ألمانيا: خيار الديمقراطيين المسيحيين بين الاستمرارية والرهان على التغيير

مع تقدّم القيادية الجريئة كرامب ـ كارنباور ورجل الأعمال ميرز في «السباق الثلاثي» لخلافة ميركل

ألمانيا: خيار الديمقراطيين المسيحيين بين الاستمرارية والرهان على التغيير
TT

ألمانيا: خيار الديمقراطيين المسيحيين بين الاستمرارية والرهان على التغيير

ألمانيا: خيار الديمقراطيين المسيحيين بين الاستمرارية والرهان على التغيير

طوال 8 أيام، جال المرشحون لزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في كل أنحاء ألمانيا من أجل التواصل مع الناخبين والتحدث إليهم. كان كل منهم يحاول تمييز نفسه عن الآخر.
ورغم كثرة المواضيع الاجتماعية التي تشغل الألمان، كان طاغيا على الأقل في الجولات الأولى للمرشحين، موضوع الهجرة واللجوء. ومرشح واحد من بين الثلاثة، بدا قادراً على تحريك القاعدة الشعبية بشغف. إذ عندما كان فريدريك ميرز يتكلم كان الجمهور يقف ليصفق... ولفترة طويلة.
وبخلاف منافسيه نجح ميرز بسرقة ضحكات من مستمعيه. للبعض، يبدو الأكثر إقناعاً. فهو رجل ستيني، فقد بعض الشعر من رأسه والبعض آخر أصابه الشيب. وهو طويل القامة نحيل الجسم، ويتردد أن حزب «البديل لألمانيا»، المتشدد في يمينيته، متوتر من احتمال فوزه بالزعامة، ومتخوف من أنه قد يأخذ الكثير ممن يفترض أنهم ناخبوه.
أما منافسا ميرز، فهما شاب مثلي طموح وسيدة رصينة. المنافس الشاب يانس شبان، يشغل راهناً منصب وزير الصحة في الحكومة الحالية. وهو «ثلاثيني» يتحدث بثقة كبيرة رغم أن صغر سنه لا يساعده. أما السيدة فهي أنغريت كرامب - كارنباور، التي تشغل حالياً منصب الأمينة العامة للحزب، وهي في الخمسينات من العمر. شعرها قصير بني اللون، وتضع نظارات طبية. وتتكلم بشيء من الصلابة والرتابة.
عندما يواجه المتنافسون الثلاثة الجمهور تقف كرامب - كارنباور بين الرجلين الأطول منها قامة بكثير. غير جولاتهم «الشعبية» هذه قد لا يكون لها تأثيرها الكبير. ذلك أن مَن سيصوت لاختيار زعيم الحزب، هم المندوبون البالغ عددهم 1001 مندوب وليس أعضاء الحزب العاديين. وهؤلاء، اعتباراتهم مختلفة عن اعتبارات القاعدة الشعبية.

بين «نسخة ميركل» و«عدو ميركل»، كما يُعرفان في الصحافة الألمانية، سيختار مندوبو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ في ألمانيا خليفة المستشارة أنجيلا ميركل في زعامة الحزب.
«نسخة ميركل» هي أنغريت كرامب - كارنباور، ابنة الحزب المخلصة التي ترقّت تدريجياً في سلّم القيادة خلال العقود الماضية، بينما «عدو ميركل» هو فريدريك ميرز، السياسي اللامع ورجل الأعمال الثري كان غائباً عن الساحة السياسية لأكثر من عقد من الزمن بعدما نجحت ميركل في إبعاده قسراً، ومن ثم، يعتقد كثيرون أنه عاد «للانتقام». وأخيراً، يبقى المرشح الثالث يانس شبان، الذي يعتبره معظم المراقبين خارج المنافسة وبعيداً عن تحقيق نقاط تذكر... سواءً مع القاعدة الشعبية أو مع المندوبين.

تقدّم مبكّر لميرز
عندما بدأ السباق لخلافة ميركل في زعامة الحزب، كان ميرز متقدّماً على منافسيه في استطلاعات الرأي بين القاعدة الشعبية للحزب. ولكن الآن، قبل أسبوع واحد من موعد التصويت، لاختيار الزعيم الجديد، تراجع ميرز إلى المرتبة الثانية مقابل تقدّم كرامب - كارنباور إلى المرتبة الأولى بنسبة نحو 48 في المائة مقابل 35 في المائة لميرز ونحو 2 في المائة فقط لشبان الذي خسر 10 نقاط مئوية منذ بداية السباق. واللافت أن المُستطلَعين يقولون إنهم يثقون بـ«السيدة» أكثر من الرجلين. وفي الحقيقة، لهذه الثقة أسباب وجيهة.

