أحمد عنقاوي وفن «المنجور»... عشق وحرفة وفن

الفنان السعودي تعاون مع المتحف البريطاني لتصميم نوافذ جناح الفن الإسلامي على طراز مباني مكة القديمة

أحمد عنقاوي أثناء عمله
أحمد عنقاوي أثناء عمله
TT

أحمد عنقاوي وفن «المنجور»... عشق وحرفة وفن

أحمد عنقاوي أثناء عمله
أحمد عنقاوي أثناء عمله

الفنان السعودي أحمد عنقاوي اتخذ لنفسه خطّاً مميزاً عن فناني جيله، فقد صبَّ اهتمامه على التراث والتصميم ولا غرابة أن يتبنى الفنان الشاب هذين المجالين؛ فهو ابن عاشق التراث سامي عنقاوي، الذي عبَّر عن عشقه لتراث منطقة مكة المكرمة المعماري ببناء منزله في جدة على ذلك الطراز الأصيل، ومن ناحية أخرى فقد درس أحمد عنقاوي التصميم الصناعي والهندسة ثم صقل ذلك بدراسته في مدرسة الأمير للفنون التراثية بلندن حيث حصل على درجة الماجستير.
الحديث مع أحمد عنقاوي يأخذنا في أكثر طريق؛ فمن الحرف التراثية وفن نسج الخشب على الطراز الحجازي إلى الفلسفة إلى الهندسة ثم إلى التاريخ وغيرها. ويأتي حديثنا في جو مفعم بالفنون الإسلامية والتراثية التي يتبناها عنقاوي، وذلك في جناح الفن الإسلامي المفتتح حديثاً في المتحف البريطاني بلندن حيث قام عنقاوي بتصميم وتنفيذ النوافذ الخشبية على الطراز التقليدي للمدن الإسلامية قديماً. أجري حواري معه تحت شبكة من الخشب المغزول ببراعة وحرفية، وهي تمثل نموذجاً لما كانت عليه نوافذ المباني في مكة وجدة ويطلق عليها اسم «الروشان»، وهي من تصميم وتنفيذ عنقاوي.
- البداية مع فن «المنجور»
أسأل عنقاوي عن حرفة «المنجور» التي تبناها بحب وتفانٍ كبيرين، وهي حرفة تاريخية مندثرة استخدمت كثيراً في الماضي لصناعة سواتر خشبية جميلة للنوافذ اتخذت أسماء مختلفة، مثل «الرواشين» في مكة المكرمة و«المشربية» في مصر، أتساءل: ما قصته مع ذلك الفن وتلك الحرفة؟ يقول: «كنتُ دائماً ما أحرص خلال سفري لمصر أو المغرب على التمعُّن في هذا الفن الذي يوجَد في عدد من مدننا في جدة التاريخية وفي المدينة ومكة، وكنت أحرص على المشي في الأزقة وملاحظة الحرفيين في عملهم». يعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لبداية الشغف بالخشب، ويقول: «كانت بدايتي بعد عودتي من دراسة الهندسة الصناعية. وقتها أحسستُ بأن هناك شيئاً أقدم في مجال التصميم، وأردتُ أن أعود لأصل الصنعة، وأن أركِّز على منتج واحد وأن أعرف عنه كل ما يمكن معرفته».
أحمد عنقاوي عاش في منزل يعشق التراث والتاريخ، وذلك بفضل والده المعماري سامي عنقاوي، ويتذكر نشأته: «وُلدتُ في بيت به دائماً حرفيون من المغرب ومن مصر قاموا ببنائه، وكنت موجوداً معهم دائماً وتأثرتُ بهم كثيراً»، بفضل مولده في مكة ونشأته في جدة عاصر عنقاوي المباني القديمة المتميزة بتلك السواتر الخشبية على النوافذ والمنفذة بحب وتفانٍ وفن، سحرته تلك النماذج بديعة التنفيذ وأيضاً العملية في استخدامها لحماية خصوصية أهالي البيوت وأيضاً لحجب الشمس وإدخال الهواء للبيوت. يقول: «على الرغم من أن الناس دائماً يتحدثون عن (الرواشين)، فإنه للأسف لا يوجد توثيق مكتوب عنها».
