روايات مروعة عن التعذيب في سجون الحوثيين

توثيق أكثر من 18 ألف معتقل لدى الميليشيا خلال 4 سنوات بينهم 1000 تم تعذيبهم في شبكة للسجون السرية

ناشط يمني في منزله بعد أن أصبح مشلولا من جراء التعذيب الذي وقع عليه من الحوثيين (أ.ب)
ناشط يمني في منزله بعد أن أصبح مشلولا من جراء التعذيب الذي وقع عليه من الحوثيين (أ.ب)
TT

روايات مروعة عن التعذيب في سجون الحوثيين

ناشط يمني في منزله بعد أن أصبح مشلولا من جراء التعذيب الذي وقع عليه من الحوثيين (أ.ب)
ناشط يمني في منزله بعد أن أصبح مشلولا من جراء التعذيب الذي وقع عليه من الحوثيين (أ.ب)

كان فاروق بعكر قيد الخدمة في مستشفى الرشيد حال وصول رجل ينزف بشدة إلى غرفة الطوارئ في المستشفى مصاباً بأعيرة نارية، وتبدو عليه علامات تعذيب بدني واضحة. ويبدو أنه تعرض للجلد بالسياط على ظهره مع تعليق جسده من رسغيه لأيام عدة.
وعلم بعكر أن ذلك المريض قد ألقي به على جانب إحدى الطرق السريعة بعد احتجازه لفترة غير معلومة في أحد السجون التي يديرها المتمردون الحوثيون الذين تسيطر قواتهم على شمال اليمن.
وأمضى بعكر ساعات عدة محاولاً نزع الرصاصات من جسد الرجل وعلاج أمعائه التي تمزقت. وتوقع أن يستعيد الرجل المريض عافيته في غضون 80 يوماً على أقل تقدير، ووافق في نهاية الأمر على التقاط صورة شخصية معه.
وبعد أسابيع عدة، اعتقل مسؤولو الأمن الحوثيون الرجل مرة أخرى، وفتشوا هاتفه المحمول ليعثروا على تلك الصورة. ومن ثم جاؤوا إلى المستشفى بحثاً عن فاروق بعكر.
اقتحم رجال الميليشيات الحوثية مبنى المستشفى، وعصبوا عيني بعكر، ونقلوه إلى موضع مجهول باستخدام شاحنة نقل صغيرة. ونظراً لأنه قدم الرعاية الطبية لأحد أعداء الميليشيات الحوثية، كما قالوا له، فإنهم يعدّونه من جملة الأعداء كذلك. ومن ثم، قضى فاروق بعكر عاماً ونصف العام في السجون الواقعة ضمن الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن. وقال: إنهم أحرقوه بالنار، وضربوه بشدة، وقيّدوه إلى السقف من رسغيه لمدة 50 يوماً متتالية حتى ظنوا أنه فارق الحياة. يعد فاروق والرجل المريض من بين آلاف المواطنين الذين تعرضوا للسجن على أيدي الميليشيات الحوثية المسلحة خلال السنوات الأربع الماضية. وتعرض الكثيرون منهم، كما ظهر في التحقيق الصحافي الذي أجرته وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية، إلى التعذيب البدني الشديد: من تحطيم وجوههم بالهراوات، أو تعليق بواسطة السلاسل المعدنية من المعصم، أو من أعضائهم التناسلية لمدة أسبوع في إحدى المرات، فضلاً عن حرقهم باستخدام المواد الكيميائية الحارقة.
تحدثت وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية مع 23 شخصاً ممن قالوا إنهم نجوا من التعذيب أو كانوا شهود عيان عليه في مواقع الاحتجاز الحوثية، كما تحدثت الوكالة مع 8 من أقارب المعتقلين، و5 من المحامين والنشطاء الحقوقيين، و3 من ضباط الأمن المشاركين في عمليات مبادلة السجناء الذين قالوا: إنهم شاهدوا علامات تعذيب بدني واضحة على أجساد السجناء المطلق سراحهم.
تؤكد هذه الروايات على أهمية اتفاق تبادل السجناء الذي تم التوصل إليه أول من أمس (الخميس) مع بدء محادثات السلام تحت رعاية الأمم المتحدة في السويد بين المتمردين الحوثيين والحكومة الشرعية اليمنية.
ووافق الطرفان، كإجراء من إجراءات بناء الثقة المتبادلة، على إطلاق سراح آلاف السجناء، على الرغم من أنه لا يزال يلزم الاتفاق على جملة من التفاصيل المعنية. لكن، في حين أن الشرعية قد أعلنت عن إطلاق سراح المعتقلين الحوثيين المحتجزين لديها، فمن شأن المتمردين أن يطلقوا سراح المدنيين على غرار فاروق بعكر، الذين تعرضوا للسجن ضمن حملات وحشية تهدف إلى قمع وإخماد المعارضة واحتجاز الأسرى الذين يمكن تحريرهم لقاء الحصول على الفدى المالية، أو مبادلتهم مقابل عناصرهم المحتجزين لدى الطرف الآخر.
وعمل «اتحاد أمهات المختطفين»، وهو جمعية نسوية لأقارب المعتقلين لدى الميليشيات الحوثية، على توثيق أكثر من 18 ألف معتقل لديهم خلال السنوات الأربع الماضية، بما في ذلك ألف حالة من حالات التعذيب الشديد في شبكة السجون السرية التابعة للحوثيين، وذلك وفقاً إلى صباح محمد، ممثلة الاتحاد المذكور في مدينة مأرب.
وقال «اتحاد الأمهات»: إن هناك 126 معتقلاً على الأقل قد لقوا حتفهم جراء التعذيب الشديد منذ استيلاء الميليشيات الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء في أواخر عام 2014.
وكانت الميليشيات الحوثية تستخدم المساجد، والقلاع القديمة، والكليات، والنوادي، وغيرها من المنشآت المدنية الأخرى، كمراكز استقبال مبدئية لآلاف المعتقلين قبل نقلهم إلى شبكة السجون الرسمية لدى الحركة؛ وذلك وفقاً لشهادات الضحايا وإفادات وكالات حقوق الإنسان. وعمل «اتحاد أمهات المختطفين» على إحصاء 30 موقعاً من السجون السرية التابعة للحركة في العاصمة صنعاء وحدها.
ولقد نفى قادة التمرد الحوثي من قبل ضلوع قواتهم في ممارسات التعذيب، على الرغم من أنهم التزموا الصمت المطبق حيال طلبات وكالة «أسوشييتد برس» المتكررة للتعليق على الأمر في الأسابيع الأخيرة.
وقالت ما يسمى وزارة حقوق الإنسان التابعة للمتمردين في بيان صادر عنها أواخر عام 2016: إنه «لا توجد سياسة أو تطبيق ممنهج للتعذيب بحق السجناء لدى الحركة». وأضافت الوزارة الحوثية في بيانها تقول: إنها والمدعين العامين يعملون دائماً على «ضمان حقوق السجناء وتوافر كافة الضمانات القانونية لهم من أجل المحاكمات المنصفة وتحقيقاً للعدالة». وكانت الانتهاكات التي يرتكبها الحوثيون أقل ظهوراً لدى العالم الخارجي، حيث عمل المتمردون دوماً على إخماد المعارضة وإسكات الصحافيين والمراسلين.
كان أحد السجناء السابقين لدى المتمردين الحوثيين، من الذين تحدثوا إلى وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية، يعمل مدرساً من مدينة ذمار الشمالية، وقد فر هارباً إلى مدينة مأرب الخاضعة لسيطرة القوات المعارضة للحركة الحوثية المتمردة في البلاد. ولقد طلب ذكر اسمه الأول فقط «حسين»؛ لأنه يخشى على سلامة أسرته الذين لا يزالون يعيشون في أراضي المتمردين.
وكان حسين محتجزاً لدى المتمردين لمدة 4 أشهر و22 يوماً في زنزانة تحت الأرض. وكان معصوب العينين طوال فترة احتجازه، غير أنه حاول حساب عدد الأيام باتباع آذان الصلاة يومياً. وخلال فترة احتجازه هناك، كما قال، تعرض للضرب المبرح بالقضبان الحديدية على أيدي محتجزيه، الذين قالوا له إنه سوف يموت في سجنه هذا، وأخبروه «اكتب وصيتك يا هذا» فسوف تموت قريباً.

