تنازلات ماكرون لم ترضِ الجميع... وانقسام بين اليمين واليسار حولها

بداية تشقّق في صفوف «السترات الصفراء» والحكومة تراهن على الرأي العام

ماكرون يتوسط رئيس الوزراء إدوار فيليب ووزير المالية برونو لومير في الإليزيه أمس (رويترز)
ماكرون يتوسط رئيس الوزراء إدوار فيليب ووزير المالية برونو لومير في الإليزيه أمس (رويترز)
TT

تنازلات ماكرون لم ترضِ الجميع... وانقسام بين اليمين واليسار حولها

ماكرون يتوسط رئيس الوزراء إدوار فيليب ووزير المالية برونو لومير في الإليزيه أمس (رويترز)
ماكرون يتوسط رئيس الوزراء إدوار فيليب ووزير المالية برونو لومير في الإليزيه أمس (رويترز)

تتابع الحكومة عن كثب تحولات الرأي العام الفرنسي إزاء حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية بعد كلمة الرئيس الفرنسي مساء أول من أمس، التي أعلن فيها عن «حزمة» إجراءات، بغرض إطفاء الحريق المشتعل في البلاد منذ منتصف الشهر الماضي.
وتأمل الحكومة أن تكون «التنازلات» التي قدمها إيمانويل ماكرون كافية في هذه المرحلة لوضع حد للحركة الاحتجاجية، وتلافي عودة المحتجين ومعهم «المشاغبون» إلى شوارع باريس والمدن الرئيسية في «سبت أسود» جديد سيكون الخامس من نوعه. وكان ماكرون الذي على غير عادته بدا متواضعاً ومعترفاً بأخطائه، قرر الاستجابة ولو متأخراً لعدد من مطالب المحتجين.
ولذا، فقد قرر إعطاء 100 يورو لأصحاب رواتب الحد الأدنى وإعفاء المعاشات التقاعدية التي لا تتجاوز 2000 يورو من الضرائب الإضافية، وكذلك الأمر بالنسبة لساعات العمل الإضافية التي كانت تدفع عنها الضرائب سابقاً. وأخيراً، حثّ ماكرون أرباب العمل، على قاعدة اختيارية، أن يقدموا «علاوة» للموظفين بمناسبة نهاية العام.
وضع ماكرون توجهاته الضرائبية الجديدة في إطار إعلان «حالة الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية». بيد أن تدابيره لم تأتِ على ذكر إعادة العمل بضريبة الثروة التي كان يطالب بها المحتجون، والتي كانت توفر لخزينة الدولة 4.2 مليار يورو في العام.
وفي السياق عينه، امتنع الرئيس الفرنسي عن إيجاد شريحة ضرائبية جديدة للرواتب المرتفعة أو فرض على الشركات أن يكون لها دور في تمويل التدابير الاجتماعية. والنتيجة أن كلفتها ستتراوح بين 8 و10 مليارات يورو وفق الناطق باسم الحكومة، الوزير بنجامين غريفو. ويضاف إلى هذا المبلغ 4 مليارات يورو ستخسرها الدولة بسبب تخليها عن زيادة الرسوم المقررة سابقاً على المحروقات. وفي المحصلة، فإنه يتعين على الحكومة التي ستقدم ميزانيتها إلى المجلس النيابي قبل نهاية العام أن تعثر على 10 إلى 12 مليار يورو.
ولم تُحدث سلسلة التراجعات التي دُفعت الرئاسة والحكومة إليها، «الصدمة» المطلوبة، لا على مستوى الطبقة السياسية، ولا لدى «السترات الصفراء».
وتُبرز الصورة السياسية لفرنسا اليوم انقساماً أفقياً على الشكل التالي؛ الأكثرية النيابية «حزب الجمهورية إلى الأمام»، والوسط «الحزب الديمقراطي»، واليمين الكلاسيكي «حزب الجمهوريين»، وأرباب العمل، يصفقون للتدابير الرئاسية مع بعض التحفظ لليمين بشأن سبل توفير التمويل، وامتناع ماكرون عن تبين سياسة خفض الإنفاق الحكومي.
أما أقصى اليمين ممثلاً بـ«التجمع الوطني» الذي ترأسه مارين لوبن وحزب «انهضي فرنسا» برئاسة النائب نيكولا دوبان – دينيان، فإنهما من أشد منتقدي التدابير الحكومية.
وفي المقابل، يعارض اليسار بجميع تلاوينه «الحزبان الاشتراكي والشيوعي وحركة فرنسا المتمردة المصنفة في أقصى اليسار» التدابير الأخيرة، باعتبارها «منقوصة» و«غير كافية» وتكتفي بإعطاء «الفتات» للفئات الأكثر هشاشة، بينما لا تطلب من أصحاب الثروات أن يساهموا في المجهود الجديد.
