب إقحامهما في صراعات سياسية عقيمة وخطيرة»، حسب نص البيان.
وردا على أسئلة الصحافيين قال عدنان منصر، الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن الرئاسة «تعلم أسباب استقالة الجنرال محمد صالح الحامدي من منصبه، ولكنها تتحفظ على ذكر الأسباب أو التعليق على أداء المؤسسة العسكرية»، وشدد منصر على «ضرورة الإبقاء على المؤسسة العسكرية بعيدا عن التجاذبات»، منددا بأي «تشكيك في المؤسسة العسكرية وفي قيادتها»، عادًّا ذلك «جريمة». ونقل منصر أن الجنرال الحامدي عبر لرئيس الجمهورية خلال اللقاء الذي جمعهما أمس عن «استعداده للقتال جنديا في جبل الشعانبي». وتجدر الإشارة إلى أن استقالة رئيس أركان جيش البر شدت انتباه المراقبين والرأي العام في تونس، وأثارت الكثير من التعاليق حول توقيتها وأسبابها وتداعياتها في هذه المرحلة التي تواجه فيها تونس خطر العمليات الإرهابية، خاصة على الشريط الحدودي مع الجزائر في جبال ومرتفعات محافظات القصرين والكاف جندوبة، حيث تكبدت قوات الجيش والأمن خسائر بشرية جسيمة بعد تعرضها لهجمات إرهابية.
ولم يخف الكثير من المراقبين مخاوفهم من مخاطر إقحام الجيش التونسي في أي تجاذبات سياسية، خاصة في مثل هذه الظروف التي تواجه فيها تونس مخاطر المجموعات المسلحة، وتستعد لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية نهاية العام، ستكون المؤسسة العسكرية إلى جانب قوات الأمن مدعوة لتأمينها مثلما جرى في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
على صعيد غير متصل، وقع ظهر أمس حادث اصطدام بين قطارين يربطان بين وسط العاصمة وضاحيتها الشمالية على مستوى مدينة حلق الوادي (عشرة كيلومترات شمال العاصمة). وأسفر الحادث، وفق حصيلة أولية، عن إصابة 55 راكبا بجروح.
وأوضح محمد علي العروي، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية التونسية أنه «جرى نقل 49 جريحا إلى مستشفى المنجي سليم بضاحية المرسى شمال العاصمة التونسية، في حين نقل ستة آخرون إلى مستشفى معهد القصاب بمدينة منوبة» (غرب العاصمة). وكانت الكثير من سيارات الإسعاف قد أسرعت بالتوجه إلى مكان الحادث، كما تحولت وحدات أمنية وفرق من الحماية المدنية إلى المكان لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين، قبل نقلهم إلى المستشفيات. ورغم أن أسباب الحادث ما زالت مجهولة، فإنه يبدو وفق ما توفر من معطيات أولية أن أحد القطارين صدم القطار الثاني من الخلف.
وتجدر الإشارة إلى أن شركة نقل تونس (شركة عمومية) التي تؤمن النقل بين العاصمة والضاحية الشمالية تقوم منذ مدة بأشغال على مستوى خط السكك الحديدية المؤدي إلى الضاحية الشمالية للعاصمة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.