«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

التاريخي والسردي في الرواية العربية

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين
TT

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

صدر عن داري «ابن النديم» بالجزائر، و«الروافد» ببيروت كتاب «التأريخي والسردي في الرواية العربية» للناقد فاضل ثامر. وقد ضمّ الكتاب 40 مادة نقدية من ضمنها المقدمة التي تُبيّن طبيعة الكتاب والهدف من إصداره. ولو شئنا الدِقة لقلنا إن هناك 9 مقالات عن روايات عربية و30 مقالة عن روايات عراقية بضمنها دراسات نقدية عن الوصف وتمثلاته، والحكاية الإطارية، والتبئير الفلسفي، وسرد الذات، وشعرية الماء وما إلى ذلك.
تتأسس فكرة الكتاب برمته على مشاكسة التاريخ الرسمي بوصفه سجّلاً مُزيّفاً للطغاة والمستبدين والمنتصرين، والتركيز على معاناة المهزومين والمسحوقين والمقهورين. وقبل أن يلج المؤلف إلى دراساته النقدية التطبيقية يُذكِّرنا بعدد من كُتاب الرواية التاريخية العالمية أمثال والتر سكوت وألكسندر دوما وسرفانتس، ثم يعرِّج على جُرجي زيدان والمويلحي وأبي الثناء الآلوسي لكن تركيزه انصبّ على زيدان الذي أعطى الأولوية للتاريخ على حساب الفن، أي أنه جعل الفن خادماً للتاريخ وليس العكس.
وعلى الرغم من الفرق الهائل بين المؤرخ والروائي، فإن المفكر الفرنسي بول ريكور اعتبر التاريخ سرداً. ومع ذلك فإن خطاب السلطة يتجلى في التاريخ الرسمي، بينما تتجلى سلطة الخطاب في الرواية التي يكتبها المبدعون الذين ينتصرون للتواريخ المهمشة والمُبعَدة والمُقصاة. ولهذا عدّ إنجلز «روايات بلزاك أكثر صدقية وموضوعية من التاريخ الرسمي المدوَّن».
تتمحور الدراسات الخمس الأولى على تاريخ الأندلس بشكل عام، حيث يتم استدعاء غرناطة أو بقية المدن الأندلسية الأخرى من رحم التاريخ. فقد كتب أمين معلوف رواية «ليون الأفريقي» ولعل أهم ما في هذه الرواية أن بطلها رفض الانتساب إلى أي من الهويات القومية أو الدينية أو الوطنية أو الإقليمية أو الثقافية. وهذا الموقف المتسامح سوف يتجلى في رواية «البيت الأندلسي» لواسيني الأعرج، فالعمّ مراد باسطا يعترف لماسكا بكل صراحة وأريحية: «إلى اليوم لا أعرف إذا كان جدي مسيحياً أم مسلماً، ولم أسأل أحداً لأتأكد من ذلك».
وفي إطار هذا التسامح يمكن أن نضع رواية «أوراق معبد الكتبا» للأردني هاشم غرايبة الذي أفاد من تاريخ مملكة الأنباط، وقدّم البتراء كمدينة متسامحة أيضاً. أما الروائي العراقي جابر خليفة جابر فقد استدعى التاريخ الأندلسي في «مخيم المواركة» التي اعتبرها ثامر «رواية استثنائية في السرد لخصوصيتها الميتاسردية»، بينما كشف ربيع جابر في «رحلة الغرناطي» عن قدرته على تشكيل عالمه السردي التخييلي من دون أن يتوسل بالتاريخ أو يتكئ عليه. وهذا الأمر ينطبق على «ثلاثية غرناطة» للمصرية رضوى عاشور التي تذكّرنا برواية الأجيال كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ.
تناول الناقد فاضل ثامر روايات عربية أخرى مستوحاة من التاريخ ولعلها مُستنطِقة له كما في رواية «رواق البغدادية» للمصري أسامة السعيد، وهي رواية تتمحور على الإنسان المقهور الرافض للاستسلام، خصوصاً المرأة التي تمتلك صوتاً عالياً في هذا النص الروائي المحرِّض ضد العبودية والاستغلال.
وقد أفاد ثامر من ثنائية «الوعي القائم» و«الوعي الممكن» للناقد لوسيان غولدمان، وطبّقها على كثير من الروايات العراقية والعربية باعتبار الأول وعياً سكونياً ومتخلفاً، والثاني باعتباره وعياً متمرداً ورافضاً و«ثورياً» في بعض الأحيان.
