«حرب ماري كولفين الخاصة»... الأعباء النفسية لمراسلي الحروب

فيلم يوثق حياة الصحافية البريطانية التي ضحت بحياتها لنقل فظائع النزاع السوري

الصحافية البريطانية الراحلة ماري كولفين والمصور بول كونروي أثناء عملهما في سوريا عام 2012 (أ.ب)
الصحافية البريطانية الراحلة ماري كولفين والمصور بول كونروي أثناء عملهما في سوريا عام 2012 (أ.ب)
TT

«حرب ماري كولفين الخاصة»... الأعباء النفسية لمراسلي الحروب

الصحافية البريطانية الراحلة ماري كولفين والمصور بول كونروي أثناء عملهما في سوريا عام 2012 (أ.ب)
الصحافية البريطانية الراحلة ماري كولفين والمصور بول كونروي أثناء عملهما في سوريا عام 2012 (أ.ب)

«في الوقت الذي دخلت فيه ماري كولفين خلسة إلى سوريا خلال الشتاء الماضي، لإعداد تقارير صحافية عن المذابح الدائرة هناك لأجل صحيفة (صنداي تايمز) اللندنية، كانت مثل الأسطورة في زيها المميز، وسترتها الواقية من الرصاص، وغطاء العين الذي اشتهرت به، فضلاً عن مقالاتها الجريئة والشجاعة في مناصرة وتأييد ضحايا الحرب من الأبرياء. ولقد كانت تلك هي آخر قصصها الصحافية. ولقد كشفت ماري برينر عن الثمن الباهظ الذي دفعته ماري كولفين لقاء عملها الذي لم تتمكن، أو ربما تحتمل، التخلي عنه». هذا ما كتبته الصحافية ماري برينر من مجلة «فانيتي فير» في عدد يوليو (تموز) من عام 2012.
وأضافت: «بالنسبة لكل من عرفوها شخصياً، كانت نبرة صوتها مميزة وواضحة للغاية. ولم تفلح كل السنوات التي أمضتها في لندن في الإتيان على نبرتها الأميركية الرخيمة. تماماً كذكريات الضحكات العالية المجلجلة التي دوماً ما كانت تندفع رغماً عنها عندما يتأزم الموقف ويبدو أن لا مخرج هنالك قط. غير أن أحداً لم يسمع تلك الضحكات في تلك الليلة العصيبة التي تلمست فيها طريقها رفقة كونروي عائدين لتغطية المذبحة التي ارتكبتها قوات النظام على مقربة من الحدود السورية الغربية. لقد استحالت مدينة حمص العتيقة إلى حمام دماء كبير».
وجاء في المقال إنها: «كانت في كامل لياقتها وصلاحيتها الصحافية؛ وقد خلفت وراء ظهرها كل ما خبرته من أزمات واضطرابات في حياتها اللندنية الصاخبة. وكانت حمص، كما خطت كولفين بكلماتها عقب بضع ساعات، رمزاً لثورة مهيضة ومدينة أشباح رهيبة تتردد في صداها قعقعات القصف الجوي القميء وزخات رصاصات القناصة الغادرة التي تلاحق تلك السيارة اليتيمة التي تستقلها في محاولة أخيرة للحاق بقاعة المؤتمرات الباقية التي تضم في قبوها 300 من النساء والأطفال العزل في برد قارس وظلام مخيف. وفي ظلال الشموع الخافتة يولد طفل سوري جديد في غياب تام لأي رعاية طبية ممكنة، ومع القليل مما يندر وجوده من ماء أو غذاء».
تبدو جرأة ماري كولفين في ساحات الحروب حول العالم كما لو كانت نمطاً من أنماط الشجاعة الهادرة، أو لعلها جرعة موجعة من جرعات الحروب المسمومة، كما وصفها أحد المراسلين ممن عرفوها، بيد أن الحقيقة وراء ذلك لا بد أنها أكثر عمقاً وتعقيداً. عبر سنوات، أثارت تنافسات السبق الصحافي الشرسة في حلبة الصحافة الأجنبية في بريطانيا شهية ماري كولفين للمواجهة والمغامرة؛ الأمر الذي بدا متماهياً على نحو غير مسبوق، وهو بكل تأكيد راسخ، في طبيعتها الشخصية الثائرة.