المرشح الشاب
شبان، وزير الصحة الشاب، يبدو عاجزاً عن كسب ثقة الناخبين لصغر سنه نسبياً، وعاجزاً عن كسب ثقة المندوبين بسبب أسلوبه «المُستنسَخ» عن أسلوب شبيهه المستشار النمساوي المتطرف الشاب سيباسيان كورتز. وحقاً، يقول مصطفى عمّار، عضو مجلس أمناء الحزب وأحد المندوبين الذي سيصوّتون لانتخاب الزعيم الجديد، يصف شبان بأنه «صاحب رؤية جيدة»، قبل أن يضيف «لكنه ما زال شاباً في معترك العمل السياسي ولا خبرة لديه في عمل الحزب».
وبالمناسبة، المعروف أن شبان مقرّب من المستشار النمساوي كورتز، المتشدّد في قضايا الهجرة واللجوء، والذي يسعى منذ تولّيه منصبه لإدخال قوانين تصعّب على اللاجئين الانتقال إلى النمسا. وهنا يعلّق عمّار على أفكار شبان القريبة من أفكار كورتز بالقول: «شبان متمسّك بطريقة طرح الأمور على طريقة كورتز، وهو يحاول تطبيق أي شيء طبّق هناك (في النمسا)... هنا في ألمانيا».
وبالفعل يبدو شبان متأثراً بسياسات مستشار النمسا المتطرّف، خاصة فيما يتعلق بالهجرة. ولقد أثار موجة انتقادات خاصة داخل حزبه، عندما دعا إلى رفض ميثاق الهجرة الذي أقرّته الأمم المتحدة في يوليو (تموز) الماضي ودعت الدول إلى التوقيع عليه. ومع أن الميثاق غير ملزم للدول الموقعة عليه، وكل هدفه تنظيم الهجرة مع الاعتراف بحق كل دولة بفرض قوانينها، فإن الدول التي يقودها ساسة معارضون للهجرة رفضوا الانضمام إليه. ومن هؤلاء كورتز الذي اعتبر أن الميثاق «قد يحوّل الهجرة إلى حقّ من حقوق الإنسان ويلغي الفرق بين الهجرة الشرعية وغير الشرعية». كذلك كان بين القيادات العالمية الرافضة للميثاق، إدارة الرئيس دونالد ترمب في الولايات المتحدة، وقادة بولندا والمجر وتشيكيا، والدول الأوروبية هذه يقودها قادة يمينيون متطرفون وشعبويون.
وتجدر الإشارة إلى أنه في العاصمة الألمانية برلين أعلن حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف رفضه للميثاق الأممي، ومعتبراً إياه برنامجاً «لإعادة توطين اللاجئين الفارين من الفقر». ولكن مع ذلك، أقر «البوندستاغ» - أي مجلس النواب في البرلمان الألماني - الميثاق قبل يومين بعد نقاش طويل داخل المجلس.

ميرز... رجل الأعمال
من جانبه، يبدو ميرز بالنسبة للناخبين «بعيد الارتباط» عنهم. ومع أن خلفيته الاقتصادية تلعب دوراً إيجابياً في بث الثقة به، فإن ارتباطه بشركة «بلاك روك» الذي كان يرأس عملياتها في ألمانيا لسنوات واستقال منها للترشح لزعامة الحزب، أثّر سلباً على علاقته بالناخبين. وكمثال على ذلك، رفض ميرز في مقابلة أدلى بها قبل نحو أسبوع لصحيفة «بيلد» الشعبية الاعتراف بأنه مليونير، مفضّلاً وصف نفسه بأنه «ينتمي للطبقة الوسطى»، لكن هذا الكلام به الكثير من الاستهزاء. بل بات وصفه لنفسه بأنه من «الطبقة الوسطى» محطّ مزاح وسخرية متواصلين، حتى أنه تحوّل إلى إعلان استخدمته شركة «سيكست» لتأجير السيارات، التي وضعت صورة له وكتبت أسفلها: مليونير ومرتب سنوي ليس من «الطبقة الوسطى». وإلى جانبه صورة لسيارة أودي فاخرة كتبت أسفلها: 99 يورو في اليوم هذه «طبقة عليا».
وبالفعل، رفض ميرز هذا الاعتراف بثروته، ومحاولته تصوير نفسه على أنه من العامة، أفقده الكثير من ثقة الناخبين. وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إنستا» ونشرته صحيفة «بيلد»، أن 64 في المائة من المُستطلَعين قالوا إنه «لا ينتمي للطبقة الوسطى».