- دموع من دم
في عام 2016 اعترفت جهات حوثية بارتكاب وقائع تعذيب. وشكّل يحيى الحوثي، شقيق زعيم الحركة، لجنة للتحقيق في تلك التقارير الإخبارية التي تؤكد ارتكاب انتهاكات وتعذيب واحتجاز مفتوح المدة، كما ساعد على تحرير 13500 سجين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ذلك العام.
وأرسلت اللجنة المذكورة تقريراً مصوراً إلى عبد الملك الحوثي، زعيم الحركة، يعرض مشاهد لعنابر السجون المكتظة بالمعتقلين، والسجناء المصابين، إلى جانب شهادات من شخصيات حوثية لها ثقلها في الحركة. ولم تصدر أي استجابة من قبل عبد الملك الحوثي على هذا التقرير. بدلاً من ذلك، قام عدد من مسؤولي الأمن في الحركة بوقف عمل اللجنة، وخضع اثنان من أعضائها للاحتجاز المؤقت.
ولم يخرج ذلك التقرير المصور إلى المجال العام، غير أن وكالة «أسوشييتد برس» قد تمكنت من الحصول على نسخة منه، وهو يحتوي على اعترافات مثيرة للذهول من شخصيات حوثية بارزة بشأن الانتهاكات المشار إليها. وقال أحد أعضاء اللجنة معلقاً في التقرير: «إن ما رأيناه ليدفعنا للبكاء بدموع الدم».