يركز عنقاوي حرفته على تفصيلة في النقر على الخشب يسميها «المنجور»، ويشرح لي أكثر معنى الكلمة: «يقال لهذا الأسلوب في تكوين الخشب (المنجور)، وأحياناُ يُطلَق عليه (المنقور) من نجر أو نقر الخشب، ويمكنك ملاحظة تفاصيله في بعض (الرواشين) في جدة التاريخية، مثل بيت نصيف. (المنجور) يُعتَبر جزءاً من المعمار التراثي الذي استخدم في بيوت مكة وجدة قديماً لإدخال الإضاءة الطبيعية والهواء النقي للمباني».
يجسد فن «المنجور» بالنسبة لعنقاوي فكرة الخصوصية وفكرة «الستر»، «مثل العباءة أو الملبس، هو المرادف في العمارة، فالستائر الخشبية المنفَّذة بفن (المنجور) تفصل بين مكانين، وتعطي خصوصية، كما أنها تحافظ على مظهر جمالي أخَّاذ من الخارج والداخل». تبدو المباني القديمة مصممة ومعدة بشكل بسيط لمواجهة الطقس أيضاً، فالستائر الخشبية (الرواشين) تضاف إلى وظائفها الحماية من حرارة الطقس «الخشب ميزته امتصاص الحرارة، وملاحظ في بيوت جدة التاريخية أن أغلبها كان مبنياً من الأخشاب».
بالنسبة لعنقاوي الذي تفرغ لإحياء تلك الحرفة الآتية من التاريخ، فـ«المنجور» الذي أبدعه الحرفيون في «رواشين» مكة وجدة يختلف عن أساليب معمارية وزخرفية مماثلة استُخدِمت في بلدان عربية مجاورة ويضيف: «(المنجور) مختلف عن مثيله في النوافذ الخشبية في ثقافات أخرى في الهند وفي اليابان أيضاً وحتى عن (المشربية) في مصر، يتفق معها في الوظيفة ويختلف في الشكل والتصميم».
- المنجور وطموح الفنان
تجذَّرَت فكرة الفن التراثي لدى أحمد عنقاوي وانتقلت له من والده سامي عنقاوي الذي درس العمارة الحجازية في مرحلة الدكتوراه. تبع أحمد خطا والده ولكنه تطلع إلى انغماس أكبر في فنون النقر وتشكيل الخشب، أخذه عشقه لأن يتعلم أسرار الصنعة اليدوية وأن يستمتع باستخدام الإزميل بصبر وتفانٍ لغزل تلك التكوينات المتقاطعة «حُلمي كان دائماً أن يكون عندي مكان أعمل فيه بيدي، وأن يمر الناس علي ويروني أعمل؛ أن تكون هناك حرفة حقيقية وأن يسمع الناس صوت النقر على الخشب». ينقلنا حلم أحمد لمشاهد قد نكون رأيناها في صور قديمة أو من خلال أفلام مصوَّرة لحرفيين يعملون داخل ورشهم في الأحياء القديمة. وبينما يقومون بعملهم اليومي تضج الحياة خارج محلاتهم بحركة المارة والبيع والشراء، يبدو بالفعل حلماً من الماضي، ولكن أحمد يملك الكثير من العزيمة ليحاول إعادة تلك المشاهد للأحياء القديمة في جدة.
يدافع عن حلمه بالإشارة إلى خزائن العرض حولنا في قاعة الفن الإسلامي بالمتحف البريطاني، التي تضم نماذج من إبداعات الحرفي المسلم المصنوعة من الزجاج والنحاس والخشب وغيرها ويقول: «جميع الحرف التي ترينها هنا حولنا في المتحف كانت تُصنع بآخر التقنيات الموجودة في ذلك الوقت، وبأحسن المواد والحرفيين الموجودين في وقتها، علينا الآن أن نحاول إحياء هذه الحرفة، ولكن بالإضافة لها واستخدام أفكار التصميم الحديثة وأدوات التكنولوجيا لتطويرها».