وباختصار، فإن المعترضين يرون أن ما تقرر لا يوفر «العدالة الضرائبية» ولا «العدالة الاجتماعية»، ولا يؤشر لتغيير حقيقي في سياسات الحكومة الاقتصادية - الاجتماعية. أما بالنسبة لحركة «السترات الصفراء»، فإن كلمة ماكرون التي تابعها على قنوات التلفزة 23 مليون مشاهد، فإن ردود الفعل عليها تراوحت بين القبول الفاتر وبين الخيبة المرة.
ومنذ أول من أمس، انطلقت الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي للنزول مجدداً إلى الشوارع السبت المقبل. وعمدت القنوات الإخبارية في الساعات المنقضية إلى التعرف على تقييم الأشخاص الذين يرابطون على الطرقات السريعة ومستديرات الطرق الفرعية منذ الـسابع عشر من الشهر الماضي. وجاءت الردود متمايزة بين من يرى أنه «لا يجب رفض ما قبلت الحكومة التنازل عنه» وهو يمثل معسكر «المعتدلين»، وبين الرافضين للتجاوب مع دعوات وضع حد للحركة الاحتجاجية. ودعت إحدى الناطقات باسم الحركة إلى «هدنة» مع الدولة التي «فتحت باب الحوار» مع المحتجين. وبيّن استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» أمس أن الفرنسيين، كما «السترات الصفراء» منقسمون بشأن مستقبل الحركة الاحتجاجية التي تريد أكثرية 54 في المائة منهم استمرارها، فيما الآخرون يدعون لتوقفها. وتراجعت نسبة المؤيدين 12 نقطة قياساً لاستطلاع سابق.
ودعا جان لوك ميلونشون، زعيم «فرنسا المتمردة» إلى استمرار الاحتجاجات والانتقال إلى «الفصل الخامس» منها، رغم العنف الذي تعرفه والخسائر الاقتصادية والتجارية الكبيرة التي تضرب الاقتصاد الفرنسي.
وأمس، قدّم نواب اليسار مجتمعين عريضة لحجب الثقة عن الحكومة يفترض أن يُصوت عليها غداً (الخميس).
لكن الحكومة تتمتع بأكثرية ساحقة في المجلس النيابي، وبالتالي فإن العريضة سوف تسقط. ورغم انتقادات اليمين المتطرف، فمن غير المتوقع أن يصوت نوابه إلى جانب اليسار. أما اليمين الكلاسيكي فمن المرجح أن يمتنع عن التصويت رغم الانتقادات العنيفة التي وجّهها إلى الحكم كريستيان جاكوب، رئيس كتلته النيابية.
حقيقة الأمر أن ماكرون يجد نفسه محشوراً بين مطرقة المتظاهرين وبين سندان العجز في الميزانية. ومشكلة الحكومة أن عليها ألا تتخطى سقف 3 في المائة المعمول بها على المستوى الأوروبي. والحال أن رئيس المجلس النيابي ريشار فران المقرب من ماكرون، أعلن أمس أن العجز الفرنسي سيقفز فوق هذه النسبة. الأمر الذي يثير قلق المفوضية الأوروبية. وقال المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية الفرنسي بيار موسكوفيسي إنه يراقب «بانتباه» انعكاسات التدابير الرئاسية على عجز الميزانية. وطلب ماكرون من رئيس الحكومة إدوار فيليب أن يقدم للنواب التفاصيل الخاصة بالإجراءات المقررة. لكن يبدو أن الحكومة لم تعد مهتمة، أقله في الوقت الحاضر، باحترام القواعد الأوروبية، وهو ما ظهر من خلال كلام وزير الدولة لشؤون التعليم والشباب غابرييل أتال الذي قال أمس إنه «مع إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية، فإن أنظارنا مع صدمة رفع القدرة الشرائية، لن تكون مركزة على جداول إكسيل»، وإن تخطي سقف 3 في المائة «لن يصيبه بصدمة».
وفي أي حال، ستبقى الأنظار شاخصة نحو «السترات الصفراء» لمعرفة مصير حركتهم وسط توقعات بانقسامات ستحصل داخلها، ما سيضعف مطالبها ويخفف من غلواء احتجاجاته. لكن الحكومة لن ترتاح لأن جبهة التلامذة والطلاب الذين يحتجون على إجراءات حكومية حول تعديلات في شهادة البكالوريا والدخول إلى الجامعات ما زالت حامية وتحتاج لمعالجات سريعة قبل تفاقمها، على غرار ما حصل مع «السترات الصفراء».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...