تطوّرات مذهلة في تصاميم كاميرات الهواتف الذكية

صور تمحو الفواصل بين الفنّ الرقمي المزيف والتصوير الفوتوغرافي الحقيقي

أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
TT

تطوّرات مذهلة في تصاميم كاميرات الهواتف الذكية

أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»

أصبحت هواتف غوغل الذكية اليوم تضمّ ميزة خاصة في كاميراتها هي «نايت سايت» التي تتيح للجهاز التقاط الصور في أكثر الأوضاع والأماكن ظلاماً. وتتمتّع الكاميرا الصغيرة المتوفرة في هاتف غوغل بيكسل 3 بقوة خارقة، فهي قادرة على رصد أشياء لا تستطيع العين البشرية رؤيتها.
وعندما تمضي الليالي في زيارة الأماكن المظلمة والتقاط الصور مستخدماً ما يعرف بوضع «نايت سايت» في هذا الهاتف الجديد (سعره 800 دولار)، يبدو الأصدقاء الجالسون في مقهى مضاء بالشموع مثلا في الصور الملتقطة وكأنّهم يحملون معهم معدّات للإضاءة، وتبدو الشوارع المعتمة متلألئة بالأحمر والأخضر. أمّا لقطات منتصف الليل، فتبدو وكأنها مأخوذة في وقت النهار، وفقا لخبراء أميركيين. وتوفر هذه الميزة أداء يتجاوز ما تقدّمه فلترات (راشحات) الإنستغرام بأشواط.

صور مزيفة
تعتبر ميزة «نايت سايت» تطوّراً هائلاً في مجال التصوير الفوتوغرافي بالهواتف، ومثالاً على التحوّل الذي تشهده صورنا نحو درجة هائلة من الزيف.
نعم، هذه هي الحقيقة، فالكثيرون لا يحبّون صورهم. صحيح أنّ هدف التصوير الفوتوغرافي لم يكن يوماً التقاط الحقيقة فقط، ولكنّ الهواتف الحديثة تأخذ الصور إلى مستويات جديدة غير مسبوقة.
حتى اليوم «نايت سايت» هي مجرّد وضع يعمل في الصور المظلمة المأخوذة بكاميرا هواتف غوغل بيكسل، وليس أكثر. يتباهى صانعو الهواتف الذكية عامّة بروعة وجمال الصور التي تقدّمها أجهزتهم ولكن ليس بواقعيتها. ومثلا يعمد وضع «بورتريه» في هواتف آيفون إلى تشتيت الخلفية والتركيز على ملامح الوجه وتخفيف احمرار العينين. أمّا صور السيلفي الملتقطة بالهواتف الشعبية في آسيا، فتركز على تصغير حجم الرأس وتفتيح العينين وتجميل البشرة بشكل تلقائي. كما تستخدم معظم الهواتف الحديثة تقنية تعرف باسم «إتش دي آر». (HDR) التي تدمج عدّة لقطات لتقديم نسخة أجمل بكثير من الحقيقة.
يقول الخبير جيفري فاولر أنه التقط صورة لغروب الشمس بواسطة هاتف آيفون 6 في عام 2014 ثمّ بالآيفون 10 آر الصادر هذا العام. وقد أذهلته النتيجة، فقد بدت الصورة الملتقطة بالآيفون الجديد وكنّها لوحة رسمت بالألوان المائية.
ما الذي يحصل؟ تقدّم الهواتف الذكية اليوم نوعاً من ديمقراطية التصوير الفوتوغرافي لـ2.5 مليار شخص، بعد أن كان التقاط صورة رائعة يتطلّب أجهزة خاصّة مع كتيّب إرشادات.