يعرف أن الحرف التراثية تحولت إلى تذكارات سياحية، وهو أمر يرحب به ولكنه يتطلع لما هو أكثر: «حاولتُ من ناحيتي التغيير قليلاً، وأن أجعل الحرفة تواكب العصر الآن». الجدير بالذكر أن عنقاوي استخدم «المنجور» في تصاميم عصرية لمنتجات يمكن استخدامها عملياً، مثل الطاولات والإطارات الفنية والمقاعد وغيرها وعرض بعض تصميماته في معارض التصميم في المملكة وخارجها.
- من نوافذ مكة لقاعات المتحف البريطاني
سنحت الفرصة له لإعادة تصميم سواتر خشبية (رواشين)، مثل التي تُعلق بها في المباني القديمة في مكة وجدة، وذلك عندما اتصلت به فينيشيا بورتر رئيسة قسم فنون الشرق الأوسط بالمتحف البريطاني تطلب منه تصميم سواتر خشبية مزخرفة لنوافذ جناح الفن الإسلامي الجديد بالمتحف، يضيف عنقاوي أن بورتر شرحت له أن المسؤولين بالمتحف يريدون توظيف الإضاءة الطبيعية في صالات العرض.
رأى الفنان الشاب في تلك المهمة فرصة لـ«عرض تلك الحرفة التي بدأت من مكة المكرمة» في قاعات المتحف البريطاني. وتعامل الفنان مع المهمة على أنها فرصة أيضاً لإضافة حرفة «حية» للمتحف لتضيف للحرف الأخرى التي تتجلى في المعروضات من جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويضيف: «أردت أن أدخل حرفة (المنجور) الموجودة عندنا، التي أعمل على إحيائها وعودتها لتأخذ مكانها في المتحف البريطاني إلى جانب معروضات تمثل حرفاً مماثلة معظمها اندثر. بدأت العمل على نوافذ القاعات وأحسست أن المسؤولية كبيرة لأن أبيِّن للزوار الحرفة الأصيلة، وفي الوقت نفسه أبرهن على أننا نستطيع الابتكار والتجديد فيها، فكان أكثر من تحدٍّ».
- تصميم يحمل من المعاني أكثر مما تراه العين
استخدم عنقاوي في تصميمه لسواتر نوافذ المتحف البريطاني نوعاً من الأخشاب المستخدمة في أوروبا، وهو خشب الجوز، وقام بعمل دراسات على تحليل نسب الضوء التي ستتسلل من فتحات الخشب، وأشار إلى أن تصميماته لم تركز فقط على الشكل الجميل للنوافذ ولكن أيضاً على الوظيفة والمعنى الذي يمكن أن تتضمنه تلك التكوينات الخشبية: «هي خمس نوافذ وفكرت أن يكون هناك خط يربط بينها، فكرت في تراث الفنون الإسلامية التي تدمج بين مفاهيم الجسم والعقل والروح. وكان توزيع النوافذ في القاعات موحياً، فعملت على أن أعكس الحوار بين القلب والعقل كما في قوله تعالى: (قلوب يعقلون بها) في نافذتين متقابلتين، وأحببت أن يكون هناك حوار فني بين النافذتين، فالجالس على المقعد الخشبي أسفل النافذة التي تعبر عن القلب يمكنه النظر للنافذة المقابلة، التي تمثل العقل، وبالعكس. وعلى المنوال ذاته، اخترت أن تكون النافذتان المتجاورتان بمثابة الرئتين، وهم أكثر النوافذ في المكان إدخالاً للضوء، ورأيتُ في بعض الرسومات التاريخية لـ(الرواشين) رسمة اسمها (نفس المؤمن)، وهي عبارة عن الشكل الثماني الأضلاع. يُمكن تغيير أحد أضلاعه ليصبح معاكساً، مثل الشهيق والزفير».