تعتبر خماسية «مدن الملح» و«ثلاثية أرض السواد» لعبد الرحمن منيف من روايات الأجيال، لكن المؤلف وقف ضد مفهوم البطولة الفردية مستعيضاً عنها بمفهوم البطولة الجماعية. ويرى ثامر أن صاحب الخماسيّة قدّم درساً للكُتاب العرب في كيفية استنطاق وقراءة وفهم التاريخ القديم والحديث لكنه عابَ عليه تجميل صورة داود باشا، لأن الاحتلال العثماني كان يعامل العراقيين كرعايا وليس كمواطنين. أما روايتا «الخبز الحافي» و«الشُطّار» لمحمد شكري اللتان عدّهما البعض «أدباً مكشوفاً»، أو «بورنوغرافياً»، فهُما أقرب إلى أدب الصعلكة منهما إلى أدب الشطّار والعيّارين، كما يرى ثامر.
وفيما يتعلق برواية «جنوب غرب طروادة - جنوب شرق قرطاجة» لإبراهيم الكوني فهي بنظر ثامر «موسوعة تاريخية وحربية وثقافية» يتنازع فيها التاريخي والسردي، وإن بدا الأول ضاغطاً على الثاني ومُضيّقاً عليه الخناق.
وقد قرأ الناقد هذه الرواية من خلال ثنائية «النيئ والمطبوخ» لكلود ليفي شتراوس.
تكشف رواية «ظلمة يائيل» لليمني محمد الغربي عمران عن بنية ميتاسردية، شأنها شأن الروايات السابقة التي يتجاور فيها التاريخي مع السردي، وقد حضرت المخطوطة كدلالة ميتاسردية في الخطاب الروائي.
أما بخصوص الرواية العراقية، فيرى الناقد أنها تعالقت مع التاريخ، وأفادت منه، فـ«الوليمة العارية» لعلي بدر تنهل من التاريخ وتستقطر ما تراه منسجماً مع وجهة نظر المؤلف الذي سخر من الزهاوي لأنه كان يتقلّب في مديحه من العثمانيين إلى الإنجليز، ولعله اجترح هذه الشخصية متأثراً بقراءاته العميقة لكتابات علي الوردي فيما يتعلق بالشخصية العراقية المزدوجة، لكنه نجح، في خاتمة المطاف، بتصوير معاناة الشعب العراقي في ظل الاحتلالين المقيتين للعراق. أما رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، فقد أثارت جدلاً واسعاً لأنها فازت بجائزة البوكر العربية، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر مان وكانت مرشحة للفوز، لكن الروائية البولندية أولغا توكارتشوك وقفت حائلاً أمام وصوله إلى هذه الجائزة العالمية المُعتبرَة.
وقد نجح فاضل ثامر في الإشارة إلى التعالق النصي بينها وبين رواية «فرانكشتاين» لميري شيلي، التي وصفها كنصٍّ غائب أو مرجعي أو موازٍ لنص أحمد سعداوي الذي اعتمد على مفهوم التناص وامتصاص الفكرة الأساسية، وكتابة نص جديد تمثّله جيداً و«شغّله» مثلما شغّل برناردشو «بجماليون»، لكن الناقد رأى في رواية سعداوي نصاً غروتسكياً غير أن بطله المركزي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وخلص إلى القول إن «من حق المبدع إعادة إنتاج الأنماط والنماذج البدائية المركبة».
ثمة روايات عراقية سلّطت الضوء على الشريحة المسيحية العراقية، مثل «جثث بلا أسماء» لإسماعيل سكران، و«سابرجيون» لعامر حمزة، و«طشّاري» لإنعام كجه جي. وبالمقابل لم تنل بعض المواقف الفكرية للروائيين العراقيين رضا الناقد فاضل ثامر، مثل «مقامات إسماعيل الذبيح» لعبد الخالق الركابي، و«صيد البط البري» لمحمود سعيد، و«رماد الممالك» لعبّاس لطيف وغيرها من الروايات التي لم تغادر «الوعي القائم» وتصل إلى «الوعي الممكن» الذي يحرض على التاريخ الرسمي ومَنْ يمثله من حُكام ومتجبرين.
ركزت بعض الدراسات على أنماط الحكاية الإطارية، كما التفتت دراسات أخرى إلى الوصف، والتبئير، وشعرية الماء، ولعل أبرز ما فيها رواية «الصليب حلب بن غريبة» لفهد الأسدي الذي كرّس نفسه للهور على الرغم من أن هذه الرواية تنتمي إلى الواقعية النقدية، وأن بطلها ينتقم من كل المظالم التي يتعرض لها الإنسان المسحوق عبر التاريخ. وفي الختام لا بد من القول إن هذا الكتاب يشكِّل إضافة نوعية للتعالق الإيجابي بين التاريخ والسرد بأشكاله المتعددة.



واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».


«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».


آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».