الكتابة الرقمية أنهت دور الوسيط وحققت انتشاراً واسعاً للأدب

كتاب ونقاد مصريون يميزون بينها وبين استخدام الوسائل الحديثة

سيد إمام  -  زينب العسال  -  أحمد رجب شلتوت  -  أشرف الخريبي
سيد إمام - زينب العسال - أحمد رجب شلتوت - أشرف الخريبي
TT

الكتابة الرقمية أنهت دور الوسيط وحققت انتشاراً واسعاً للأدب

سيد إمام  -  زينب العسال  -  أحمد رجب شلتوت  -  أشرف الخريبي
سيد إمام - زينب العسال - أحمد رجب شلتوت - أشرف الخريبي

فرضت الكتابة الرقمية، كما يبدو، سلطتها بقوة، وأصبحت تزاحم الإبداع ودور النشر، بما تمتلكه من مساحة كبيرة ومرنة من الحياة الافتراضية، على الشبكة العنقودية (الإنترنت)، تتيح لها التنوع والابتكار داخل هذه المساحة، وتقديم النص الأدبي، والشفاهي، والبصري، مهما كان رأينا بهذا النص، خصوصاً أن القارئ يحصل على هذه الخدمة مجاناً وفي فضاء حر، بلا قيود أو حواجز.
في هذا التحقيق، يتحدث عدد من الكتاب والنقاد المصريين عن هذه الظاهرة، التي أصبحت جزءاً من الحياة الثقافية، وتأثيراتها على مستقبل الإبداع الورقي.
- سيد إمام: طبقية المعرفة
في البداية قال الناقد والمترجم سيد إمام إن الكتابة الرقمية لا تختلف عن غيرها من نظم العلامات المنظورة التي يمكن معاينتها بالعين، ولن يختلف كثيراً فضاء الشاشة عن فضاء الصفحة المطبوعة في أي كتاب، فقط سوف يتيح هذا أمام المتلقي مجموعة من الظروف والملابسات التي يمكن أن تلوِّن الخطاب وتفتح أمامه مجموعة من الإمكانات لم تكن في بال أحد. كثير من المتلقين الذين تربوا على قراءة الكتاب المطبوع لا يجدون اللذة ذاتها مثلاً في قراءتهم للمحتوى نفسه في الكتاب الإلكتروني. المتعة المصاحبة لفعل القراءة تختلف لديهم بكل تأكيد، ومن ثم يكون حرصهم على اقتناء الكتاب المطبوع، والعكس يحدث عند الجيل الجديد الذي يحصل على المتعة ذاتها من خلال قراءة الكتاب الإلكتروني.
وعن هوية الكاتب المبدع قال: «علينا أولاً أن نحدد ما نعنيه بمصطلح الهوية؛ هل نقصد به ذلك المعطى الجاهز غير القابل للتحول أو التغيير بغض النظر عما يحيط به من ملابسات وظروف؟ سوف نكون مخطئين بكل تأكيد؛ الهوية كينونة مرنة لا تثبت على حال، فأين يمكننا العثور على هوية نجيب محفوظ الكتابية: في (رادوبيس)؟ في الثلاثية؟ في (اللص والكلاب)؟ في (الشحاذ) أو في (السمان والخريف)؟ لقد شهدت هويته الكتابية عدة تحولات، يجلوها مجموع أعماله بكل تأكيد، هوية تتعدد عناصرها وتختلف معطياتها من عمل لآخر. هناك عناصر أساسية، وأخرى يجرى عليها التحول والتغيير. جدل الثابت والمتحول في كيان كتابي واحد لا غير.
إن الهوية الأدبية تعصف بها عواصف وأنواء وأعاصير، الثبات عدو التطور والنشوء، حتى في حالة الكائنات الحية. من هذا المنظور برزت أشكال جديدة للتعبير الأدبي أو الفني، واندثرت أشكال. برزت الرواية مثلاً و(النوفيلا) والقصة القصيرة والرواية العلمية، وداخل جنس الرواية ذاته ظهرت أنواع جديدة، مثل (اللارواية والميتارواية التأريخية والميتافكشن) واندثرت الحكاية الخرافية والمقامة والقصيدة العمودية والملاحم الكبرى التي تمجِّد انتصار الإنسان، وفنون مثل فن خيال الظل والأراجوز. الهوية الأدبية والفنية (الجمالية عموماً) كيان متقلب مرن لا يثبت على حال ويستحيل حصره في صيغة واحدة أبدية أو قالب واحد على الإطلاق».