- ساعدوني
كانت الشهور القليلة الأولى في أي موقع اعتقال تابع للحوثيين هي الأسوأ في المعتاد، كما يقول السجناء السابقون، وهي التي تشهد أساليب التعذيب والانتهاكات الارتجالية من جانب المتمردين الحوثيين.
يحاول أنس السراري استعادة وعيه شيئاً فشيئاً في ذلك الدهليز المظلم داخل سجن الأمن السياسي في العاصمة صنعاء. وكان المعارض البالغ من العمر 26 عاماً تعرض لوحشية من عناصر الحركة الحوثية، ممسكاً برأسه بكلتا يديه المتورمتين ورسغيه المجروحين، مع ومضات شرسة من شهور التعذيب المروع تتسابق إلى ذهنه.
كان يتناول الذرة المشوية عندما اختطفته الميليشيات الحوثية من أحد الشوارع الرئيسية في صنعاء صباح أحد الأيام من سبتمبر (أيلول) لعام 2015.
ويتذكر أنه ظل معلقاً لمدة 23 يوماً كاملة من رسغيه المقيدين إلى السقف في غرفة الاستجواب ذات الرائحة الخانقة؛ حتى تسلل الخدر إلى أصابعه وذراعيه وأغلب مواضع جسده. وبدأت الأصفاد في شق رسغيه بشدة، وحاول الاستناد إلى أصابع قدميه عله ينال بعض الراحة.
وقال متذكراً تلك الأوقات العصيبة: «لا بد أن الموت أقل إيلاماً من ذلك التعذيب المستمر دون توقف. كنت سألقي حتفي لا محالة لو استمر الأمر ساعة أخرى».
كان السجانون يحررونه من أصفاده لمدة ساعتين يومياً. وكان يقتات على خبز جاف، وبعض من الخضر والأرز القذر المضمخ بالحشرات. وعندما منحوه بعض الزبادي، تمكن من قراءة تاريخ الصلاحية على العلبة، ومن ثم تمكن من حساب ما فات من الزمن عليه في محبسه.
وقال أنس السراري: «لا تعلم أمي إن كنت فعلاً على قيد الحياة أم واروني التراب». وتذكّر رؤيته للسجان يستخدم جهاز صعق كهربائياً في تعذيبه على رأسه بكل قوته قبل أن ينهار مغشياً عليه.
وهو لا يعرف كم من الوقت قد مرّ عليه قبل أن يحرره السجانون ويلقوا به في الممر الضيق. وحاول مراراً الوقوف على قدميه مع عجزه التام عن ذلك، وقال: «لا بد أنه كابوس شديد؟».
وفي وضح النهار، حاول التحرك مرة أخرى، لكنه فشل مجدداً، وصرخ قائلاً: «ساعدوني». فما كان من الحوثيين إلا أن سحبوه إلى زنزانة في السجن، وهناك فقط أدرك إصابته بالشلل. ولم يكن هناك من يتحدث إليه، ولا من يذهب به إلى دورة المياه. وكان يقضي حاجته في مكانه كطفل رضيع يعجز عن الاعتناء بنفسه.
وكان الحراس يأخذونه في بعض الأحيان للاغتسال ثم يعودون به إلى الزنزانة القذرة مرة أخرى، حيث كان يضرب رأسه في الحائط بيأس شديد. وبعد مرور 4 أشهر كاملة، سمحوا له بالاغتسال ثم أطلقوا سراحه.
قدم أنس السراري سجلاته الطبية إلى وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية. وهو يتحرك الآن على كرسي بعجلات، ويعتقد أن الغرض الرئيسي من تعذيبه ثم إطلاق سراح كان البعث برسالة إلى الآخرين ممن يفكرون في انتقاد أو معارضة الحوثيين في البلاد.
وقال أنس: «إن رؤية الأشخاص من ذوي الإعاقة عند خروجهم من السجن بعد التعذيب الشديد تبعث على الفزع المفرط وترويع قلوب الآخرين الذين يقولون: انظروا! هذا ما ينتظركم إن فتحتم أفواهكم».

