الـ «هوت كوتير».. الرغبة في التفرد أساسها والفخامة عنوانها

الـ «هوت كوتير».. الرغبة في التفرد أساسها والفخامة عنوانها
TT

الـ «هوت كوتير».. الرغبة في التفرد أساسها والفخامة عنوانها

الـ «هوت كوتير».. الرغبة في التفرد أساسها والفخامة عنوانها

الترجمة الحرفية لـ«هوت كوتير» هي الخياطة الرفيعة، أما بمعناها المتعارف فهي الموضة في أحلى وأغلى حالاتها، لأنها ببساطة تختزل فن الخياطة التي لا يبخل عليها المصممون بأي شيء يمكن أن يضفي عليها التفرد والتميز حتى يبرروا أسعارها النارية.
ولد مفهوم الـ«هوت كوتير» في باريس في القرن التاسع عشر، ليس على يد فرنسي، بل على يد خياط إنجليزي هو تشارلز فريدريك وورث. في الأساس وجهها للطبقات الأرستقراطية، وسيدات البلاط الفرنسي اللواتي كن يردن فساتين تميزهن عن باقي السيدات بغض النظر عن سعرها والجهد الذي يبذل فيها. ولا يزال هذا ما يحدد هذا المجال: فساتين فريدة من نوعها بتصاميم لا تتكرر، تمنح صاحبتها شعورا بقيمتها وقيمة ما تلبسه من جهة، ولا تضعها في موقف حرج في حالة إذا ما حضرت سيدة أخرى نفس المناسبة بنفس الفستان، من جهة ثانية.
لا يزال الكثيرون يعتبرون هذا المجال بمثابة ناد نخبوي جدا، لا تدخله إلا القليلات، كما لا يتجرأ على الخوض فيه سوى مصممين بارعين ومنتقين بعناية من قبل «فيدرالية الموضة الفرنسية»، وهي المنظمة المسؤولة عن أسابيع الموضة الباريسية عموما، والـ«هوت كوتير» خصوصا. فهذه الأخيرة تلعب دور شرطة الموضة بعدم سماحها لأي كان، بأن يحصل على لقب «كوتيرييه» أو خياط بمستوى رفيع من دون أن يستوفي كل شروطها. شروط غير معقدة لكنها تضمن استمرارية المهنة ونخبويتها في الوقت ذاته، ومنها أن تكون للمصمم خبرة طويلة في التفصيل على المقاس، وأن يكون له معمل أو ورشة عمل في باريس، توظف ما لا يقل عن 20 حرفيا، كما يجب أن يقدم تشكيلتين في العام، الأولى لموسمي الربيع والصيف، والثانية لموسمي الخريف والشتاء. ونظرا للحرفية العالية التي تتطلبها كل قطعة والوقت الذي تستغرقه ويقدر بأكثر من 700 ساعة في بعض الحالات، فإنه ليس مستبعدا أن يعكف على تنفيذها نحو عشرين شخصا في الوقت نفسه لإتمام كل تفاصيلها المترفة في الموعد المحدد. وهذا ما يبرر سعرها، الذي يقدر بنحو 8000 جنيه إسترليني لقطعة بسيطة للنهار، وأكثر من 70.000 لفستان سهرة أو زفاف، حسب نوعية القماش المستعمل والترصيعات والتطريزات التي تدخل فيه. ويقال إن بعض الفساتين قد تصل إلى الملايين. وتتعامل أغلب بيوت الأزياء مع ما يعرف بالأنامل الناعمة، وهي خياطات محترفات في جانب من الجوانب، سواء الخياطة أو التطريز أو الترصيع وما شابه من تفاصيل يسهرن عليها بسعة صدر حتى تخرج بالشكل المطلوب والمنتظر. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن عددهن يقدر بـ2.200 خياطة في فرنسا، وأهم ما يتميزن به الصبر وعين ثاقبة ويد ثابتة، عدا عن ولاء شديد للدار التي يعملن فيها. فقد تبدأ الواحدة العمل في سن الصبا وتبقى مع الدار نفسها حتى سن التقاعد.
