«ميكانيكيا سيارات» يستعدان لإعلان بنغازي إمارة إسلامية

قادا ألف مقاتل تابعين لـ«أنصار الشريعة» في الهجوم على معسكر الصاعقة

وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

«ميكانيكيا سيارات» يستعدان لإعلان بنغازي إمارة إسلامية

وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)

قد لا يخطر على بالك أن تتحول من مجرد ميكانيكي تعمل في ورشة لإصلاح السيارات، إلى رجل تتحكم في عشرات الملايين من الدولارات وعشرات الآلاف من البشر. هذا ما حدث مع اثنين على الأقل من أمراء الحرب في ليبيا، بمساعدة رجل ثالث كان داعية متشددا لكنه مغمور، تغيرت حياته أخيرا وأصبح يتأهب لإعلان مدينة بنغازي إمارة إسلامية، وذلك عقب الاستيلاء على معاقل رئيسة للخصم اللدود للمتشددين الإسلاميين في ليبيا، اللواء خليفة حفتر، في اليومين الماضيين.
وتختلط دوافع الخصومات الثأرية مع شعارات سياسية ودينية عامة، لدى القيادات التي تتحكم في واحد من أكبر التنظيمات المتشددة في هذه الدولة شاسعة المساحة وقليلة السكان والتي تعد من أغنى الدول الأفريقية في مجال النفط. وشارك نحو ألف مقاتل من التنظيم المعروف باسم «أنصار الشريعة» في شن هجوم منظم استمر لأكثر من أسبوعين، على معاقل لقوات حفتر، لكن الانتصار الكبير الذي حققه هذا التنظيم، وأصبح ملهما لمن يسميهم بعض السكان المحليين بـ«دواعش ليبيا» كان يتمثل في الاستيلاء على «معسكر الصاعقة» الذي تبلغ مساحته نحو عشرة كيلومترات مربعة في داخل بنغازي.

احتل تنظيم أنصار الشريعة «معسكر الصاعقة» الذي يعد نقطة ارتكاز رئيسة لقوات حفتر في المنطقة الشرقية من البلاد، بمساعدة ما يسمى بقوات «الدروع» الموالية لجماعة الإخوان المسلمين، وكتائب أخرى لإسلاميين متشددين، وذلك بعد أن وجه لها اللواء المتقاعد ضربات موجعة طوال الشهور الثلاثة الماضية. وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تقول إن قوات الدروع بقيادة وسام بن حميد، وكتيبة أخرى يقودها شاب يدعى بوكا العريبي، جهزتا معدات ضخمة وأسلحة متطورة جرى نقلها من مدينة سرت إلى الضواحي الغربية من مدينة بنغازي خلال الأسابيع الماضية. ومن بين ما جرى نقله أيضا إلى هناك صواريخ غراد ومدافع الهاوزر، بهدف إسكات الهجمات التي كانت تقوم بها قوات حفتر انطلاقا من «معسكر الصاعقة».
ويوضح ناصر محمد، أحد جيران وسام بن حميد، ولديه معرفة سابقة ببوكا العريبي أيضا، أن بن حميد في العقد الرابع من العمر وهو أصلا من مدينة مصراتة وكان يعمل في ورشة لإصلاح السيارات في مدينة بنغازي قبل ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 ضد حكم معمر القذافي. ويضيف أن «الورشة كانت تقع في منطقة الكويفي في بنغازي.. أما العريبي فكان يعمل في مجال تغيير زيوت السيارات بالمنطقة نفسها»، مشيرا إلى أن «كلمة بوكا يقصد بها الحفرة التي تقف فوقها السيارة أثناء تغيير الزيت»، وأنه لهذا السبب كان الرجل يلقب بهذا اللقب منذ ما قبل ثورة فبراير.
ووفقا للمعلومات فإنه حين بدأت أحداث فبراير ضد القذافي التحق بن حميد بالثورة، وقاتل في الصفوف الأولى وأظهر قدرة على العمل كقائد ميداني في المعارك التي خاضها الثوار ضد النظام السابق. وتحول سريعا إلى قائد متحمس وإلى «فارس»، لكنه مثله مثل بوكا العريبي، لم يكن قد شكل كتائب وميليشيات ذات شأن إلا بعد مقتل القذافي بعدة أشهر. وشارك الاثنان خلال أعوام 2012 و2013 وخلال هذه السنة أيضا، في تأمين مقار حكومية ورسمية وشن هجمات على خصوم الحكام الإسلاميين، في عدة مناطق أشهرها مدن بني وليد شرق طرابلس وسبها في الجنوب.
