البابا تواضروس: لقاءات محمد بن سلمان مفيدة للأمة... وزيارتي للرياض قريباً

قال إنه يتذكر بإعجاب رسالة بعث بها إليه نيل آرمسترونغ بعد عودته من القمر

البابا تواضروس (غيتي)
البابا تواضروس (غيتي)
TT

البابا تواضروس: لقاءات محمد بن سلمان مفيدة للأمة... وزيارتي للرياض قريباً

البابا تواضروس (غيتي)
البابا تواضروس (غيتي)

في عام 1969 لفت خبر هبوط الإنسان لأول مرة على سطح القمر، شابا مصرياً كان يبلغ من العمر 16 عاما، ويدعى وجيه صبحي باقي سليمان. فكتب وجيه رسالة إلى رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ وطلب منه توقيعه.
بالطبع، لم يتوقع الشاب المصري أبدا أن يلبي أرمسترونغ طلبه، ومع ذلك كان لديه أمل في أن يرد عليه رائد الفضاء الأميركي الراحل. بعد بضعة أسابيع، وصل ظرف يحتوي على صورة الهبوط على سطح القمر، ملوّنة وموقّعة. بالنسبة لمراهق في منطقة نائية في بلدٍ نامٍ مثل مصر، ما حصل كان معجزة.
اليوم، ينتشر كثير من الشيب في شعر وجيه وهو يتحدث كثيرا عن «معجزات» لكنها من نوع آخر. نادرا ما يشار إليه الآن باسم ميلاده، فهو الآن بالنسبة لما يزيد على 100 مليون مصري وإلى العالم أجمع، بات يعرف بـ«قداسة البابا تواضروس الثاني»، البابا الثامن عشر بعد المائة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الإسكندرية.
وفي مقره الكائن في كاتدرائية القديس مرقس القبطية الأرثوذكسية في منطقة العباسية في القاهرة، جرت هذه المقابلة لصحيفة «عرب نيوز» (تنشرها «الشرق الأوسط» بالتزامن).
يقول الأنبا تواضرس، إنه لا يزال مغرما بتلك التجربة، بعدما يقارب الخمسين عاما على تلقيه تلك الرسالة، من أرمسترونغ، رغم أسفه الشديد، على ضياع الصورة منه. وبصوت ضعيف وابتسامة لطيفة، يتذكر، كيف حصل على عنوان، رائد الفضاء الراحل، من برنامج إذاعي كان يشجع أصدقاء المراسلة على الكتابة إليه عبر راديو (صوت أميركا).
«بعثت له برسالة أخبرته فيها بأنني أتمنى أن أرى صورة ملوّنة له على القمر، لأن الصحف كانت تنشر صوره بالأبيض والأسود... لقد فوجئت عندما تلقيت ظرفًا (بعد أسابيع)... صورة ملونة جميلة له على القمر مع توقيعه عليها».
ويتذكر قائلا: «كان يشدني اسمه (نيل) (مثل نهر النيل). في الغرب، اعتادوا على تسمية نيل. ولكن هنا في مصر، لا أحد يسمي ابنه (نيل، على الرغم من أنه اسم جميل»، مفترضاً أن الراحل أرمسترونغ سمي على اسم النهر المصري الشهير.
تواضروس اليوم، الزعيم الروحي لنحو 15 مليون قبطي في مصر، بالإضافة إلى مليونين آخرين في الخارج. (وفقًا لسجل الكنيسة، مع التنويه بعدم وجود رقم رسمي من الدولة). يعتنق الأقباط المسيحية التي بشرهم بها القديس مرقس في القرن الأول الميلادي. ومثل معظم المسيحيين - والأقليات - في المنطقة، عاش الأقباط فترات مختلفة من الاضطهاد.
تولى تواضروس الثاني منصب البابا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وقد جاء اختياره، الذي يستغرق حسب الطقوس القبطية أشهرا ويعتمد في النهاية على الصدفة، في وقتٍ عسيرٍ للأقباط المصريين والبلد بشكل عام. فجاء اختياره في نوفمبر 2012 بعد فترة وجيزة من انهيار نظام مبارك وبالتزامن مع فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين التي لم تدم طويلاً ومع ظهور «داعش».
ومع ذلك، لم تقتصر المعاناة في السنوات القليلة الماضية على الأقباط وحسب، بل شملت أيضا المسيحيين في جميع أنحاء المنطقة بشكلٍ عامٍ. في الواقع، لقد كان الوضع ينذر بالخطر لدرجة أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعا خلال مؤتمر حوارات البحر الأبيض المتوسط الأخير في روما، إلى بذل جهد لحماية المسيحيين في الشرق الأوسط. يتفق البابا تواضروس على أن الوضع ينذر بالخطر، ويحذر من أن «إفراغ الشرق الأوسط من المسيحيين يشكل خطرا كبيرا على الاستقرار والسلام».
ويقول البابا تواضروس إن «المسيحية متجذرة في الشرق الأوسط»، مضيفاً أنه «عندما تم تأسيس بلداننا، كان المسيحيون والمسلمون هناك، وكذلك اليهود في التاريخ القديم». ويصف ما حدث في سوريا والعراق (مع ظهور «داعش») بأنه «مؤلم للغاية»، ويعترف بأن المسيحيين (الذين اضطروا إلى الفرار وطلب اللجوء في الخارج) كانوا الأكثر تضرراً في هذين البلدين.
لكن مخاوف البابا تواضروس تتجاوز وضع المسيحيين، فهو يعتبر أن «إضعاف الدول العربية» يعني «إضعاف العرب كلهم... المسيحيين والمسلمين على حد سواء».
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بموطنه مصر، يبدو البابا تواضروس أكثر تفاؤلاً بقليل. «إذا قرأت التاريخ، فستجد أن اللبنانيين بدأوا يهاجرون منذ ثلاثة قرون. ومع ذلك، فإن المسيحيين في مصر بدأوا بالهجرة منذ خمسين سنة فقط، وكان ذلك بسبب الظروف التي كانت قائمة في ذلك الوقت... وعندما حكم الإخوان المسلمون مصر (2012 - 2013)، خشي المسيحيون على حياتهم وهربوا من البلد. وعندما استعاد البلد استقراره، عاد كثير منهم إلى مصر. وقد انخفضت معدلات الهجرة المسيحية بشكل ملحوظ».
مع ذلك، وعلى الرغم من تطمينات البابا، يشعر كثير من الأقباط بالقلق على نحو متزايد. ما يغذي هذا الإحساس هو تزايد الهجمات التي استهدفتهم واستهدفت أماكن عبادتهم. في الواقع، تم تسليط الضوء على مصر، على وجه التحديد، كدولة مثيرة للقلق في تقرير صدر في وقت سابق من هذا العام من قبل مؤسسة «الأبواب المفتوحة» الخيرية ومقرها بريطانيا، وهي مكرّسة لخدمة المسيحيين المضطهدين في جميع أنحاء العالم.
ويعترف البابا تواضروس بأن هذه الهجمات مؤلمة، لكنه يؤكد أنه يجب أن ندرك أن هدفهم ليس الأقباط أنفسهم أو كنائسهم، بل «الوحدة المصرية».
«لكي نكون منصفين، استهدفت هذه الهجمات أيضا القوات المسلحة والشرطة وإخواننا وأخواتنا في المساجد. قبل عام، كان أحد المساجد في منطقة العريش (في شمال سيناء) هدفاً لهجوم إرهابي حيث مات كثير من المصريين».
ومع ذلك، شهد الأقباط هجوما ذا طبيعة غير مسبوقة في الأشهر الأخيرة. ففي وقت سابق من هذا العام، تم العثور على أسقف ميت وقد سحقت جمجمته في صومعته في دير الأنبا مكاريوس (شمال غربي القاهرة). كان المهاجمون المتهمون من تلاميذه، وهم ينتظرون محاكمتهم حالياً ويبدو أن الجريمة موجهة ضدّ خط الإصلاح والانفتاح الذي ينتهجه البابا تواضروس.
ينفي الباب تواضروس وجود انشقاق داخل الكنيسة، ويقول إنها كانت قضية حدثت لمرة واحدة، مضيفاً أن الحياة تمضي كالمعتاد في جميع الأديرة... «هذا قد يحدث في كل زمان ومكان. فحتى بين تلاميذ المسيح، كان هناك تلميذ يدعى يهوذا باع روحه إلى الشر. وتحقق السلطات الآن في هذه الجريمة ونحن في انتظار النتائج».

