غوطة دمشق ... «سجن كبير» من الركام والخوف

TT

غوطة دمشق ... «سجن كبير» من الركام والخوف

في حي جوبر شرق دمشق، وأقرب الأحياء التي كانت فصائل المعارضة المسلحة تسيطر عليها إلى وسط مدينة العاصمة السورية، لا وجود للحياة بالمطلق، فالدمار شبه كلي في كل أرجائه، بعدما شكل الحي «خط تماس» ملتهباً بين المعارضة وقوات النظام طيلة أكثر من خمس سنوات، وذلك قبل أن يستعيد الأخير السيطرة على كامل الغوطة في بداية الصيف الماضي وتهجير الفصائل وجزء كبير من السكان إلى الشمال السوري بموجب ما يطلق عليه اتفاقات «مصالحة».
الحي يعتبر بوابة الغوطة الشرقية إلى دمشق، ولا يبعد سوى مئات الأمتار عن ساحة العباسيين ثاني أكبر وأهم ساحة في دمشق بعد ساحة الأمويين، وتتداخل أراضيه ما بين أراضي الغوطة الشرقية وأراضي دمشق، إلا أنه إدارياً يتبع للعاصمة.
أحد أهالي الحي، ممن نزحوا منه خلال الحرب، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أن الحي خالٍ تماماً من الأهالي، ذلك أن حواجز النظام تغلق مداخله بشكل محكم، وتمنع الأهالي ممن بقوا في البلاد من الدخول إليه، بعدما سمحت لهم في الأيام الأولى من السيطرة عليه بتفقد منازلهم التي «سويت غالبيتها بالأرض».
ويؤكد، أن بعض الأهالي وفي الغرف المغلقة يتحدث عن «عمليات بيع للعقارات يجري إجبار الأهالي على القيام بها لصالح أشخاص غير معروفين وقد تكثفت مؤخراً»، بعد إعلان محافظة دمشق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن خطة زمنية لوضع دراسات خاصة بمناطق «السكن العشوائي» المحيطة بالمدينة، ومن ثم إعادة تنظيمها وفق القانون رقم «10»، وتتضمن مرحلتها الأولى التي ستنتهي العام المقبل، وضع دراسة تنظيمية لأحياء «جوبر»، و«القابون الصناعي»، و«برزة»، و«عشر الورور»، شمال شرقي العاصمة.
- مجرد كلام
مدينة «حرستا» التي تقع شمال الغوطة، وتحاذي حي «جوبر» من الجهة الشمالية، وتلاصق أراضيها الحدود الإدارية للعاصمة من الجهة الشرقية، تمنع حواجز النظام عمليات الدخول إليها والخروج منها، إلا لأهالي المدينة الأصليين، وغالباً ما تحصر الأمر بمن هم فوق سن 45 عاماً.
«أبو أحمد» وهو اسم مستعار لأحد أهالي المدينة ويعيش حالياً في ريف العاصمة وسبق له أن دخل إلى المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «الدمار كثير وكبير ولا يزال طاغياً على معظم المدينة، ونسبة المنازل المدمرة بشكل كلي تقدر بـ80 في المائة، والتي تحتاج إلى عملية إعادة ترميم كبيرة نحو 10 في المائة، بينما تصل نسبة المنازل التي يمكن السكن فيها بعد عمليات ترميم بسيطة إلى 10 في المائة»، ذلك أن المدينة شهدت معارك عنيفة للغاية بين فصائل المعارضة وجيش النظام وحلفائه.
حركة الناس في شوارع المدينة بسيطة جداً، إن لم تكن نادرة، وتقتصر على قلة قليلة تأتي لساعات معدودة، خصوصاً في يومي العطلة الرسمية (الجمعة والسبت) تتفقد خلالها منازلها، وفق «أبو أحمد» الذي يؤكد أنه «لا يمكن العيش حالياً في حرستا حتى لمدة 24 ساعة بسبب عدم وجود مقومات للحياة».
«أبو أحمد» يضيف: «لا يوجد كهرباء ولا ماء ولا صرف صحي. وعدنا (النظام) منذ أكثر من ستة أشهر بإزالة الركام وفتح الطرقات وإعادة الخدمات، وحتى الآن لم نرَ شيئاَ من ذلك»، ويوضح أنه «كانت هناك وعود بدفع تعويضات للأهالي تساعدهم في إعادة بناء أو ترميم منازلهم، ولكن حتى الآن الوعود مجرد كلام. بعض الأهالي ممن لم تدمر منازلهم بشكل كلي ويمكن ترميمها يقومون بذلك بشكل تدريجي على نفقتهم الشخصية. حتى أننا لم نرَ أي مساعدات من منظمات أو هيئات (دولية)».
عدا عن ذلك، يكشف «أبو أحمد»، أن منازل أهالي المدينة المشرفة على الطريق الدولية دمشق - حمص في منطقة حرستا، أقدم النظام على «نزع ملكيتها» من الأهالي، بعد أن كانت تلك المنطقة «خط تماس» ملتهباً، حيث سيطرت فصائل المعارضة ولفترات طويلة على الطريق في تلك المنطقة وقطعتها، مما دفع النظام إلى الاستعاضة عنها بطريق بديلة تمر عبر بلدات القلمون الشرقي للوصول إلى المناطق الواقعة في وسط البلاد وغربها. ويقول: «النظام استملك أراضي بعرض 80 متراً غرب الأوتوستراد، ومثلهم شرقه، وبطول 3 كيلومترات. هدم بيوت الناس. حتى أنه هدم جامعاً هناك قبل يومين. هذا كله بدافع الانتقام وسرقة لأرزاق كان من المستحيل أن يحصل عليها. سرق أراضينا». ويضيف: «يخططون لبناء أبراج سيكون للمتعهد 50 في المائة وللملاك المتحاصصين 50 في المائة. هذه سرقة لقد كنا نأخذ كملاك أرض 90 و93 في المائة وللمتعهد 10 أو 7 في المائة».
بعد أن يلفت «أبو أحمد» إلى توفر وسائل مواصلات من وسط العاصمة إلى مدخل المدينة الغربي، يوضح أن تلك الوسائل لا تستطيع الوصول إلى وسط المدينة بسبب حجم الدمار الكبير، وبالتالي من يقع بيته في وسط المدينة يتكبد عناء السير وسط أكوام الردم لمسافات بعيدة من أجل الوصول إليه.
أبرز العوائق التي يعاني منها الأهالي في عمليات ترميم منازلهم هي إدخال المواد الأولية إلى المدينة بسبب تحكم عناصر الجيش والقوى الأمنية على الحواجز بذلك، بحسب «أبو أحمد» الذي يشير إلى أنه «في بعض الأحيان يسمحون بذلك بعد أخذهم رشى تقدر بأضعاف مضاعفة لسعر تلك المواد، وفي بعض الأحيان يمنعوننا من إدخال تلك المواد بشكل مطلق، ويبدو أنهم لا يريدون لمناطقنا أن تعود إليها الحياة وأن نعود إليها».
«أبو أحمد» الذي يشير إلى أن عودة الأهالي من بيوتهم يمكن السكن فيها بعد ترميمات بسيطة «ضعيفة جداً»، وتقتصر على كبار السن، ويلفت إلى أن العودة تحتاج إلى «موافقات أمنية» من النظام تتخللها «إجراءات معقدة للغاية» توحي بأنها ضغوط تمارس على الأهالي تهدف إلى «عدم العودة».