ولم يكن لهذين الرجلين، بن حميد والعريبي، علاقة وثيقة بقائد تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي، المدعو محمد الزهاوي، إلا بعد أن تراجعت شعبية الإسلاميين في الشهور الماضية، وشعور الجهاديين والإخوان المسلمين بخطر حفتر في الشرق والكتائب العسكرية الموالية للدولة المدنية في منطقة غرب طرابلس، ومناطق أخرى. ويقول حسين عثمان، الضابط السابق في الجيش الليبي، إن الإسلاميين أصبحوا في الوقت الحالي جبهة واحدة، ولهذا تمكنوا من دخول معسكر الصاعقة في بنغازي، وبدأوا في الوقت الحالي يسعون لإعلان بنغازي إمارة إسلامية، بعد أن أصبحت مدينة درنة، المقر الرئيس لتنظيم «أنصار الشريعة» إمارة إسلامية منذ عدة أشهر. وتقع درنة إلى الشرق من بنغازي بنحو 300 كيلومتر، وتوجد مخاوف من أن يتجه التنظيم إلى دخول المدن التي تفصل بين بنغازي ودرنة.
ويضيف الضابط عثمان قائلا بعد أن لجأ إلى مدينة إمساعد القريبة من الحدود المصرية هربا من مقاتلي أنصار الشريعة: «أنا أتعجب من الصمت الدولي تجاه التطورات في ليبيا. لا أعرف لماذا هذا الصمت. أعتقد أن حفتر كان يأمل في الدعم الدولي حين دخل في المواجهة مع المتشددين. حتى أميركا قالت: إن القرار الدولي الخاص بحماية المدنيين انتهى العمل به، وليس لدينا ما يمكن أن نقوم به. كما أن حفتر كان معتمدا على دعم الشعب ودعم الجيران. مصر والجزائر ودعم غربي.. حفتر كان يأمل في هذا، وكان يأمل في وقوف الشعب معه على نطاق واسع، مثلما فعل المصريون مع الجيش في ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم جماعة الإخوان بمصر، لكن يبدو أن حساباته كانت خطأ، لأن الإسلاميين معهم قوة إقليمية أكثر فاعلية مما معه».
ومن مدينة درنة يقول علي بوالدوير، وهو مسؤول محلي سابق، ويقيم حاليا في مدينة طبرق قرب حدود ليبيا مع مصر: «أنا شاهدت العرض الذي قام به أنصار الشريعة في درنة، وهو مطابق لعرض سابق قامت به داعش على حدود سوريا والعراق. وكان عرض درنة فيه أرتال بأعداد مخيفة من سيارات الدفع الرباعي والمدرعات. نفس العرض ونفس القوة التي ظهر بها تنظيم داعش في سوريا والعراق. هم الآن في أيديهم الأموال التي كان يخصصها لهم المؤتمر الوطني المنتهية ولايته. كل شهر يخصص لهم أموالا ضخمة.. بملايين الدولارات، بالإضافة إلى دعم من بعض الدول الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بنقل سلاح ثقيل لأنصار الشريعة في بنغازي. هذه الإمدادات وصلت لأنصار الشريعة بعد أن جرى إنزال هذه الشحنات في مطار سرت، ثم جرى نقلها بالطريق البري من سرت إلى بنغازي».