وفي فبراير (شباط) من عام 2012، سافرت ماري كولفين مع المترجم السوري وائل العمر إلى حي باب عمرو بمدينة حمص في مهمة صحافية صدر بها التكليف من صحيفة «صنداي تايمز». ولقد لقيت مصرعها على الفور بجوار المصور الفرنسي ريمي أوشليك جراء سقوط أحد الصواريخ قرابة الباب الأمامي للمركز الإعلامي المؤقت في المدينة مخلفاً شظايا شاع انتشارها في غير موضع من المبنى.
وبعد مرور خمس سنوات كاملة، تحول المقال الأسطوري إلى عمل سينمائي يحمل عنوان «حرب ماري كولفين الخاصة» الذي صدر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الشهر الماضي.
لقي الفيلم ترحيباً كبيراً من مختلف الأوساط الصحافية والإعلامية. وكتبت صحيفة «الغارديان» في هذا السياق تقول: «حتى اللحظة التي وافتها فيها منيتها إثر إحدى هجمات الحكومة السورية الغادرة، في مدينة حمص العتيقة المحاصرة، كانت ماري كولفين، ومن دون شك، هي (عميدة مراسلات الحرب) في بريطانيا، رغم أنها ربما لم تكن ليروق لها هذا الوصف أبداً».
وجاءت الأفلام الوثائقية الرائعة التي تسرد سيرة هذه الصحافية المخضرمة الجديرة بالاحترام واحداً تلو الآخر في تسلسل بديع لا يتجاوز أسابيع عدة تفصل أحدهما عن الآخر. وقبل بضعة أشهر فقط، أُنتج أيضاً فيلم فرنسي موجز عن شخصية ماري كولفين يحوم في رقة وعذوبة حول حياتها الشخصية والمهنية.
وبالنسبة للصحافية الراحلة التي اقتربت من العقد السادس من عمرها كانت تحظى باحترام كبير لعملها الصحافي، رغم أن اسمها كان بالكاد مألوفاً في الأوساط الصحافية، فإن هذه الأعمال الفنية تمثل إشادة استثنائية وتكريماً غير عادي لحياتها وعملها وإرثها الصحافي.
بلغت كولفين سن الرشد مهنياً في الوقت الذي كانت الثقة عالية في مقدرة الصحافة على التغيير بأكثر مما هي اليوم، فضلاً عن الازدهار بالأسلوب الشخصي الواضح، وتمكنت السيدة كولفين من التميز في كلا المجالين كما أشار المقال.
ومع ذلك، فقد كلّفها عملها الصحافي ثمناً باهظاً على المستوى الشخصي، حيث كانت تتصارع مع إدمان الكحوليات، وتكافح الاضطرابات النفسية لما بعد الصدمات، كما كانت حياتها الشخصية مثل البركان الثائر، كالنجاح الباهر الذي أحرزته في حياتها المهنية.
ويوازي استكشاف حياة ماري كولفين محاولة استشفاف الإجابات عن أسئلة حاسمة وملحة بشأن الإنسانية والحرب، وآثار العنف الشديدة، وقوة ومحدودية التعاطف. مما يعني التفكير اللازم في دور ومسؤوليات وسائل الإعلام في الوقت الذي تشهد فيه هذه التيمات الكثير من النزاع العميق والجدال المستمر.