بالنسبة له فالتصميم يحمل من المعاني أكثر مما تراه العين «حرصتُ على الرمزية في التصميم، فعلى سبيل المثال ضمَّنت التصميم رمزاً مهدى لوالدي. بالنسبة للنافذة التي تمثل القلب هي متشابهة مع النافذة التي ترمز للعقل، ولكنني أضفت إطاراً حول التصميم في نافذة العقل، وذلك في إشارة إلى أن العقل يتحكم في المشاعر ويعقلها بإطار». وبما أن الستائر الخشبية وتنويعاتها على العمارة المكية مقامة في موقع غربي، فكان من اللازم أن يضع الفنان في اعتباره الاندماج بين كل العناصر ويقول: «تصميم النوافذ إنجليزي فيكتوري (ساش ويندو)، وحرصتُ على أن أحترم الثقافة المحلية مثلما فعلت الحضارة الإسلامية التي احترمت الثقافة المحلية لكل مكان دخلته وبَنَت عليها».
- حلم التوثيق في لائحة «اليونيسكو»
بجهد منفرد يعمل عنقاوي؛ يقيم ورش العمل في جدة القديمة، ولكنه يقول إن هناك القليل ممن يعرف عن «المنجور» وتفاصيل الحرفة والمصطلحات الخاصة بها: «للأسف، لم أجد مَن يعمل في هذه الحرفة تحديداً»، ويحاول من جانبه تطبيق الأسلوب العلمي وما تعلمه في مدرسة الأمير للحرف التراثية بلندن لعمل أشكال وتصميمات جديدة مبنية على الأشكال الأصلية لـ«المنجور»، ويقول مشبهاً فنَّ التعامل مع الخشب باللغة: «أحسستُ بأنني يمكنني أن أُبدِع، فلديَّ اللغة، وأستطيع تشكيل كلمات مختلفة باستخدام الأحرف ذاتها».
من ناحية أخرى، يعمل عنقاوي على توثيق كل ما يوجَد عن «المنجور»، ويقول إن ذخيرته من الأبحاث يمكن أن تكون «مرجعاً للطلاب والباحثين»، وإن طموحه يتجاوز ذلك، ويتمنى أن يكون ذلك البحث نواة لملف تسجيل «المنجور» في قائمة «اليونيسكو» للتراث المعنوي.
عن عملية البحث والتوثيق يقول: «بدأتُ أقرأ ووجدتُ بعض الكتب عن الحرف التي كانت موجودة في مكة وجدة، وجدت معلومات عن أول نقابة للحرفيين، وكان هناك احترام للحرفة وكان هناك شيخ للحرفة، قررتُ أن أكون أنا ذلك الحرفي، في داخلي يوجد حرفي، وبدأت أشتغل بنفسي، أريد أن أكون صانعاً وأمتهن (الصنعة) لأصل لمستوى ومهارة الحرفي».
يحلم عنقاوي بالكثير ولديه خطط كثيرة للمستقبل، ولكن تبقى حرفة «المنجور» هي الأساس: «أريد العودة وتكوين ورشة صغيرة في جدة التاريخية، وأن أدرس هذه الحرفة»، ربما لن تكون تلك الورشة هي الأولى لعنقاوي؛ فقد أقام ورشة لـ«المنجور» ولكن في حي هاكني بلندن حيث قام بتنفيذ نوافذ جناح الفن الإسلامي، يشير إلى أن عمله في تلك الورشة جذب اهتمام المارة، ويعرض لي مقطع فيديو له وهو يمسك بالإزميل ويقوم بالنقر والحفر على خلفية تسجيل صوتي للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وأرى حلمه قريباً جداً من التحقق في حارة بجدة التاريخية حيث ينتمي «المنجور» و«الروشان».



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.