في التسعينات تسرع البعض بنعي هذا القطاع، على أساس أن جيل العضوات المنضويات فيه بدأ يختفي وعددهن يتقلص، إما بسبب تقدمهن في العمر أو بسبب الأزمات الاقتصادية التي توالت على العالم، وعصفت بزبونات الولايات المتحدة الأميركية تحديدا. لكنه في السنوات الأخيرة شهد انتعاشا منقطع النظير، بفضل جيل جديد من الزبونات المتعطشات للتفرد من أسواق جديدة مثل روسيا، والصين، ومنطقة الشرق الأوسط. وإذا كن في الشرق الأوسط قد ورثن حب الـ«هوت كوتير» عن أمهاتهن وجداتهن، فإنهن في روسيا والصين جديدات على هذا المجال ويردن أن يثبتن إما قدراتهن الشرائية أو ذوقهن بشراء كل ما غلا ثمنه واستعصى على الآخرين الحصول عليه. بالإضافة إلى إدراك بعضهن أن بعض هذه الفساتين يمكن أن تصبح في يوم من الأيام قطعا نادرة تباع في المزادات بسعر مضاعف، تماما مثل الجواهر أو اللوحات الفنية. هذا الجيل الجديد من الزبونات، بالإضافة إلى تطورات أخرى، على رأسها تطور وسائل التنقل، ساعد أيضا على ولادة أساليب جديدة للتسويق. فبعد أن كان مفروضا على الزبونة أن تحضر إلى باريس ما لا يقل عن ثلاث مرات، لأخذ المقاسات وإجراء البروفات والرتوشات قبل حصولها على القطعة، أصبح من الممكن ألا تخرج من عقر بيتها وتحصل على ما تريد، وذلك بأن تختار ما يروق لها من على شاشة فيديو، والاتصال بالمصمم بعد العرض مباشرة، الذي يرسل لها خياطة تقوم بكل اللازم.
وقد أكدت هذه الاستراتيجية نجاحها، بدليل أنه، إلى عهد قريب، لم يكن متوقعا أو مفترضا في الـ«هوت كوتير» أن تحقق الكثير من الأرباح على أساس أنها «برستيج» يعكس صورة الدار وبريقها، وكل ما هو مطلوب منها ألا تسبب أي خسائر مادية كبيرة، إلا أنها، وحسب الكثير من بيوت الأزياء الكبيرة، أصبحت بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا. سيدني توليدانو، الرئيس التنفيذي لدار «ديور» مثلا، صرح بأنها تشكيلات «ديور كوتير» الأخيرة، سواء تلك التي صممها بيل غايتون، المصمم الذي خلف جون غاليانو لفترة قصيرة، أو راف سيمونز، مصممها الحالي، تحقق الكثير من الأرباح. وأضاف أن المشكلة التي واجهها في الموسم الماضي هي ما إذا كان بالإمكان تلبية كم الطلبات التي انهالت عليها من كل صوب، فهناك حدود للقوة الإنتاجية خصوصا أن إيجاد أنامل ناعمة متخصصة ليس بالأمر الهين والمتاح.
والمثير أنه حتى عقد مضى لم تكن بيوت الأزياء تذكر زبونات من آسيا أو روسيا، لأنها لم تكن تتصور أنهن يمكن أن يتذوقن الـ«هوت كوتير» ويقدرن فنيتها. فالمال الجديد، كما هو متعارف عليه تاريخيا، يميل إلى الاستعراض والتباهي أكثر مما يميل إلى الفنية، لكن الأيام بينت كم كانوا خاطئين. فهؤلاء، وبغض النظر عن الأسباب والحوافز، يستحققن لقب منقذات لهذا القطاع. فحتى إن لم يفهمن أصولها وأبجدياتها ومعانيها الحقيقية، فإنهن استحلين طعمها، وهذا وحده يكفي لإنعاشها. ثم إن الموضة أولا وقبل كل شيء هي تغطية الجسم بشكل يمنح إطلالة خاصة وشعورا بالسعادة وليس من الضروري أن يتعامل معها الكل من منطلق فكري أو فني، وهذا ما بات المصممون يدركونه ولا يستنكرونه.