ويقول محمد سالم الأمين، وهو أحد أقارب قائد درع ليبيا، إن وسام بن حميد «كان لديه ثأر شخصي مع جماعة الصاعقة وجماعة أخرى في بنغازي، وذلك حين قام أبناء بنغازي منذ نحو سنة ونصف السنة، خاصة قبيلة البراغثة، أصحاب المنطقة التي كان يوجد فيها معسكر درع ليبيا، التابع لبن حميد، بمحاولة إخلاء المعسكر من قوات الدروع بالقوة. وجرى ذلك عقب الهجوم الذي شنه إسلاميون متشددون على مقر القنصلية الأميركية في بنغازي في سبتمبر (أيلول) عام 2012. ويضيف الأمين أن هذا المعسكر كان يوجد في منطقة الكويفي في بنغازي، وأن الكثيرين من رجال قبيلة البراغثة، مثل باقي أبناء بنغازي، كانوا يرون أن الثورة انتهت وأنه لم يعد هناك أي داع لوجود الدروع والتشكيلات المسلحة واحتلال المعسكرات والمنشآت العامة في المدينة.. «لكن بن حميد تمكن من الفرار من المعسكر، عند هجوم شباب بنغازي عليه في ذلك الوقت.. وبعد ذلك توجه متظاهرون غاضبون إلى بيت له موجود في المدينة وقاموا بحرقه».
ووفقا لرواية الأمين لم يتمكن المتظاهرون من الإمساك ببن حميد في ذلك الوقت. ويقول إنه في اليوم التالي من حرق منزله بعث بن حميد برسالة إلى رجل يدعى عز الدين الوكواك، بعد أن حمله مسؤولية الهجوم على المعسكر الذي كانت تقيم فيه ميليشياته (الدروع) والتحريض على حرق بيته. ويضيف الأمين أن «الوكواك معروف أنه من أعيان مدينة بنغازي، ولديه كتيبة أيضا، ويقف في الصف المعارض لهيمنة الإسلاميين على حكم البلاد. ورغم مرور أكثر من 18 شهرا على تلك الحادثة، فإن بن حميد يبدو أنه لم ينس ما تعرض له بيته وقواته في بنغازي».
ويضيف الأمين أن بن حميد قام منذ ذلك الوقت بالتحالف مع الشيخ الزهاوي قائد أنصار الشريعة في بنغازي وقام أيضا بدعمه دعما كبيرا، وواسعا، وحين بدأت عملية الكرامة بقيادة حفتر ضد الإسلاميين وأنصار الشريعة والدروع، شارك بن حميد في ترتيب أوضاع الإسلاميين في بنغازي وتأهيل العناصر للهجوم على المدينة وفي القلب منها معسكر الصاعقة. ودخل بن حميد المعسكر بالفعل مع الزهاوي، والتقطا صورا تذكارية فيه، وقال بن حميد إنه يقود الثوار لحماية ثورة 17 فبراير من حفتر الذي يريد أن يستولي عليها منهم، بينما تعهد الزهاوي بالعمل على تطبيق الشريعة في بنغازي وباقي البلاد. كما تتهم أنصار الشريعة ومن معها من ميليشيات وسائل الإعلام بمحاولة تشويه ما يقومون به من «حماية لليبيا من الاختطاف على أيدي العلمانيين وأنصار القذافي».
وتقول المعلومات إن هناك قادة كتائب أخرى شاركت في دعم أنصار الشريعة في محاولاتها لإتمام بسط السيطرة على بنغازي، وهي عملية ما زالت جارية حتى الآن، ومن المتوقع أن تمتد خلال اليومين القادمين إلى مطار بنغازي الدولي المعروف باسم «مطار بنينة». فبالإضافة إلى بن حميد والعريبي والزهاوي، هناك رجل يدعى بلعم لديه كتيبة أيضا، إلى جانب ميليشيا وكتائب أخرى مثل «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي». وغالبية عناصر أنصار الشريعة ومن يناصرهم في الوقت الراهن من الشباب صغير السن. وحاول «بلعم» الدخول في حوار لوقف نزيف الدم بين الإسلاميين وخصومهم، لكن تصميمه على استبعاد حفتر من أي حوار، باعتبار أنه «رجل طاغية»، عرقل محاولات الحوار هذه.
وفي مقابلة مع موظف في الحكومة الليبية، يقول إن قادة الكتائب والميليشيات، أصبحوا مليونيرات.. «صاحب كل كتيبة يتقاضى عنها أموالا من المؤتمر الوطني (البرلمان المنتهية ولايته)، والكتيبة التي عددها ثلاثة آلاف تسجل كأنها خمسة عشر ألفا، ويتقاضى كل شهر أموالا عن تلك الأسماء الوهمية. ويبلغ راتب العنصر الواحد سواء في كتائب أنصار الشريعة أو الدروع أو غيرها من الكتائب الأخرى، من ألف وخمسمائة دينار حتى ثلاثة آلاف دينار. ويدخل جيبه كل شهر ملايين الدينارات من الهواء، بسبب تلك الأسماء الوهمية، وهم لا يمكن أن يتنازلوا عن تلك الملايين.. زيادة حدة القتال من جانب قادة الميليشيات والكتائب هدفها الحفاظ على ما يتقاضونه من رواتب، ولهذا يريدون تعطيل عمل البرلمان الجديد الذي جرى انتخابه أخيرا، وغالبية نوابه يعارضون هؤلاء الإسلاميين».