- الشؤون الإقليمية
في البداية، يقاوم البابا تواضروس محاولات جعله يكشف عن آرائه السياسية... «يجب ألا يتدخل الدين في السياسة»... ومع ذلك، قلنا له في محاولة لإقناعه بأننا نعيش في الشرق الأوسط وحتى لو لم يكن الدين يريد التدخل في السياسة، فإن السياسة ستتداخل مع الدين. عند ذلك رد وهو يتنهد «إن سبب الأزمات في العالم هو هذا التدخل».
قبل عام، ألغى اجتماعا مع نائب الرئيس الأميركي مايك بينس احتجاجا على قرار واشنطن نقل سفارتها إلى القدس. وفي بيان لها، قالت الكنيسة إن القرار (أي نقل السفارة) لم يأخذ بعين الاعتبار مشاعر ملايين العرب.
يرى البابا تواضروس أن فلسطين «دولة محتلة». وقال إنه يأمل في أن تسود «روح التفاهم بين الطرفين (الإسرائيليين والفلسطينيين) للوصول إلى حل نهائي وأن تكون القدس عاصمة لكلتا الدولتين وأن يسود السلام في المنطقة».
وتتجه الأنظار الآن إلى الزيارة المرتقبة التي تعهد بابا الأقباط القيام بها إلى السعودية.
ففي وقت سابق من هذا العام، تلقى البابا تواضروس دعوة لزيارة المملكة بعد اجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارة رسمية له إلى مصر.
«كانت زيارة جيدة ومفاجئة... وجدنا فيه شخصا منفتح الذهن لديه رؤية حديثة للحياة، وهذا يسعدنا كثيرا. أنا شخصيا أتابع كل التطورات الإيجابية التي حدثت بتوجيهات من الملك سلمان وولي عهده وجميع المسؤولين السعوديين، خاصة أن السعودية هي الركيزة الأساسية للعالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي أيضا».
يقول البابا تواضروس إن ولي العهد عقد لقاءات معه ومع رئيس أساقفة كانتربري ومع عدد من الشخصيات الدينية الأخرى داخل المملكة وخارجها... «إن الاجتماعات التي يعقدها ولي العهد والمسؤولون السعوديون على جميع المستويات، سواء كانت دينية أو سياسية أو ثقافية، مفيدة جداً للأمة والمملكة وتساهم في التنمية البشرية. ونحن نحيي ونقدر هذه الجهود التي تحمل كثيرا من الأمل لأشقائنا في السعودية».
أما عن زيارته المرتقبة إلى المملكة.... فإن البابا تواضروس الثاني يؤكد أنها ستتم... ولكن ليس لديه وقت محدد. «ستتم عندما يشاء الله».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».