ولكن ماذا عن الملكية الفكرية؟ لمن تعود؟ يقول سيد إمام: «قد يبدو كلامي غريباً بعض الشيء. إنها صيغة رأسمالية احتكارية يقصد من ورائها حجب المعرفة عن قطاع عريض من القرَّاء، فضلاً عن كونها آلية تهدف إلى جني أكبر قدر من الأرباح، وإلا، وقد يبدو كلامي جارحاً بعض الشيء: لماذا يلجأ البعض لسرقة الكتب في معارض الكتاب ومن بينهم كتاب معروفون؟ هي المغالاة في الأسعار... ومن ثم ظهرت آلية التزوير لنسخ الكتب الأصلية وبيعها بثمن في متناول القارئ العادي. إذن المستفيد الوحيد من قانون الملكية الفكرية هم بعض دور النشر الجشعة التي تغالي في أثمان الكتب، وليس الكُتَّاب، أنا شخصياً أقتنى بعض هذه النسخ المزورة، ولا يعتريني جراء ذلك أي شعور بالخجل. المعرفة ينبغي أن تكون متاحة للجميع وبثمن معقول. المعرفة ليست حكراً على طبقة محددة من الناس، طبقية المعرفة شيء مقيت بكل تأكيد».
ويتوقع السيد إمام ظهور أدب جديد يواكب تغيرات واقعنا الحالي، كما يتوقع اختفاء أشكال أدبية لم تعد تواكب أو تعبِّر عن هذه التغيرات.
- زينب العسال: نوع أدبي جديد
ومن جانبها، قالت الروائية والناقدة د. زينب العسال: «كلما ظهر جيل جديد يختلط الأمر عليه إلى حد ما، ويصعب التمييز بين السياق الأدبي وغيره، وعندما بدأ ظهور مصطلح (الكتابة الرقمية) لم نتصور أن هذا المصطلح سيستمر، أو يثير النقاش حوله، لكن بعد فترة نشأ كيان أدبي هو (اتحاد كتاب الإنترنت)، له رئيس ومجلس إدارة، ويقيم اجتماعات في كثير من العواصم العربية. لا تزال ملامح الكتابة الرقمية غير واضحة لحد الآن، فكل من ينشر على الإنترنت يظن أن كتابته رقمية، وهو ما جعل بعض النقاد العرب يرصدون الظاهرة ويعرضون لملامحها. الكتابة الرقمية تبتعد تماماً عن عالم الطباعة الورقية، أو عن عالم الحكي الشفاهي، وتعتمد كلياً على الكومبيوتر والوسائط الرقمية، وهي بالتالي تفيد من المخزون المعرفي الوارد في تلك الوسائط وغيرها، كما أنها تساعد على التفاعل المباشر، والمزج بين الفنون».
نحن أمام كتابة تعتمد على الحرف وتنوعاته، والرسوم التوضيحية، والفنون التشكيلية، وبرامج «الغرافيك»، و«الفوتوشوب»، ومقاطع من الأغنيات، ومقاطع من الأفلام، فضلاً عن الإفادة من الروابط والنوافذ المشرعة على العوالم الافتراضية والبرمجة الهندسية، إذن نحن أمام نوع أدبي جديد لا يمكن أن يتقنه أو ينتجه إلا من يعرف هذه الوسائط، سواء كان منتجاً للنص، أو متلقياً له؛ فالمتلقي له دور فاعل في النص، والفاعلية تلعب دورها بين المستقبل والكومبيوتر من جهة، والكومبيوتر والمرسل من جهة أخرى.
وتؤكد العسال على تجاور الأنواع الأدبية وتداخلها، مبررة ذلك بأن الأجناس الأدبية لا تختفي بظهور أنواع جديدة؛ فهل ألغى ظهور الرواية القصة القصيرة، أو ألغى شعرُ التفعيلة الشعرَ التقليدي، أو تراجعت القصة القصيرة بتألُّق القصة القصيرة جداً، أو القصة الومضة؟ قد يغير هذا الجنس الأدبي من خريطة الأدب، فتظهر أسماء أصحاب نصوص ضعيفة، أو لا تنتسب إلى الإبداع الأدبي، وثمة بعض النصوص التي تفتقد مقومات الجنس الأدبي، لكنها تحظى بالإعجاب، وبالتعليق عليها، إضافة إلى كثرة «تشييرها».
وتخلص العسال إلى مطالبة «اتحاد كتاب الإنترنت» بتفعيل دوره في وضع المعايير والآليات، ومنع نشر كل ما يخالف ذلك، أو لا يمت بصلة إلى هذا النوع الأدبي، إضافة إلى رصد الظاهرة، وبحثها، وتحليلها من قبل الباحثين والنقاد.
- الخريبي: عززت الإبداع بصرياً