- غرفة الضغط
كانت الصورة الذاتية لفاروق بعكر مع السجين الهارب هي كل الأدلة التي احتاج إليها 7 رجال من الميليشيات الحوثية لاتهامه بعدم الولاء والخيانة عندما جاؤوا لاعتقاله في مستشفى الرشيد. وسأله أحدهم صارخاً في وجهه: «كم دفعوا لك من أموال لعلاج الخونة؟».
وقال فاروق بعكر إنهم صفعوه وركلوه وضربوه بالهراوات على وجهه وأسنانه وجسده، وسخروا منه قائلين: «سوف تموت لأنك خائن». ثم اقتادوه إلى مكان مجهول وأوقفوه على صندوق خشبي وربطوا رسغيه إلى السقف ثم دفعوا بالصندوق من تحت قدميه بعيداً.
وقال، إنهم جردوه من ملابسه وجلدوه بالسياط، ثم خلعوا أظافره ومزّقوا شعر رأسه حتى أغشي عليه. كان التعذيب مؤلماً للغاية، كما قال، ولا سيما عندما جاؤوا في الأيام التالية ليزيدوا الضغط على الكدمات والجروح المتقيحة في جسده. وازداد الحوثيون ارتجالاً وابتكاراً في أساليب التعذيب، كما يقول بعكر. فلقد جاؤوا ذات مرة بزجاجات بلاستيكية وأشعلوا فيها النار ثم أسقطوا البلاستيك المذاب منها على جسده المكشوف من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه.
ثم نقلوه، في نهاية الأمر، إلى قلعة الحديدة التي يرجع تاريخها إلى 500 عام من العهد العثماني وتقع على ساحل البحر الأحمر. يقول بعكر أن حراس القلعة دفعوه إلى قبو مظلم وقذر يعرفونه باسم «غرفة الضغط»، وعلقوه هناك من رسغيه مرة أخرى في زاوية مظلمة من الغرفة، حيث كان يرى جثث القطط الميتة وبعض الأصابع البشرية الممزقة على الأرض.
وعندما ناله الإجهاد والظمأ، ألقى السجانون بالمياه على وجهه من دون أن يشرب. وفي بعض الأحيان، كانوا يسمحون لأحد السجناء الآخرين بالدخول إلى الغرفة وإعطائه بعض الماء من زجاجة هناك.
وفي اليوم الذي ظن الحراس أن فاروق بعكر قد فارق الحياة، ثم أدركوا أنه لا يزال حياً، فكوا وثاقه من السقف وسمحوا للسجناء بإطعامه وتنظيف جسده.
بدأ بعكر في استعادة وعيه والتعافي من جروحه، وكان المعتقلون الآخرون الذين يتعرضون للتعذيب يطلبون منه المساعدة. ولقد حاول علاج بعض الجروح. وأجرى بعض الجراحات البسيطة للغاية لبعضهم، من دون تخدير وباستخدام الأسلاك الكهربائية العارية، حيث كانت هي الأداة الوحيدة المتوفرة في ذلك السجن القميء.
وفي بعض الأوقات كان الحراس يسمحون له بممارسة عمله الطبي، وفي أوقات أخرى، كانوا ينقلبون عليه ويعاقبونه عند مساعدته لإخوانه المعتقلين.
ويتذكر بعكر مساعدته رجلاً كان عاجزاً عن التبول؛ لأن الحوثيين علقوه من بين فخذيه. وكان هناك رجل آخر بلحية بيضاء وشعر أبيض مصاب بحروق شديدة بسبب الحمض الذي ألقاه الحراس على ظهره؛ مما أذاب بشرته تماماً حتى صار الرجل عاجزا عن الإخراج كبقية الناس. وقال بعكر: «عندما طلبت مساعدة الحراس لأن الرجل العجوز كان يحتضر، كان ردهم الوحيد هو: (دعه يموت)».
وأطلق الحوثيون سراح فاروق بعكر في 3 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2017 بعد أن سددت عائلته مبلغاً وقدره 5.5 مليون ريال يمني، أو ما يوازي 8 آلاف دولار فدية إلى الميليشيات الحوثية في صنعاء. وبعد فترة وجيزة من فراره إلى مدينة مأرب، معقل المعارضة المناهضة للحركة الحوثية، كان يعيش في خيمة رفقة اللاجئين الآخرين من بني وطنه، حيث واصل عمله المعتاد في علاج المرضى والجرحى والمصابين.


مقالات ذات صلة

انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

تصاعدت حوادث الثأر والعنف القبلي في مناطق الحوثيين على الرغم من ادعاءاتهم تبني سياسات للصلح وإنهاء النزاعات التي يستغلونها لتعزيز نفوذهم وجني مزيد من الموارد.

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي دعا عدد من السفراء الأجانب لخفض التصعيد وتسوية الخلافات بالحوار في اليمن (السفارة البريطانية)

دعوات دولية لخفض التصعيد وتسوية الخلافات بالحوار في اليمن

العليمي:«الإجراءات الأحادية التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي تمثل خرقاً صريحاً لمرجعيات المرحلة الانتقالية وتهديداً مباشراً لوحدة القرار الأمني، والعسكري».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي يمنيان يبيعان الحبوب المنتجة محلياً في سوق بوسط صنعاء (إ.ب.أ)

انفجار أسعار في مناطق سيطرة الحوثيين يخنق معيشة السكان

التهمت موجة غلاء جديدة ما تبقّى من قدرة السكان الشرائية، في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يضاعفون الجبايات، بالتوازي مع تراجع عالمي في أسعار المواد الاستهلاكية

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)

مسؤولان يمنيان يرفعان جاهزية الجبهات العسكرية

يعتقد المسؤولون اليمنيون أن جماعة الحوثي هي العدو الرئيسي والوحيد للشعب اليمني، وأن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة، واستعادة الدولة ومؤسساتها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي الجماعة الحوثية منحت مهدي المشاط رئيس مجلس حكمها شهادة الماجستير (إعلام حوثي)

هوس قادة الحوثيين بالشهادات العليا يفاقم انهيار التعليم الجامعي

يتعرض طلاب الدراسات العليا في الجامعات اليمنية لابتزاز قادة حوثيين لإعداد رسائلهم للماجستير، والدكتوراه، في حين يجري إغراق التعليم الجامعي بممارسات كسب الولاء

وضاح الجليل (عدن)

«قوة استقرار غزة»... اجتماع مرتقب بالدوحة لسد الفجوات

أحد عناصر «حماس» يحرس منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» يحرس منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... اجتماع مرتقب بالدوحة لسد الفجوات

أحد عناصر «حماس» يحرس منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» يحرس منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في غزة (أ.ف.ب)

تستضيف العاصمة القطرية، الدوحة، اجتماعاً عسكرياً، الثلاثاء، لبحث «تشكيل قوة الاستقرار» في قطاع غزة التي تنص عليها خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام، التي دخلت حيز التنفيذ 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ولاقت دعماً من مجلس الأمن في نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت.