ويتابع قائلا إنه «حين بدأت عملية الكرامة زاد من كان راتبه ألف دينار في الشهر من عناصر تلك الكتائب والميليشيات، إلى ألفين.. ومن كان ألفا وخمسمائة أصبح ثلاثة آلاف. ومنذ انتهاء حكم القذافي أصبحت هذه المخصصات المالية للكتائب والميليشيات قانونا وعرفا معمولا به، وكل كتيبة أو ميليشيا لها ميزانيتها الخاصة التي لا توجد عليها أن نوع من أنواع المراجعة أو عما إذا كان عدد الملتحقين بها حقيقيا أم لا». وكانت تلك الكتائب تستخدم في حفظ الأمن والمؤسسات والحدود، بما فيها كتيبة أنصار الشريعة التي صنفتها الولايات المتحدة أخيرا كتنظيم إرهابي. وبرفض أمراء الحرب وجود جيش نظامي وشرطة قويين.
ويتركز تواجد «أنصار الشريعة» في بنغازي بقيادة الزهاوي، وفي درنة بقيادة رجل يدعى سفيان جومة، لكن درنة تعد بمثابة النواة، بعد أن أصبحت إمارة إسلامية على يد جومة، وهو سجين سابق في غوانتانامو، و«يجري حاليا فيها تطبيق ما يعدونه الشريعة الإسلامية من قطع رؤوس الخصوم وقطع أيدي السراق والجلد والرجم والشنق على أعمدة الشوارع وغيرها. ومن الصعب إمساك رجال الجيش لعناصر من أنصار الشريعة حتى لو جرى هدم بيت من بيوتهم فإن الجيش لا يجد داخله العنصر المطلوب، كما حدث في الشهور الأخيرة في بنغازي.. يختفون فجأة ويظهرون فجأة».
ويسيطر «أنصار الشريعة» في بنغازي منذ وقت طويل على الجانب الغربي من المدينة، وهو جانب تكثر فيه المسارات والطرق والموانئ التي تصل بين بنغازي ومصراتة التي تهيمن عليها جماعة الإخوان.. «حيث تقوم جماعة الإخوان والدروع بتموين وتغذية مقاتلي أنصار الشريعة بالمقاتلين والسلاح».. وينتمي غالبية «أنصار الشرعية» في بنغازي لمنطقة الليثي، ويتعرض المنتسبون الجدد لها من الشباب لغسل مخ من خلال تخصيص دعاة في الكثير من مساجد المدينة لهذا الغرض، و«كل من يدخل للصلاة بشكل عادي، يستقطبه الداعية ويبدأ في العمل على ضمه لأنصار الشريعة من خلال راتب شهري وحين يوافق تجري عملية تدريبه وتسليحه وتخصيص سيارة وأسلحة له وللمجموعة التي معه».
ويقول أحد المسؤولين الأمنيين إن عملية تجنيد الشباب كانت قد بدأت حين كان عمل «أنصار الشريعة» يقتصر في بنغازي على العمل الخيري وخدمة المجتمع وحفظ الأمن بتعليمات من المؤتمر الوطني وجماعة الإخوان التي كانت قد بدأت تهيمن على الحكم في طرابلس الغرب عقب مقتل القذافي.. وكان الآباء يحثون أولادهم على الالتحاق بـ«أنصار الشريعة» في المساجد، على أمل إصلاح أحوالهم بدلا من البطالة والتسكع في الطرقات، خاصة بعد أن بدأ يظهر على المنتسبين لها «النعمة والاستقرار المادي ومحبة المجتمع المحلي لهم، إلى أن بدأت الأمور تتغير مع كشف أنصار الشريعة عن وجهها وطموحاتها السياسية في الحكم والسلطة بطريقتها الخاصة بقيادة عدد من المتشددين».