ومع ذلك، وعلى الرغم من المحاولات المستميتة التي يقوم بها بعض المصممين منذ فترة لإخراجها من عزلتها أو إنزالها من برجها العالي، فإنها كما أكدت لنا خلال أسبوع باريس لخريف 203 وشتاء 2014 الأسبوع الماضي في باريس، بكل بريقه وأناقته وترفه، أنها لا تزال إما من نصيب امرأة ذات إمكانيات عالية، أو من نصيب المجلات البراقة التي تبيع لنا الحلم على أجسام نجمات يتهادين بها في مناسبات السجاد الأحمر.. فحتى المصممون الراغبون في التجديد والتخفيف من غلوها، أثبتوا أنهم لا يستطيعون الانسلاخ عن ثقافتها تماما، خصوصا وأنه أصبح من الممكن أن تحقق الأرباح، بعد أن ظلت لعقود مجرد لوحة فنية تمتع حاسة النظر بالنسبة للأغلبية ممن لا يستطعن إليها سبيلا، ولا تستمتع بجمالياتها وملمسها سوى قلة من النساء المتذوقات والمقتدرات. أكد الأسبوع أيضا أنها لا تزال أولا وأخيرا المنبر الذي يستعرضون فيه قوتهم الحرفية وخصوبة خيالهم. فمسموح لهم هنا بأن يشطحوا بهذا الخيال بعيدا، لأنهم يعرفون مسبقا أن أغلب هذه الأفكار والتصاميم ستترجم فيما بعد في أزياء جاهزة، بعد أن يتم تخفيفها من بعض التفاصيل التي قد يستغرق تنفيذها ساعات طويلة من الزمن وجهود مضنية حتى تأتي القطعة على شكل فستان فريد من نوعه. محاولات المصممين التي تم ذكرها، تتلخص في تصاميم أقرب إلى الأناقة العملية منها إلى الدرامية أو الفانتازية حتى تناسب العصر ومتطلباته، وكل مصمم قام بهذه المهمة بطريقته الخاصة. فقد لعب كارل لاغرفيلد على رموز دار «شانيل» وجاذبيتها، في حين بدا راف سيمونز، مصمم دار «ديور» وكأنه يريد الخروج عن جلباب السيد كريستيان ديور بعض الشيء، بعد أن اكتسب الثقة وحقق النجاح في تشكيلته للموسم الماضي. فقد غابت الدرامية والأنوثة المغرقة في الرومانسية وحلت محلها دراما من نوع جديد وعملي تخاطب كل نساء العالم وتريد أن تدخلهم لعبة الموضة الراقية بسلاسة. أما المصمم الإيطالي جيورجيو أرماني، فأبدع في خطه «أرماني بريفيه» وقدم تشكيلة حالمة كل ما فيها يهمس بالأناقة الراقية والهادئة من خلال ألوان تتباين بين الوردي والبيج والأبيض وتصاميم اختفت فيها المبالغات المسرحية. شملت مجموعة من التايورات المكونة من التنورات وبنطلونات الحرير بالإضافة إلى فساتين سهرة من الدانتيل لم يظهر فيها الأسود إلا في قطع معدودات. بواقعيتها ورقتها، قد تكون هذه أجمل تشكيلة قدمها المخضرم الإيطالي في خطه الراقي حتى الآن.
الفرنسي جون بول غوتييه، قدم بدوره تشكيلة وحشية إلا أنها من أفضل ما قدمه منذ بضع سنوات، شهد فيها بعض التراجع والتذبذب. صحيح أنها تصرخ بنقوشات كائنات الغاب، إلا أن كل ما فيها يشي بحرفية عالية وخيال مبدع، بما في ذلك تسريحات الشعر المطبعة التي كادت تسرق الأضواء من الأزياء لولا تزاوجهما الناجح.
بطلة هذه التشكيلة، التي شملت 43 قطعة، كانت هي النمرة التي ظهرت في معظم الأزياء وكل الإكسسوارات والماكياج تقريبا، من الجوارب إلى المعاطف والجاكيتات والتنورات. وطبعا كان الفرو بالإضافة إلى الريش حاضرين بقوة، ولو في الياقات أو الحواشي.
في عرضي كل من إيلي صعب ودار «فالنتينو» كانت اللغة مختلفة تماما، أكثر نعومة ورقة تلعب على الرومانسية وما تريده المرأة حتى وإن لم تبح به علانية. الأول قدم عرسا إمبراطوريا غنيا بالتطريزات والأقمشة المترفة والتصاميم التي تخاطب مناسبات المساء والسهرة تحديدا. فقد تجاهل مناسبات النهار تماما، بدليل أنه لم تكن هناك قطعة واحدة يمكن أن تناسبه لا من حيث التصاميم أو الأقمشة والتطريزات، فضلا على الأوان التي كانت تستحضر درجات الجواهر المتوهجة مثل ألوان الياقوت والزمرد والماس وغيرها. ورغم تنوع التصاميم، على الأقل تفاصيلها مثل الياقات المستديرة أحيانا، والمفتوحة أحيانا أخرى، أو التفاصيل المطرزة على الظهر وما شابه، فإن الذي سرق الأضواء هو فستان العروس المطرز بالكامل بالترتر والخرز والذي احتاج إلى ثلاث وصيفات ليحملن ذيله الطويل. هذه الفخامة لم تغب أيضا في دار «فالنتينو» التي قدم فيها الثنائي ماريا غراتسيا تشيوري وبيير باولو بيكيولي فساتين ومعاطف قالا إنها تتضمن الكثير من المفاجآت بلعبهما على الرقة والقوة في الوقت ذاته. الرقة في التصاميم والألوان والتطريزات، والقوة في استعمالهما لأول مرة أقمشة رجالية نجحا في حقنها بجرعة أنثوية مثيرة.