ذلك الاجتماع المرتقب يأتي وسط ضبابية بشأن مستقبل تلك القوات وتعثر الانتقال للمرحلة الثانية، ويراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» محاولة لسد فجوات، منها مهام تعترض عليها فصائل فلسطينية مرتبطة بالوجود داخل القطاع أو نزع السلاح، بخلاف وجود «فيتو إسرائيلي» على مشاركة دول بينها تركيا، وسط تباين بشأن قدرة الاجتماع على تقديم حلول ناجزة، في ظل عدم اتفاق سياسي على الانتقال للمرحلة الثانية، وترقب نتائج لقاء ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أواخر هذا الشهر.

وتوقع مسؤولون أميركيون نشر هذه القوات مطلع العام المقبل، بعد بحث التفاصيل خلال اجتماع للقيادة المركزية الأميركية، بمشاركة عدد من الدول، في العاصمة القطرية، الدوحة، الثلاثاء، وفق ما أوردت وكالة «رويترز».

وقال مسؤولان أميركيان للوكالة، أخيراً، إنه من المتوقع أن ترسل أكثر من 25 دولة ممثلين عنها للمشاركة في الاجتماع الذي «سيتضمن جلسات لمناقشة هيكل القيادة، وقضايا أخرى متعلقة بقوة الاستقرار في غزة»، لافتين إلى أن «قوة الاستقرار الدولية لن تقاتل حركة (حماس)، وأن دولاً كثيرة أبدت رغبتها في المساهمة فيها».

ونقل موقع «أكسيوس»، الجمعة، أن مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الذي زار إسرائيل أخيراً، أبلغ نتنياهو ومسؤولين آخرين بأن إدارة ترمب ستتولى قيادة ما تُعرف باسم «قوة الاستقرار الدولية» وستعين جنرالاً قائداً لها.

ويعطي قرار تبناه مجلس الأمن الدولي في 17 نوفمبر الماضي تفويضاً «لمجلس سلام» في غزة والدول التي تتعاون معه، من أجل تأسيس «قوة استقرار دولية» مؤقتة في القطاع.

وسبق أن تحدثت القناة الـ«14» الإسرائيلية أواخر نوفمبر الماضي، بأن الولايات المتحدة الأميركية حددت منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل، موعداً لبدء انتشار «قوة الاستقرار الدولية» في غزة، ونهاية أبريل (نيسان) المقبل موعداً نهائياً لإتمام عملية نزع السلاح من القطاع، مشيرة إلى أن ذلك طموح منفصل عن الواقع، في إشارة لإمكانية تأجيله مجدداً.

صبيَّان يحتميان من المطر وهما جالسان على عربة يجرُّها حمار في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، العميد سمير راغب، يرى أن اجتماع الدوحة سيركز على «سد الفجوات» مثل عدم تعيين قائد للقوة، رغم أن التسريبات تشير إلى أنه أميركي، فلا مهام محددة بشأن القوة حتى الآن، كما أنه لم يتم تشكيل «مجلس السلام» الذي صدر له التفويض الأممي بتشكيل القوة، بجانب وجود «فيتو إسرائيلي» على مشاركة تركيا، وهذا يعرقل مسار تحديد الدول، بخلاف عدم حسم قضايا سياسية مرتبطة بنزع السلاح.

وأشار إلى أن حديث انتشار القوات بداية العام يكون صحيحاً إذا كنا قد عرفنا الآن مهام وتسليح القوات، وباتت تتجمع هذه الأيام، وبالتالي نحن بصدد ترتيبات ستأخذ ربما شهرين لتحقيق انتشار لو حُسمت الملفات السياسية.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن اجتماع الدوحة بشأن تلك القوات يناقش سد الفجوات «لكنه يشكل إطاراً عاماً للتعايش معها، وليس لحلها»، موضحاً أن الفجوات تتعلق بكيفية الانتشار ومهام القوات، وهل ستنزع سلاح «حماس» وتبدأ الانسحابات. ونبه إلى أن هذا الاجتماع قد يحسم التشكيل والتمويل، و«لا يعني مشاركة 25 دولة فيه أن هناك موافقة على الانخراط في القوة؛ لكن ستتم مناقشة الخطوط الأولية».