- لا عودة إلى «دوما»
إلى الشمال من حرستا، يبدو الدمار أقل بكثير في مدينة دوما أكبر مدن الغوطة الشرقية، التي لم تحصل فيه معارك عنيفة، بعد أن رضخ فصيل «جيش الإسلام» الذي كان يسيطر عليها، لـ«مصالحات» النظام في الأيام الأولى من المعركة.
الحياة في دوما تبدو شبه طبيعية «نوعاً ما» مع وجود المياه والكهرباء، ويعيش فيها نحو 200 ألف نسمة هم من سكان المدينة الأصليين وأهالي بلدات وقرى مجاورة تدمرت منازلهم من جراء المعارك، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط» أحد الأهالي في اتصال أجرتها معه.
المصدر يشبه دوما حالياً بأنها «سجن» لأن حواجز النظام «تمنع بالمطلق الأهالي من الخروج منها»، لكنها تسمح لنازحي المدينة بالدخول بشكل «مؤقت إليها لمدة ساعات فقط وذلك من بلدة (مسرابا) المجاورة، وذلك بعد احتفاظ عناصر الحواجز ببطاقته الشخصية لضمان خروجه من المدينة».
لكن المصدر، يوضح أنه وفي مقابل محاولات النظام عدم إعادة الحياة إلى المدينة عبر تقصد «التقليل» من المواد الغذائية وغيرها من المستلزمات المعيشية التي يسمح بإدخالها إليها على فترات متباعدة زمانياً، يعمل الأهالي على أحياء المدينة من خلال «تكثيف زراعة الخضراوات»، وإعادة افتتاح الأسواق ومحال الموبيليا والمفروشات وأجهزة الهواتف الجوالة التي يجري إدخالها بعد دفع رشى كبيرة لعناصر الحواجز، مشيراً إلى توفر «إمكانيات مادية لا بأس بها لدى الأهالي».
بعد افتتاح تجار محسوبين على النظام «أكثر من خمسة معامل لصنع (البلوك) في قرية مسرابا» أخذت تنشط عمليات إعادة ترميم المنازل» في المدينة، وذلك على نفقة الأهالي الشخصية، بحسب ما يؤكد المصدر.
المشكلة الأبرز التي يعاني منها سكان المدينة هي «حملات الاعتقال المتواصلة لشريحة الشباب» التي تقوم بها أجهزة النظام الأمنية، بذريعة إلحاقهم بـ«الخدمة الإلزامية» في جيش النظام بعد تخلفهم عنها، وذلك تنفيذاً لبنود اتفاق «المصالحة»، بحسب المصدر الذي يوضح أن شوارع المدينة خالية تماماً من الشباب الذين يمضون أيامهم حالياً مختبئين في المنازل، ويلفت إلى أن عمليات الاعتقال لا تقتصر فقط على الشبان المتخلفين عن «الخدمة الإلزامية»، وإنما «تحصل بشكل عشوائي. حتى ورقة منع التعرض الروسية لم تحمِ حاملها»، في إشارة إلى أن القوات الروسية كانت طرفاً في اتفاق «المصالحة» ولها انتشار في مدن الغوطة.