واستهلّ الروائي أشرف الخريبي رأيه قائلاً: «لا بد من التفرقة بين الكتابة الرقمية والكتابة عبر الوسائل الرقمية (الكومبيوتر ووسائل الميديا)؛ فالكتابة على الكومبيوتر شيء، وإنتاج نصٍّ رقمي شيء آخر. بهذا المفهوم الأخير النص الرقمي هو انتشار معرفي لاتصاله بعلوم التقنية المتنوعة والحديثة وتختلط معه العملية الإبداعية، ومن ثم تصبح هذه الكتابة جزءاً من الإبداع، ولكنها لا تستغني عن عملية الإبداع نفسها، باعتبار الإبداع سلطة أولى على المبدع لا يمكن أن تفارقه، فالرقمية تسعى إلى القيام بدور جديد للكتابة بنقل الصورة السمعية - اللفظية إلى صورة مرئية حركية، أي بنقل وتحويل اللفظ من مجرد وعي دلالي في الذاكرة إلى وعي مفهومي بصري مرئي، ويصبح لها هذا الانطباع الفسيولوجي على التلقي بغرض إحداث أكبر أثر ممكن، وإدخال التلقي في منطقة النص واشتراكه فيها لرؤية جديدة، حيث العالم النصي مؤول لصالح التلقي المفترض وجوده ذهنياً، ودالّ بحسب الصورة المطروحة في بناء هذا النص، وفى شكل تجسدها عبر عوالم وأحاسيس مُتخيَّلة خلال واقع افتراضي وأدوات التقنية».
وقلَّل الخريبي من تهم التزييف التي تلحق بهذه الكتابة، قائلاً إن «الأعمال المنتشرة على الإنترنت كثيرة ومتعددة، ولكنه يبدو أن التزييف مستحيل في الإبداع؛ المبدع له سمات يتخلق من خلالها عمله وأداؤه في أي جنس أدبي، فالقصة الحقيقية لمبدع حقيقي تبدو للعيان بلا أسباب غير الإبداع نفسه الذي يميز العمل الفني عن غيره، وتستطيع بسهولة أن تفرق بين الغث والسمين، هناك معايير كثيرة لتحديد هذا المفهوم أهمها الوعي وروح النص التي ما تلبث أن تسيطر على المتلقي بخطابها الحقيقي؛ شعراً أو قصة أو رواية.
ويخلص الخريبي إلى أن «الكتابة الرقمية مرحلة إبداعية وتجربة جديدة منذ الكتابة على الحجر والنقوش عبر مراحل التاريخ. إنها التطورات التاريخية المذهلة والمدهشة، لم يكن يتوقع أحد أننا ما زلنا نقرأ وصايا الفلاح الفصيح من آلاف السنين على الحفريات الفرعونية، ولم يكن هناك من خطر رغم ما جاء من وصايا مكتوبة ومطبوعة ومصنوعة للفلاح الفصيح أيضاً. الكتابة الرقمية تجربة مضافة للأجناس الأدبية ولا تلغيها ولا تقلل منها، بل تضيف إليها تجربة إنسانية بلغة مختلفة وعبر وسائل جديدة».
- رجب: النشر المجاني
ويرى الكاتب أحمد رجب شلتوت أنه من الطبيعي أن تنتج الكتابة الرقمية أدباً يناسبها، وقد تسهم كذلك في اندثار أنواع أدبية، مشيراً إلى أن هذا يحدث دائماً؛ فأدب المراسلات مثلاً اندثر منذ زمن، لكن الإنترنت أعاده بشكل مختلف ولغة مختلفة، وقد اكتسب الأدب الرقمي، لا سيما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، سمات كثيرة؛ أولها الإيجاز الشديد، وهو ما بدا أثره في انتشار الكتابة الشذرية عموماً، وقد تحقق للأدب مع التطور التكنولوجي انتشار واسع، ولم يعد ثمة وسيط بين المبدع والمتلقي؛ فهو يكتب وينشر دون تدخل وسيط، ولا يخضع أيضاً للقدرة الشرائية للمتلقي، إذ صار بإمكانه قراءة الكتاب الإلكتروني بمجرد إتاحته على الشبكة الإلكترونية، أيضاً أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي اتصالاً مباشراً بين الأدباء والقراء، مما يمكِّنهم من إدراك أثر كتابتهم في المتلقي بشكل لا يتيحه الكتاب الورقي، كل ذلك جيد.
ويستدرك شلتوت قائلاً: «لكن الشيء غير الجيد هو أن تلك السهولة الشديدة أغرت المئات وربما الآلاف بالكتابة، مجرد مداعبة أناملهم لأزرار هواتفهم أو أجهزة الكومبيوتر خاصتهم تنتج ما يسمونه كتابة».



تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».