منظر عام لمخيَّم للنازحين الفلسطينيين في الجامعة الإسلامية بغزة (أ.ف.ب)

وعلى هامش مشاركته في «منتدى صير بني ياس» بالإمارات، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت: «ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وأهمية تشكيل قوة الاستقرار الدولية»، وذلك خلال لقاء المدير العام لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية»، والمنسق الأممي الخاص السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وهذا التأكيد ليس الأول من نوعه من جانب مصر؛ حيث أعلنته أكثر من مرة أخيراً.

وردت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، على الصحافيين أخيراً بشأن تطورات اتفاق غزة، قائلة إن «هناك كثيراً من التخطيط الهادئ الذي يجري خلف الكواليس في الوقت الحالي للمرحلة الثانية من اتفاق السلام... نريد ضمان سلام دائم ومستمر».

وأوضح راغب أن المرحلة الأولى لم تنتهِ بعد، وهناك أمور سياسية لم تُحَل، لافتاً إلى أن «قمة ترمب-نتنياهو» المقررة نهاية هذا الشهر ستكون فاصلة في المرحلة الثانية، وتشكيل القوات، ورفع «الفيتو»، وإنهاء الفجوات.

أما نزال فيرى أن المرحلة الثانية لم تنضج بعد، والهدوء الأميركي في المناقشات محاولة لتفادي الفشل من أي إعلان قد يُحدث ضجة عند أي طرف، في ظل ريبة فلسطينية مما يُعد في الكواليس، متوقعاً أن تزداد مساعي الوسطاء تجاه الانتقال للمرحلة الثانية بأقل تكلفة ومخاطرة، وهذا سيتضح عقب لقاء ترمب بنتنياهو.


حراك سياسي وعسكري مكثف لإنهاء التوترات في شرق اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يحرسون مدخل القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يحرسون مدخل القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
TT

حراك سياسي وعسكري مكثف لإنهاء التوترات في شرق اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يحرسون مدخل القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يحرسون مدخل القصر الرئاسي في عدن (رويترز)

يترقَّب الشارع اليمني أن تُكلَّل الجهود التي تقودها السعودية، بشراكة مع الإمارات، بنزع فتيل التوتر وإنهاء التصعيد في حضرموت والمهرة على خلفية التحركات الأحادية الميدانية التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي في الأيام الماضية، التي أدت إلى إرباك معسكر الشرعية اليمنية، وسط مخاوف من أن يقود ذلك إلى تبعات اقتصادية وإنسانية وأمنية في ظل تربص الجماعة الحوثية بالمناطق المُحرَّرة.

جاء ذلك غداة حراك سياسي وعسكري مكثَّف في إطار الجهود السعودية - الإماراتية الرامية إلى احتواء التوتر في المحافظات الشرقية، وذلك مع وصول فريق عسكري مشترك إلى عدن، وعقد لقاءات رسمية مع قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، بالتوازي مع لقاءات في حضرموت مع قيادات محلية وقبلية، في مسعى لإعادة تطبيع الأوضاع ومنع انزلاقها إلى مزيد من التصعيد.

وجاءت هذه التحركات في وقت تشهد فيه محافظتا حضرموت والمهرة توتراً متزايداً على خلفية تحركات ميدانية للمجلس الانتقالي الجنوبي، وما أعقبها من مواجهات وأحداث أمنية، دفعت «تحالف دعم الشرعية» إلى تكثيف مساعيه السياسية والعسكرية لفرض التهدئة، والحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة في المناطق المُحرَّرة.

الزبيدي استقبل في عدن وفداً عسكرياً سعودياً إماراتياً مشتركاً (سبأ)

في هذا السياق، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي، وهو رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، في القصر الرئاسي بعدن، قيادة القوات المشتركة لـ«تحالف دعم الشرعية»، يتقدمهم اللواء الركن سلطان العنزي، واللواء الركن عوض الأحبابي، بحضور عضو مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي، ورئيس هيئة التشاور والمصالحة محمد الغيثي، ورئيس اللجنة العسكرية والأمنية المشتركة العليا اللواء هيثم قاسم طاهر.

ووفق مصادر رسمية، ناقش اللقاء سبل توحيد الجهود لمواجهة التحديات التي تهدِّد أمن اليمن والمنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب، وتهريب الأسلحة، والتهديدات التي تمس المصالح الدولية وحرية الملاحة، إلى جانب آليات تعزيز التنسيق العسكري والأمني بين القوات اليمنية والتحالف.

وأشاد الزُبيدي بالدور الذي تضطلع به دول التحالف بقيادة السعودية والإمارات، مؤكداً أهمية الشراكة القائمة في دعم القوات اليمنية، بينما أكدت قيادة القوات المشتركة دعمها المستمر للقوات المسلحة اليمنية في مواجهة الميليشيات الحوثية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار في المرحلتين الحالية والمستقبلية.

بيان رئاسي

بالتوازي مع هذه التحركات، جدَّد مصدر مسؤول في مكتب الرئاسة اليمني الإشادة بجهود السعودية لخفض التصعيد وإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية، وذلك بعد وصول الفريق العسكري السعودي - الإماراتي إلى عدن.