ذكاء صناعي
اليوم، يقدّم الذكاء الصناعي وغيره من التطورات البرمجية فرصة للالتقاط صور جميلة بحريّة تامّة. نعم، جملية، فتعديل الصور لم يعد يتطلّب مهارة في الفوتوشوب. اليوم، عندما نضع كاميرات الهواتف أمام مناظر طبيعية خلّابة أو وجوه ضاحكة، فإنها تسارع إلى استخدام خوارزميات (برمجيات لها نهج محدد) تمّ تدريبها على ما يحبّ البشر رؤيته، لتعطينا أخيراً صوراً تناسب أذواقنا.
يضمّ هاتفكم الذكي اليوم عدسات متقدّمة جداً، لذا يجدر بكم أن تنظروا إلى كاميرتكم على أنها نظام ذكاء صناعي هدفه إسعادكم، عوضاً عن كونها انعكاساً للحقيقة... إنها «زيف رائع».
لقد أصبح اليوم التقاط صورة بواسطة الهاتف أكثر بكثير من مجرّد تمرير ضوء عبر عدسة إلى جهاز استشعار. لا تزال هذه الأدوات مهمّة جداً طبعاً، إلّا أنّها شهدت تقدّماً كبيراً خلال العقد الماضي.
ولكنّ التحسّن الذي تشهده صورنا يعود بشكل متزايد إلى البرامج وليس إلى الأجهزة. يقول مارك ليفوي، أستاذ متقاعد في علوم الكومبيوتر من جامعة ستانفورد «إنها مقارنة مبالغ بها، ولكنّها صحيحة». وتجدر الإشارة إلى أنّ مؤسسي غوغل لاري بايج وسيرغي برين كانا من طلّاب ليفوي، الذي يعمل اليوم لصالحهما في مشاريع صناعة كاميرات الأجهزة ومن ضمنها «نايت سايت».
يركّز عمل ليفوي على ضوابط المقاسات الثابتة التي تحاصر الهاتف الذكي. فالهواتف لا تحتمل عدسات كبيرة (وأجهزة الاستشعار التي تتطلّبها) كما الكاميرات التقليدية، مما يفرض على صناع الهواتف إيجاد وسائل مبتكرة للتعويض. وهنا تدخل التقنيات التي تستبدل البصريات بالبرمجة، كالدمج الرقمي لعدة لقطات في صورة واحدة.
تستخدم الهواتف الحديثة من آبل وسامسونغ وهواوي هذه البرامج أيضاً، ولكن ليفوي يقول: «نحن نراهن بكلّ شيء على البرمجة والذكاء الصناعي»، الأمر الذي منح غوغل حرية تامة لاستكشاف طرق جديدة لصناعة الصور.
يقول نيكولاس تاتشارد، نائب رئيس قسم التسويق في «دي x أو مارك إيمج لابس» (DxOMark Image Labs)، المتخصصة في إجراء تصنيفات مستقلّة للكاميرات: «ارتقت غوغل إلى مستوى جديد في مجال البرمجة». (ولكن يبقى سؤال ما كان هذا الأمر كافيا لمساعدة بيكسل في انتزاع التفوق من آبل وسامسونغ).

اختراق الليل
مع «نايت سايت»، يحقّق برنامج غوغل أقصى أدائه عبر التقاط ما يقارب 15 صورة خافتة الإضاءة ومزجها مع بعضها لتفتيح الوجوه، وتقديم تفاصيل واضحة وإشباع الألوان بطريقة ترضي المستخدم. ودون وميض، تعمل هذه الميزة على تعزيز الضوء الموجود في الصورة صناعياً.
لا شكّ أنّ أي شخص حاول يوماً التقاط صورة خافتة الإضاءة بكاميرا تقليدية أن يعي صعوبة الحصول على لقطة واضحة وغير ضبابية. ولكن ومع «نايت سايت»، وقبل الضغط على زرّ الالتقاط حتى، يقيس الهاتف رعشة يدكم والحركة في المشهد لتحديد عدد اللقطات التي يجب تصويرها والوقت الذي يجب أن يبقى خلاله المصراع مفتوحاً. عندما تضغطون على المصراع، يُصْدِرُ لكم تحذيراً بضرورة التثبيت ويصوّر لفترة تصل إلى 6 ثوان.
في الثانية أو الثانيتين التاليتين، تقسّم «نايت سايت» جميع لقطاتها إلى مجموعة من الشرائح الصغيرة، ثمّ ترصف وتدمج أفضلها لتشكيل صورة مثالية. وأخيراً، يحلّل الذكاء الصناعي وبرنامج آخر الصورة لاختيار الألوان ودرجات الضوء.
ولكن ميزة «نايت سايت» تواجه بعض الصعوبات في التركيز وفي المشاهد التي تفتقر إلى الضوء بشكل شبه تام. لذا، يبقى عليكم أنتم أن تحافظوا على ثبات الجهاز بالوضعية الصحيحة للالتقاط.
ولكنّ الحقيقة هي أنّ معظم الصور التي تلتقطها خلال اختبار لغوغل بيكسل 3 تكون رائعة. فقد عملت الكاميرا في صور البورتريه فيه على تجميل البشرة وزيادة حدّة العينين. أمّا في المشاهد الليلية، فقد أضاءت التفاصيل المخفية ولوّنتها.
ولكنّ المشكلة هي: كيف يمكن لكومبيوتر أن يختار درجات الضوء وألوان الأشياء التي نصادفها في الظلام؟ هل يجب أن يحوّل السماء المضاءة بالنجوم إلى غسق؟
يقول ليفوي إن «لم نستطع رؤيتها، لن نعرف كيف تبدو. هناك الكثير من القرارات الجمالية التي نطبّقها بشكل ما، ويمكن تطبيقها بشكل آخر. لعلّ هذه الهواتف ستحتاج أخيراً إلى زرّ (ما أراه) يقابله زرّ (ما هو موجود فعلاً)».