وقام أحد أهالي بنغازي، من عائلة تسمى «عائلة النص»، بتفجير مسجد «الليثي القديم» في المدينة بعد أن علم أن «أنصار الشريعة» استخدمت هذا المسجد في غسل مخ وتجنيد شقيقه وإرساله إلى سوريا ومقتله هناك. «توجه الرجل إلى المسجد وألقى فيه قنبلة يدوية».
ويقع معسكر الصاعقة الذي دخلته عناصر «أنصار الشريعة» بمساعدة ميليشيات «الدروع»، قرب منطقة بوعطني الفقيرة في بنغازي. ويقول ميهوب النافع وهو ضابط في الشرطة الليبية في مدينة طبرق الهادئة في أقصى الشرق الليبي، إنه كان يعمل حتى السنة الماضية في شرطة بنغازي، وإن أهالي المدينة كانوا يرون أن معسكر الصاعقة يعد حجر الزاوية في التصدي للإسلاميين، وكانوا يقولون: إن الصاعقة ستفعل كذا وستتصدى لهم في المكان الفلاني، وكانت الأمور بالنسبة لأهالي بنغازي تتلخص في أن سقوط معسكر الصاعقة في أيدي أنصار الشريعة ضرب من المستحيل.
وحين هجم أنصار الشرعية على المعسكر أصبح بالإمكان أن ترى جثث جنود وضباط الصاعقة ملقاة داخل أسواره.. ويقدر عدد من قتلوا فيه ما بين 60 و70 جنديا وضابطا، إلا أن القيادات العسكرية التي تعمل مع حفتر أشاعت أخبارا قللت فيها من حجم تلك الخسائر، لكن الضابط ميهوب النافع مثله مثل كثير من الليبيين المصدومين، يعتقدون أن «مثل هذه الأقاويل التي يرددها أنصار حفتر محاولة منهم لرفع معنويات الجنود والأهالي في مدينة بنغازي وما حولها».
ويضيف الناقع: «أولا حفتر لم يكن مسيطرا على بنغازي بالكامل حتى نقول إن السيطرة ضاعت منه. كان هدفه إخراج أنصار الشريعة من داخل بنغازي، لكن هذا الهدف لم يتحقق بعد. وبالأمس تقهقرت قوات الصاعقة حتى منطقة الأبيار، نحو خمسين كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من بنغازي. من المتوقع أن يتمكن أنصار الشريعة من القبض على حفتر، وإذا ألقوا القبض عليه فإنهم سيقومون بإعدامه بطريقة أكثر بشاعة من الطريقة التي جرى بها قتل القذافي».
وعلى الجانب الآخر أثار سقوط المعسكر الذعر في أوساط المنتسبين للصاعقة والذين يقدر عددهم بالآلاف، سواء في بنغازي أو في بعض المناطق الأخرى. والسبب وراء هذا الذعر، كما يقول أحد ضباط الجيش السابقين، من قبيلة البراعصة، أن أنصار الشريعة وميليشيات الدروع وغيرهم من المقاتلين الإسلاميين حصلوا على قوائم بأسماء المنتسبين للصاعقة. لكنه يضيف أن هذا تحصيل حاصل، لأن «أنصار الشريعة» يمتلكون منذ أشهر «منظومة تقنية» يقومون من خلالها بعمليات التنصت على الهواتف وجمع المعلومات، ويحتفظون في حواسبهم الإلكترونية بقوائم لأسماء المنتسبين لجيش حفتر والصاعقة الموالية له، ويرابطون بها على الطرقات لتوقيف من يظهر اسمه في الحاسوب، ومن ثم إعدامه.
ويتابع قائلا إنه في الفترة الأخيرة، قام أنصار الشريعة في بنغازي وفي درنة، بإعدام الكثير من المنتسبين للجيش وفقا لما لديهم من معلومات.. «وفي الأيام الماضية أوقفوا صديقي وهو جندي في الشرطة في بوابة الليثي، وقاموا بإعدامه. وإذا لم يجدوا اسمك في قوائم الجنود فإنهم يطلبون منك رفع بنطالك لأعلى حتى يروا إذا ما كانت هناك علامات على الجلد من ارتداء الجوارب الخشنة ذات الحزام المطاطي الخاصة برجال الشرطة والجيش. فإذا وجدوا علامة للحزام المطاطي ينزلونك من السيارة ويقومون بقطع رأسك دون تحقيق أو محاكمة.