- التعليم في المنازل
المصدر يوضح، أن الأهالي يعانون من قلة عدد المدارس الصالحة لعملية التعليم بدوما والتي «تعد على أصابع اليد»، في مقابل كثافة كبيرة في عدد الطلاب، ويقول: «المدارس المتاحة يجري فيها تدريس طلاب مراحل التعليم الثلاث وعلى فترتين في اليوم، عدا عن النقص الكبير في المستلزمات التعليمية من مقاعد ومدرسين ومخابر، وعدم صيانة تلك المدارس بشكل كامل بعد الأضرار التي طالتها خلال العمليات العسكرية».
«شباب وصبايا» وفي ظل الواقع التعليمي القائم أطلقوا «مبادرة التعليم في المنازل»، بحسب ما يذكر المصدر.
وإن وفر النظام وسائل النقل من دمشق إلى عدد من مدن وبلدات الغوطة الشرقية، فإنه يفرض حصاراً مطبقاً على كل مدينة وبلدة وقرية، ويمنع انتقال الأشخاص فيما بينها بحسب تأكيدات المصادر السابقة من الأهالي التي تعزو الأمر إلى محاصرة الشباب في أماكن إقامتهم ليسهل على النظام اعتقالهم. وتوضح أن المجتمع في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بات يطغى عليه حالياً شريحتا الفتيات والنساء بعد تهجير الغالبية العظمى من الشباب والرجال ممكن كانوا في صفوف الفصائل المسلحة.


مقالات ذات صلة

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أبو زرعة المحرّمي خلال لقاء أخير مع الفريق محمود الصبيحي في الرياض (حساب أبو زرعة على إكس)

المحرّمي: لن نسمح بفوضى أو «صراعات عبثية» في عدن

أكد أبو زرعة المحرّمي أن أمن عدن واستقرارها أولوية، وأنه لن يٌسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة، أو جرها إلى الفوضى والصراعات العبثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.