«زيف رائع»
إذن، ما دامت هواتفنا تصدر الألوان والأضواء لترضينا، هل يعدّ هذا الأمر تصويراً فوتوغرافياً حقاً؟ أم هو عمل فنّي يديره جهاز كومبيوتر؟
يوافق بعض أنصار المذهب الصفائي (أي الأصوليين من اتباع النقاء في مجالهم الاحترافي) على الاحتمال الثاني، ويرى ليفوي أنّ هذا ما يحصل دائماً مع التقنيات التعديلية. ما هو معنى كلمة «مزيف»؟ يسأل الأخير. استخدم المصورون الفوتوغرافيون المحترفون لزمن طويل تقنيات الفوتوشوب أو غرف التظهير المظلمة لإجراء التعديلات على الصور. وقبل ذلك، تلاعب صناع الأفلام بالألوان للحصول على نتيجة معيّنة. إنّ أي كلام يصدر في هذا الإطار يمكن أن يكون ناتجاً عن حبّ ممارسة التصوير، أو عن مخاوف أكاديمية، أو حتى عن أهمية ذكريات ثلث البشرية.
إلى أي مدى ستبعد الهواتف الذكية صورنا عن الحقيقة؟ ما هو الشيء الذي ستدرّبنا البرامج الرقمية على رؤيته طبيعياً؟ وما هي أجزاء الصورة التي نسمح للكومبيوتر بتعديلها؟ في صورة التقطت للبيت الأبيض (دون استخدام ميزة «نايت سايت»)، لوحظ أن خوارزميات هاتف بيكسل 3 المدرّبة لتجميل العيوب، أزالت التفاصيل الهندسية الحقيقية التي كانت ظاهرة في صورة التقطها جهاز آيفون 10.
إن السؤال الذي تطرحه شركة تصنيف الكاميرات «دي x أو مارك» هو: كيف يمكننا حتى أن نحكم على الصور التي يتمّ تحليلها من قبل برامج رقمية لأجل معالم كجمال الوجه؟
يقول تاتشيارد: «يبالغ المصنعون أحياناً في التمادي. فنقول عادة إنّه لا بأس إن لم يدمّروا معلوماتنا. وإن أردنا أن نكون موضوعيين، يجب أن ننظر إلى الكاميرا على أنّها جهاز للالتقاط معلومات».
ولنسمع رأيا آخر من كنان أكتولون، مؤسس «جائزة التصوير الفوتوغرافي بواسطة هاتف الآيفون» السنوية، فقد عمل أكتولون خلال العقد الماضي على فحص نحو مليون صورة التقطت بهاتف الآيفون ولم تشهد تعديلات كبيرة.
اعتبر أكتولون أنّ الخط الفاصل بين الفنّ الرقمي والتصوير الفوتوغرافي «يصبح شديد الضبابية في مرحلة معينة». ولكنّه رحّب عامّة بالتحسينات التقنية التي تسهّل عملية صناعة الصورة والأدوات المرئية. إن العامل الجاذب في التصوير الفوتوغرافي بواسطة الهاتف الذكي هو أنّه متاح للجميع، أي أنّ المستخدم يصبح مصوراً بالضغط على زرّ واحد، والذكاء الصناعي هو تطوّر مستمرّ لهذه الحالة.
يقول أكتولون: «مع تحسّن النوعية التقنية للصور، يبقى الاتصال العاطفي هو ما نبحث عنه. فالصور التي تحصل على الاهتمام الأكبر ليست المثالية على الصعيد التقني، بل هي الصور التي تقدّم لمحة عن حياة الشخص أو تجربته».



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.