وأوضح المصدر أن الزيارة تأتي ضمن جهود الرياض وأبوظبي لتعزيز وحدة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، ومعالجة تداعيات الإجراءات الأحادية الأخيرة، بما يضمن عودة الأوضاع إلى مسارها الطبيعي، وتمكين السلطات المحلية والحكومة من أداء مهامها وفقاً للدستور والقانون.

وأشار البيان إلى أن المشاورات الجارية تتناول معالجة مسألة القوات المُستقدَمة من خارج المحافظات الشرقية، وسبل مغادرتها، إضافة إلى تمكين مؤسسات الدولة من ممارسة صلاحياتها الحصرية، واحترام المرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة واتفاق الرياض.

مناصرون للمجلس الانتقالي الجنوبي خلال حشد في عدن (أ.ف.ب)

وحذَّر المصدر من أن أي تصعيد إضافي من شأنه تبديد المكاسب المُحقَّقة، وصرف الانتباه بعيداً عن المعركة ضد جماعة الحوثي، وتقويض جهود الإصلاحات الاقتصادية، ومفاقمة الأزمة الإنسانية في البلاد، مؤكداً حرص قيادة الدولة على تغليب الحلول السياسية، ودعم الجهود السعودية - الإماراتية، والعمل الوثيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

آليات مرتقبة للحل

أفادت مصادر مطلعة بأن الفريق العسكري السعودي - الإماراتي يبحث وضع آليات تنفيذية لخروج القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من محافظتَي حضرموت والمهرة، وإعادتها إلى مواقعها السابقة، إلى جانب ترتيبات لتسليم بعض المواقع لقوات «درع الوطن»، في إطار إجراءات منسقة تهدف إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل التصعيد.

كما عقد الوفد السعودي، برئاسة اللواء الدكتور محمد القحطاني، لقاءً موسعاً في حضرموت مع قيادة السلطة المحلية برئاسة المحافظ سالم الخنبشي، وقيادات الكتلة البرلمانية ومجلس الشورى، ومرجعيات قبائل حضرموت، ومشايخ وأعيان الوادي والصحراء.

وأكد المحافظ الخنبشي أن زيارة الوفد السعودي تمثل دعامةً لأواصر الأخوة بين البلدين، مشيداً بمواقف المملكة الداعمة لحضرموت في هذه الظروف، بينما شدَّد رئيس الوفد السعودي على أن اللقاءات تأتي في إطار فرض التهدئة، ورفض أي تشكيلات عسكرية خارج نطاق الدولة، والحفاظ على أمن واستقرار المحافظة.

رئيس الوفد السعودي في حضرموت اللواء محمد القحطاني يلتقي قيادات قبلية ومحلية (سبأ)

وأشادت القيادات البرلمانية والقبلية بالموقف السعودي، عادّةً أن هذه التحركات تمثل تطميناً للمواطنين، وتؤكد الحرص على معالجة تداعيات دخول قوات من خارج المحافظة، والحفاظ على النسيج الاجتماعي.

في المقابل، نعت رئاسة هيئة الأركان العامة اليمنية عدداً من منتسبي المنطقة العسكرية الأولى، الذين سقطوا خلال مواجهات وصفتها بأنها اعتداءات نفَّذتها مجاميع تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، مشيرةً إلى سقوط 32 قتيلاً و45 جريحاً، إضافة إلى مفقودين، ومؤكدة التزام القوات المسلحة بواجباتها تحت قيادة الدولة ووفقاً للدستور والقانون.

وفي موقف سياسي لافت دعا أحمد علي عبد الله صالح، وهو النجل الأكبر للرئيس اليمني الأسبق، جميع الأطراف اليمنية، إلى وقف التصعيد وضبط النفس، والعودة إلى الحوار، محذِّراً من أن استمرار التوتر في المحافظات الشرقية لا يخدم استقرار البلاد، ولا جهود توحيد الصف في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.


في زمن الحرب... «الدان الحضرمي» على قائمة التراث الإنساني اللامادي

الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
TT

في زمن الحرب... «الدان الحضرمي» على قائمة التراث الإنساني اللامادي

الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)

في إنجاز ثقافي يُعد من أبرز المكاسب الرمزية لليمن في السنوات الأخيرة، أدرجت لجنة التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في دورتها العشرين المنعقدة في العاصمة الهندية نيودلهي، ملف «جلسة الدان الحضرمي» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بعد جهود استمرت سنواتٍ من العمل المؤسسي والفني المتواصل.

ويُعد هذا الإدراج اعترافاً دولياً مستحقاً بأحد أهم الفنون التقليدية في محافظة حضرموت، شرق اليمن، لما يحمله «الدان الحضرمي» من قيمة تاريخية وثقافية وجمالية، بوصفه فناً يجمع بين الشعر والموسيقى والغناء، ويعكس في طقوسه ومضامينه أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية للحضارم عبر قرون طويلة.