ويضيف الضابط البرعصي: أحيانا يسألونك في بوابات أنصار الشريعة أسئلة مباشرة عن تعريفك العسكري، حتى لو لم تكن عسكريا، لأن مثل هذا السؤال سيفاجئك إذا كنت عسكريا، وستخرج بطاقة الهوية العسكرية بشكل لا إرادي، وهنا يتم ذبحك أيضا دون تفاهم. وأحيانا تعطي بوابة أنصار الشريعة أوامر للراكبين في سيارة من السيارات التي تضطر للمرور على بواباتهم.. أوامر من تلك التي لا يفهمها إلا العسكريون، فإذا استجاب أحد الركاب لمثل هذه الأوامر يدركون أنه عسكري، ويقومون بإعدامه.. وفي إحدى المرات، في بداية شهر رمضان، قتلوا أحد الجنود ثم فتشوا هاتفه المحمول، فوجدوا رقم أحد زملائه المطلوبين لأنصار الشريعة، وقاموا بمهاتفته وقالوا له إن صاحب الهاتف وقعت له حادثة وعليك أن تأتي له في المكان الفلاني وحين وصل قاموا بقتله على الفور وألقوا جثته بجوار جثة زميله.
ويقول هذا الضابط إن «أنصار الشريعة» لديها أحكام جاهزة منذ بداية «عملية الكرامة» بإعدام كل المنتسبين للصاعقة، و«جرى إعدام بعض المنتسبين بطريقة مستحدثة لم تقم بها حتى حركة داعش في العراق وسوريا، وتجري هذه العملية بواسطة إطلاق طلقة عيار 14.5 المضاد للطائرات المنخفضة، على رأس الجندي أو الضابط، فتزيله ولا يتبقى منه غير باقي الجثة». ويضيف: «جاءوا بجندي وقاموا بتكتيفه من يديه وقدميه، وكان المدفع محمولا على سيارة دفع رباعي، وصوبوا فوهة المدفع على رأس الجندي، وفجروه حتى لم يتبق منه إلا جزء صغير من بقايا العنق فوق كتفيه».
ويروي الضابط البرعصي تفاصيل أخرى عن طرق إعدام عناصر أنصار الشريعة لرجال الجيش والشرطة، لبث الرعب في القلوب لمنع الشباب من الالتحاق بقوات الجيش والشرطة وقوات حفتر. ويقول الضابط: نحروا عنق جندي بمنشار يعمل بالكهرباء خاص بقطع الأشجار.. ولديهم سيافون متخصصون في هذا الأمر.
وطوال الشهور الثلاثة الماضية أصبح سكان بنغازي يعثرون على جثث من دون رؤوس.. ويقول الضابط نفسه: «في كل يوم في بنغازي يمكن العثور على ما بين خمس جثث إلى سبع على الأقل، من دون رأس. ويوجد مكان اسمه الصفصفة جنوب المدينة، وأي ضحية ممن يجري قتله وقطع رأسه يقوم أنصار الشريعة بإلقاء جثته دون رأس في تلك المنطقة، وهي منطقة معروفة بأنها مكب عمومي للقمامة، ويذهب الأهالي للبحث عن جثث أبنائهم المختفين في تلك المنطقة. وكل يوم جثث جديدة دون رؤوس. هذه تفوق سلوكيات داعش».
ووفقا لروايات مسجلة حصلت عليها «الشرق الأوسط» من ضباط جيش ورجال أمن ليبيين، أصبح لدى «أنصار الشريعة» صواريخ مضادة للطائرات، وقاذفات كثيفة النيران يطلقون عليها «بي كي تي»، و«جاءهم دعم ضخم آخر من الأسلحة الحديثة، أضف إلى ذلك أنهم تدربوا تدريبات مستمرة منذ انتهاء أحداث الثورة ضد القذافي. كما أن عناصر أنصار الشريعة يبدو عليهم أنهم محترفون في القتال كأنهم ضباط جيش ولديهم تجهيزات تقنية كبيرة. كما أنهم يتقدمون في القتال ولا يتراجعون حتى لو تكبدوا خسائر كبيرة في الأرواح».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.