تل أبيب: تدمير أنفاق «حزب الله» سيستمر طويلاً وقد ينتقل إلى الأراضي اللبنانية

قالت إنه لا يوجد نفق جاهز ولكن أحد الأنفاق اخترق إسرائيل 40 متراً

آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
TT

تل أبيب: تدمير أنفاق «حزب الله» سيستمر طويلاً وقد ينتقل إلى الأراضي اللبنانية

آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)

بعد ساعات من انطلاق العملية الإسرائيلية العسكرية على الحدود اللبنانية واكتشاف نفق في منطقة المطلة في أقصى الشمال، أعلن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، رونين منيليس، بعد ظهر أمس (الثلاثاء)، أن عملية «درع شمالي»، ستستمر أسابيع طويلة، وقد تنتقل إلى الأراضي اللبنانية، في حال رد عليها «حزب الله».
وقال إن الجيش الإسرائيلي انطلق في عملية كبيرة لتدمير الأنفاق جميعها، بما في ذلك الأنفاق التي وصلت إلى الأراضي الإسرائيلية أو اللبنانية، لأنه يرى فيها «إجراء حربياً هجومياً عدوانياً».
وكان الجيش الإسرائيلي قد باشر عمليته في الساعات الأولى من فجر أمس، بموجب قرار اتخذه الكابينيت (المجلس الوزاري الأمني المصغر في الحكومة الإسرائيلية)، يوم الأربعاء الماضي، بناء على معلومات استخبارية تم تجميعها خلال 4 سنوات ماضية. وحسب تقارير الاستخبارات العسكرية، فإن «حزب الله» بدأ في مسار حفر الأنفاق بسرية مطلقة وبجهود شبه مستحيلة. فالحفر في الحدود مع لبنان صعب ومعقد، إذ إنها أرض صخرية قاسية، وليست مثل الأرض الرملية في قطاع غزة. وقال مسؤول المخابرات إن أحداً لم يصدق في البداية أن «حزب الله» سيقدم على حفر الأنفاق. ولكن المعلومات أخذت تتراكم عن هذا الحفر. والمواطنون الإسرائيليون في البلدات القريبة من الحدود شكوا طيلة السنوات الأخيرة من سماع زنين الحفر تحت الأرض.
وجاء البحث حول الموضوع في أجواء سياسية معقدة في إسرائيل، إذ إن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يكثر من تصريحات استعراض القوة، وكلما اقترب موعد تقديم لوائح الاتهام ضده في قضايا الفساد الثلاث، ترتفع تهديداته أكثر، على أمل أن تغطي إعلامياً على محاكمته. ومن جهته، يريد الجيش وضع حد لحفر الأنفاق، وهو ليس معنياً بخوض حرب كبيرة؛ خصوصاً تحت قيادة «رئيس حكومة متورط في القضاء ولديه حسابات قوية».
وقد سئل الناطق بلسان الجيش في هذا الموضوع، أمس، فرد قائلا: «كثيرون يرون أن توقيت العملية مرتبط بتوصية الشرطة بمحاكمة رئيس الحكومة بشبهات فساد، لكن الحقيقة مغايرة.
التوقيت اختير منذ فترة. قرار الحفاظ على سرية العملية العسكرية كان هدفه مفاجأة «حزب الله»، وتوقيت تنفيذها جاء بعد أن أثمرت الظروف الاستخباراتية والتكنولوجية وبعدما علمنا أن الأنفاق تتوغل إلى الأراضي الإسرائيلية. وهذه ليست عملية عسكرية تمت المصادقة عليها ليلة أمس، بل نتدارس الأمور حولها منذ سنوات». وتابع: «خرجنا إلى هذه العملية ونحن نعلم مسبقاً ماذا بنى (حزب الله) وأنه لا يوجد نفق جاهز للعمل، وأنه لا يوجد تهديد (تحت أرضي) داهم تجاه إسرائيل. وهذا مشروع يصنفه (حزب الله) بأنه سري، وقلائل فقط في الحزب يعلمون بشأنه. وأردنا أن يعرف (حزب الله) واللبنانيون أجمعون أننا نعرف ماذا يفعلون».

- تقدير: «حزب الله لن يرد»
وتفيد مصادر سياسية بأن نتنياهو اهتم كثيراً بمعرفة تبعات مثل هذه العملية قبل الموافقة على تنفيذها، فهل يمكن أن يرد عليها «حزب الله» وتنشب الحرب؟ وإذا نشبت، فكيف سيكون أثرها على الناس؟ وكانت الإجابة بأن التقديرات الاستخبارية هي أن «حزب الله» لن يرد عليها، طالما أن الجيش الإسرائيلي يعمل في الجهة الإسرائيلية من الحدود؛ لأنه ليس معنياً بالحرب وعلى ما يبدو فإنه ليس جاهزاً لها. وكما قال الجنرال يوسي بيلد، القائد الأسبق للواء الشمالي في الجيش الإسرائيلي، فإنه «في الشرق الأوسط ممنوع التكهن بشيء. ومع ذلك فإن من سمع حسن نصر الله بعد حرب 2006 وهو يقول لو كنت أعرف كيف ستتطور الأمور لما قمنا بالعملية، يدرك أنه لن يسارع إلى الحرب». ولكن الجيش الإسرائيلي يمضي في العملية، وهو يدرك أنه في نهاية المطاف أنه سيدخل الأراضي اللبنانية إذا أراد تدمير كل الأنفاق. وهناك يمكن أن تتدهور الأمور. فقد يرى «حزب الله» أنه من المهين ألا يرد، وقد يكون رده بعملية جريئة ضد القوات الإسرائيلية المهاجمة. وعندها تزداد احتمالات التدهور الحربي.
وعلى صعيد العملية التي بدأها الجيش الإسرائيلي، أمس، فقد أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي عن «اكتشاف أحد الأنفاق، وقد تقدم فيه العمل لدرجة أنه يحتوي على أجهزة تهوية وإضاءة، وهو بارتفاع يمكّن إنساناً منتصباً من السير فيه». وينطلق النفق من منطقة قرية كفركلا اللبنانية ويتجاوز الحدود مع إسرائيل إلى الجليل 40 متراً. وقام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، بجولة عند الحدود، بعد ظهر أمس، وقاد اجتماعاً عسكرياً لتقييم الوضع. وبالتوازي عقد نتنياهو اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، ليستعرض الجيش الإسرائيلي خلاله تقارير حول عملية «درع شمالي».