وثمّن مندوب اليمن الدائم لدى اليونسكو، محمد جميح، قرار اللجنة، مشيراً إلى أن «(الدان الحضرمي) يستحق عن جدارة هذا الإدراج»، مؤكداً أن الوصول إلى هذه النتيجة جاء ثمرةً لعمل دؤوب استمر لسنوات، منذ أن كانت الفكرة مشروعاً ثقافياً، وصولاً إلى اعتمادها اليوم تراثاً إنسانياً عالمياً.

محمد جميح مندوب اليمن لدى اليونسكو (سبأ)

وعبّر جميح عن شكره لوزارة الثقافة وطاقمها، واللجنة الوطنية لليونسكو، ومؤسسة حضرموت للثقافة التي تولت إعداد وتمويل ملف الترشيح، إضافة إلى لجنة التراث الثقافي غير المادي وخبراء التقييم وسكرتارية اللجنة، ورئيسها السفير الهندي لدى اليونسكو فيشال شارما.

وتسلمت الجمهورية اليمنية شهادة إدراج الملف رسمياً من المدير العام المساعد لليونسكو لقطاع الثقافة، أرنستو راميريز، في مقر انعقاد اللجنة بنيودلهي، في لحظة عكست حضور اليمن الثقافي رغم ظروف الحرب والتحديات السياسية والإنسانية.

إشادة حكومية

أكد معمر الإرياني، وزير الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية، أن هذا الإنجاز يمثل «اعترافاً دولياً مستحقاً بأحد أهم التجليات الإبداعية في حضرموت واليمن عموماً»، معتبراً أن «الدان الحضرمي» يجسد عمق الهوية الثقافية اليمنية التي حافظت عليها الأجيال المتعاقبة، رغم التحولات القاسية التي شهدها البلد.

وأشار الإرياني إلى أن هذا الاعتراف العالمي يعكس تقديراً للفن الحضرمي الأصيل الذي يختزن في تفاصيله الذاكرة الجمعية وروح المكان، وهو ثمرة جهد وطني مشترك شاركت فيه وزارة الثقافة ومؤسسة حضرموت للثقافة، إلى جانب الدور البارز الذي اضطلع به السفير محمد جميح في متابعة الملف داخل أروقة اليونسكو.

ويمثل «الدان الحضرمي» أكثر من مجرد لون غنائي تقليدي؛ فهو ممارسة ثقافية متكاملة ترتبط بالمجتمع والبيئة والتاريخ، وتُؤدى في جلسات جماعية تتناوب فيها الأصوات على إلقاء الشعر وإنشاد الألحان، في تعبير حي عن التفاعل الاجتماعي والوجدان الجمعي.

وأكدت مؤسسة حضرموت للثقافة أن إدراج هذا الفن في القائمة التمثيلية لليونسكو يعكس قيمته في حفظ الذاكرة الثقافية للحضارم، ويؤكد دوره في نقل التراث الشفهي من جيل إلى آخر.

وأوضحت المؤسسة أنها عملت على إعداد ملف الترشيح بالتعاون مع مجموعات من الممارسين لهذا الفن، وبشراكة فاعلة مع وزارة الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية، وبدعم فني من مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، الذي كان له دور محوري في إبراز تميز الملف واستيفائه للمعايير الدولية.

بعد تاريخي

أشار وزير الثقافة اليمني السابق ومستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي للشؤون الثقافية، مروان دماج، إلى البعد التاريخي العميق لـ«الدان الحضرمي»، معتبراً أن هذا الفن العتيق الممتد من جذور التاريخ أصبح اليوم جزءاً من الذاكرة الإنسانية جمعاء.

وذهب دماج إلى أن العرب عرفوا الغناء «داناً» منذ أكثر من ألفي عام، وأن الدان يمكن اعتباره من أقدم أشكال الأغنية العربية، مستحضراً ارتباطه بالشعر العربي القديم وأسواقه التاريخية في وادي حضرموت.

وتتجاوز أهمية إدراج «الدان الحضرمي» البعد الثقافي البحت، لتأخذ دلالات وطنية وإنسانية أوسع، في ظل ما يتعرض له التراث اليمني من مخاطر الطمس والتشويه بسبب الحرب والانقسام والإهمال. ويؤكد هذا الإنجاز أن اليمن رغم الدمار والمعاناة لا يزال حاضراً في خريطة الثقافة العالمية، بقيمه الإبداعية وإسهاماته الحضارية.

كما يمثل الإدراج خطوةً مهمةً في مسار صون التراث غير المادي، ويوفر مظلة حماية دولية لهذا الفن، ويعزز فرص توثيقه ونقله للأجيال المقبلة، باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية اليمنية وقوة ناعمة يمكن أن تسهم في تحسين صورة اليمن وتعزيز حضوره عربياً ودولياً.

وفي المحصلة، يشكل الاعتراف الأممي بـ«جلسة الدان الحضرمي» رسالةً واضحةً بأن الثقافة قادرة على تجاوز الحروب، وأن الذاكرة الإنسانية أوسع من حدود الصراعات، لتحتفي بالفنون التي تعبر عن روح الشعوب وعمق تاريخها، كما هي حال حضرموت في شرق اليمن.