تجربة مليئة بالاضطرابات قد تكون مماثلة لتجربة كولفين هي مسيرة الصحافي الحربي البريطاني أنتوني لويد، الذي تحدث عنها بكل صراحة في كتابه: «رسالة حب دموية أخرى» الذي يكشف بين صفحاته الحياة الواقعية التي يعيشها عند تغطيته الحروب التي غطى فظائعها في كوسوفو والعراق، وغيرهما. ويكشف لويد عن أن تغطية الحروب أثرت على نفسيته حتى أصبح مدمناً على المخدرات. وقال: «تغطية الحرب كانت عمله، والهروين كنت أتعاطاه في العطل»؛ ما يفسر استخدامه المخدرات مَخرجاً من فظائع الحرب وآثارها، وعنصراً مثيراً له في أوقات السكينة بعيداً عن الرصاص الحي.
وبالعودة للفيلم، قد يكون «حرب ماري كولفين الخاصة» من نوعية الأفلام التي يسهل التمعن في فحواها؛ نظراً لقيود التوقيت ونوعية العمل الفني ذاته. بيد أن الممثلة البريطانية روزاموند بايك، التي تلعب دور كولفين، تحاول في براعة الانزلاق بين ثنايا شخصية ماري كولفين إلى حد بعيد، في توصيف سينمائي بارع حاز إعجاب الأصدقاء والزملاء السابقين. ومع ذلك؛ فإننا نجد العمل الفني يعالج إلى حد كبير أعمال العنف التي تولت ماري كولفين تغطيتها بنفسها، والصدمات الموجعة التي خلّفتها الحرب الشرسة على شخصيتها وحالتها النفسية، في حين أنه لا يلتقط إلا النذر اليسير من حسها المرح أو يلقي أضواء بسيطة على حياتها الشخصية العادية.
الفيلم من إخراج ماثيو هاينمان، مخرج الأفلام الوثائقية المخضرم، الذي يضمن أن جميع الناجين في الفيلم – من الأرامل السوريات اللاتي يتعرضن للقصف في القبو بمدينة حلب إلى الليبيين الذين فوجئوا بالاندلاع المفاجئ للحرب – قد خاضوا غمار الأحداث التي يُعاد تصويرها فيما يماهي الحقيقة في الفيلم. إذ يمنحهم الوقت الكافي للحديث عن قصصهم الخاصة مباشرة إلى المشاهدين الذين ربما لا تسعفهم الفرصة للوقوف على حقيقتها خارج حدود هوليوود.
في المقابل، سلطت مجلة «تايم» المزيد من الضوء على التحديات النفسية التي يعاني منها مراسلو الحروب، والتي تظهر بوضوح كبير في الفيلم. وفي مقالة بهذا الشأن قالت المجلة: «إن شعر مراسلو الحرب بأنهم في أوطانهم في أي مكان، فذلك المكان هو الفندق الذي لا يجمع من الضيوف سوى المراسلين الحربيين الآخرين». وتحل ذكرى هذه الأيام الجميلة والصداقة الحميمة الصادقة مع الالتقاء على وجبة يتقاسمها جمعٌ من المراسلين مجتمعين في الأماكن التي يحاول الناس العاديون الرحيل عنها.
تتلمس الممثلة بايك أثناء أدائها بطولة الفيلم خطوات ماري كولفين في تلك المنطقة، وذلك الفراغ المزدحم الذي يمكن ملؤه على أدنى تقدير في جزء من الوقت بواسطة المُثُل التي كانت لها أبلغ تأثير على حياتها المهنية: كان العمل ضرورة ملحة نظراً لأنه كان حقيقياً في ذلك العالم الذي يتجاوز حدود النفس المضخمة بالأوجاع والآلام المرهقة.
كان تركيز كولفين الرئيسي مُنصباً على المدنيين المحاصرين داخل الصراع الدموي المريع، وهو الأمر الذي عُني به الفيلم أيما اعتناء. وينتقل الفيلم بالمشاهد من العراق إلى سريلانكا، ثم إلى ليبيا وصولاً إلى سوريا، مع لقطات ارتجاعية للأهوال الفظيعة التي كمنت بين ثنايا ذاكرة وعقلية ماري كولفين.. أي تلك الأشياء التي لا يمكنك بحال مداومة التطلع إليها من هول فظاعتها، وفق مجلة «تايم».



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.