- تشكيك الكابينيت
ومن جهة ثانية، شكك أعضاء في مجلس الكابينيت بأهمية ما وصفها الجيش الإسرائيلي بـ«عملية عسكرية»، باسم «درع شمالي»، وقالوا لإذاعة الجيش الإسرائيلية، أمس، إن نتنياهو، يحاول تصوير وضع دراماتيكي غير موجود، خاصة أن الحديث يدور عن نشاط عسكري ينفذه سلاح الهندسة بالأساس، للكشف عن أنفاق داخل الأراضي الإسرائيلية. ورغم ذلك، فإن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، رونين منيليس، لم يستبعد حدوث تصعيد في سيناريوهات معينة. ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن أحد وزراء الكابينيت، قوله، إن «نتنياهو، كالعادة، يمنعنا من التحدث إلى وسائل الإعلام ويريد أن ينسب المجد كله لنفسه. وهذا مهين». وتوقع قائد الجبهة الشمالية الأسبق في الجيش الإسرائيلي، عميرام ليفين، أن يكون احتمال تدهور عملية «درع شمالي» ضئيلاً جدا، معتبرا أن «هدف (حزب الله) هو السيطرة على لبنان، وبالنسبة له فإن عملية عسكرية ينفذها الجيش الإسرائيلي ضده هي كارثة يمكن أن تنهيه». وانتقد ليفين حكومة نتنياهو لأنها «لم تول اهتماماً كافياً للجبهة الشمالية. وخلافاً لما يستعرضه نتنياهو، فإن الجيش الإيراني ضعيف ومتخلف. وقد فتحت (إيران) جبهة ضدنا بواسطة (حزب الله)، وينبغي مواجهتهم».

- تحفظ إعلامي على كلمة «عملية»
وكتب مراسل «شركة الأخبار» (القناة الإسرائيلية الثانية سابقاً) في شمال البلاد، مناحيم هوروفيتس، في «تويتر»، أن «كلمة عملية (عسكرية) تغضبني. فهذه تدخل الناس في حالة هلع دون سبب. ولا يحدث شيئاً في الأراضي اللبنانية، وبإمكان سكان الشمال مواصلة حياة هانئة بشكل كامل».
وينسجم ذلك مع تعليمات الجيش الإسرائيلي، الذي طالب الجبهة الداخلية بمواصلة الحياة الاعتيادية، ولم يعلن عن أي إجراءات طوارئ، ولم يتم إلغاء الدوام الدراسي أو وقف عمل المؤسسات العامة. وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن ما وصفه بـ«عملية عسكرية»، هو نشاط ينفذه سلاح الهندسة، في منطقة المطلة الحدودية حالياً، وداخل الأراضي الإسرائيلية، وستتسع باتجاه مناطق أخرى على طول الحدود، بهدف الكشف عن أنفاق تتوغل من لبنان إلى شمال البلاد، وتدمير أجزائها في شمال البلاد فقط وليس في الأراضي اللبنانية. لكن في هذه الأثناء تم الإعلان عن منطقة المطلة، أنها منطقة عسكرية مغلقة.
وأشار المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، إلى أن هذه العملية هي الخلفية لزيارة نتنياهو الخاطفة إلى بروكسل، للقاء وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو. لكن هرئيل بدا متحفظاً من الحالة الدراماتيكية التي تحاول إسرائيل تصويرها، ورأى أن وصف النشاط العسكري الحالي مبالغ فيه. إسرائيل تعمل داخل أراضيها، وهذا نشاط دفاعي شرعي، من أجل إحباط استعدادات هجومية أجراها (حزب الله) لخطوات مستقبلية ضد إسرائيل». وأضاف هرئيل أن العملية العسكرية الحالية «تسلب من (حزب الله) ورقة هجومية هامة، احتفظ بها الحزب لاستخدامها في حال نشوب حرب.
ونقلت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي عن مصدر مطلع على المداولات في الكابينيت قوله إن الجيش الإسرائيلي قدّر أنه بالإمكان احتواء الحدث من دون أن يكون هناك رد فعل عسكري من جانب «حزب الله» وحدوث تصعيد، لكنه أضاف أنه ينبغي الاستعداد لاحتمال التصعيد في جميع الأحوال.
من جانبه، قال رئيس كتلة «المعسكر الصهيوني» وعضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يوئيل حسون، إن «المعارضة تطالب بأجوبة. هل هذه عملية (درع شمالي) أم عملية درع (حماية) نتنياهو؟» في إشارة إلى توصية الشرطة الإسرائيلية بتقديم نتنياهو للمحاكمة بشبهات.
وذكرت القناة العاشرة، أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أوعزت لسفرائها في أنحاء العالم بتمرير رسالة إلى المستويات العليا في الدول التي يخدمون فيها، مفادها أن عملية الجيش الإسرائيلي عند الحدود مع لبنان «ضد أنفاق (حزب الله)، وهي دفاعية وتجري إلى الجنوب من الحدود، وأن إسرائيل ليست معنية بالتصعيد».



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.