* جون بول غوتييه يثأر لنفسه ويرد على انتقادات تيم بلانكس برسالة مفتوحة
* رغم أن معظم المتابعين لأسبوع الموضة الباريسي الأخير اتفقوا أن جون بول غوتييه استعاد عافيته بعد مواسم عادية جدا لم يقدم فيه جديدا أو مثيرا، فإن تيم بلانكس، محرر الأزياء المعروف في موقع «ستايل دوت كوم»، كان له رأي آخر؛ فقد اعتبر العرض باهتا لم يعبر عن قوة لا في الأفكار ولا في الإخراج، الأمر الذي أثار حفيظة المصمم الفرنسي واعتبره نقدا شخصيا أكثر منه مهنيا.
وفيما يشبه السيناريو الذي حصل في العام الماضي بين كاثي هورين محررة أزياء صحيفة «نيويورك تايمز»، وإيدي سليمان مصمم دار «سان لوران»، الذي لم تعجبه انتقاداتها ورد عليها برسالة مفتوحة اتهمها فيها بالتحيز لراف سيمونز مصمم دار «ديور» ووصفها بالتنمر - قام جون بول غوتييه بالمثل، وأرسل عبر «تويتر» رسالة مفتوحة للمحرر المعروف. ومع أن ردة فعل كل من المصممين غوتييه وسليمان واحدة تقريبا، وهي الاستنكار والرغبة في الدفاع عن النفس، إلا أن الطريقة التي كتب بها غوتييه رسالته جاءت مختلفة عن تلك التي كتبها مصمم دار «سان لوران» الجديد، من ناحية أنها عبرت عن برودة أعصاب مصحوبة بالحجة.
الانتقاد الذي أثار حفيظته، على ما يبدو، كان رأي تيم بلانكس بأن العهد الذي كان يتوقع فيه الناس أن يصبح غوتييه ملك الموضة الفرنسية قد ولى من دون رجعة، وبأن مشاركة نبيلة بيناتيا، وهي فتاة من أصول مغاربية فازت في برنامج واقع في فرنسا وشغلت العالم بتعليقاتها التي تنم عن سذاجة بالغة تميل إلى الجهل أحيانا، رخصت العرض.
جون بول غوتييه رد قائلا في رسالته: «عزيزي تيم، في وقت مضى كنت تحب عروضي، لكن ذلك الوقت ولى على ما يبدو، وأنا أحترم ذلك. لكن في الوقت ذاته، فإن تيم بلانكس الذي أعرفه سابقا، لم يكن ليكتب بهذه الطريقة العدوانية التي تميل إلى الشخصي أكثر منها إلى الموضوعي والمهني، فأنا دائما أستعين بفتيات من كل الطبقات الاجتماعية والمستويات، ووصفك لأي شخص بأنه من مستوى متدنٍّ، هو برأيي رخيص. في المستقبل، وعوض أن تشعر بالملل في عروضي، يمكنك استغلال وقتك في مكان آخر، مثلا أن تقرأ عن تاريخ الموضة لتوسع آفاقك وتعرف أن الفستان المكون من عدة طبقات من الموسلين (ميل فوي) مثلا، لا يستحضر (سان لوران)، بل كان مستلهما من فستان صممته نينا ريتشي في عام 1967 تكريما لجيرار بيبار الذي توفي أخيرا. أما إذا انتابك بعض الحنين للوقت الذي كنت تعتبرني فيه وريث عروض الموضة الفرنسية، فأقترح عليك أن تزور معرضي الخاص باستوكهلم، الذي سيحط قريبا في بروكلين ثم لندن. وأتمنى لك زيارة ممتعة».
تجدر الإشارة إلى أن كلا من كاثي هورين وتيم بلانكس، من أهم محرري الأزياء في الساحة حاليا، والسؤال حاليا: هل هناك حدود للنقد فعلا؟ بمعنى أن هناك خطا رفيعا بين الشخصي والمهني، أم أن مصممي الأزياء لم يعودوا يتقبلون الرأي الآخر ويشعرون أن من حقهم الدفاع عن أنفسهم، خصوصا أنهم أكثر من يعرف الجهد الذي بذلوه لتنظيم عروضهم والوقت الذي استغرقه كل فستان حتى يأتي بصورة تعبر عن رؤيتهم.



الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.