قصة الرجل المشرّد
وما زاد من الشعور بأن ميرز فعلاً فاقد للارتباط بالواقع، قصة ظهرت في صحيفة «تاز» لرجل مشرّد وتجربته مع ميرز عام 2004. إذ يروي الرجل للصحافية كيف عثر على كومبيوتر محمول في أحد القطارات في برلين، وعندما فتحه عثر على قائمة بأرقام هواتف كبار الساسة من بينهم غيرهارد شرودر - الذي كان مستشارا حينذاك - وأنجيلا ميركل وغيرهما الكثير. ووفق الرجل، الذي يدعى إنريكو، بأنه علم على الفور بقيمة الكومبيوتر الذي عثر عليه، وأنه لم يشأ أن يقع في أيدي الأشخاص الخطأ، فسلّمه للشرطة وترك عنوان أحد مراكز مساعدة المشرّدين في المدينة. ويتابع أنريكو روايته قائلاً إنه بعد 4 أسابيع وصل طرد باسمه إلى عنوان مركز إيواء المشردين الذي تركه مع الشرطة. وكان الطرد عبارة عن كتاب لمؤلفه ميرز بعنوان «فقط أولئك الذين يتغيّرون سيصمدون: عن تحقيق الثروة والمستقبل». وفي الكتاب إهداء يقول: «شكر كبير للعاثر الصادق».
لم يصدّق الرجل المشرّد ما تلقاه، وقال وهو يتذكّر بغضب: «كان أمراً شائناً… لقد رميت الكتاب في نهر شبري على الفور. كان يعلم من العنوان الذي زوّدته الشرطة به أنني رجل مشرّد». وتابع إنريكو أنه لم يكن «غبياً» فهو كان يعلم أن بإمكانه بيع الكومبيوتر في السوق السوداء وجني الكثير من المال مقابل ذلك، لكنه اختار أن يفعل ما هو الصواب، ولكن هذا لم يكن له «أي قيمة» بالنسبة لميرز.
وعلى الأثر، علّق أحد النواب المنتمين للحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) على الرواية، وغرّد على «تويتر» أنها «تقول كل ما تريدون معرفته عن شخصية ميرز».
شخصية ميرز هذه، وخصال أخرى فيه، تلعب على ما يبدو دوراً سلبياً في علاقته مع أعضاء الحزب أيضاً. وهنا يشرح مصطفى عمّار أن كثيرين من المندوبين أبلغوه بأنهم لن يصوّتوا لميرز لأنه ذو شخصية متشبّثة بآرائها ولا يقبل نصائح أحد. ويضيف أن من عرفه في السابق، وكان معه في البرلمان، يقول إنه «مستبد برأيه، ويصعب التحاور والتفاهم معه ومن ثم إقناعه».

العلاقة مع واشنطن
أيضاً من النقاط السلبية التي يعاني منها ميرز، في نظر عدد من الحزبيين الديمقراطيين المسيحيين، ارتباطه الوثيق بالولايات المتحدة، اقتصاديا على الأقل، بسبب عمله مع شركة أميركية طوال السنوات الماضية. أضف إلى ذلك، أن ميرز يروّج لعلاقات أوثق وأمتن مع واشنطن رغم انتقادات إدارة ترمب المستمرة لألمانيا، وبخاصة، فيما يتعلق بمساهماتها المالية لحلف شمال الأطلسي «ناتو» وسياسة اللجوء التي اعتمدتها المستشارة ميركل منذ العام 2015. ووفق عمّار «هناك تخوّف داخل الحزب من أن نعود ونتحول إلى تابعين لأميركا في ظل حكم ميرز، فهو كان بعيداً كل البعد عن السياسة لفترة طويلة... مركّزاً على عمله في مجال الأعمال التي قربته كثيرا من واشنطن».
ولكن في المقابل، هناك الكثير من الجوانب الإيجابية أيضاً. فغياب ميرز الطويل عن السياسة وانخراطه في الأعمال والأرقام والاقتصاد، مكّناه من التحدّث بثقة ومعرفة عن السياسات الاقتصادية التي تهم ناخبي حزبه المحافظ، خاصة، فيما يتعلق بأنظمة الضرائب والتقاعد والمرتبات وساعات العمل وغيرها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن نظام الضرائب الألماني معقّد جداً وبحاجة ماسة لإصلاحات، وميرز - بالذات - من أقدم الداعين لإصلاحه وتبسيطه. كما أنه اشتهر في الماضي بدعوته لتبسيط نظام الضرائب لدرجة تجعل المواطنين قادرين على احتساب ضرائبهم على ورقة صغيرة. ومثله نظام التقاعد الذي يحتاج لإصلاحات تجعله قادراً على
مماشاة استمرار شيخوخة المجتمع الألماني. وكان حزب «البديل لألمانيا» قد استغل غياب الإصلاحات في هذه المجالات لكسب أصوات الناخبين. ويقول البعض أنه لهذا السبب، يتخوّف الآن من إمكانية فوز ميرز لأن ذلك سيؤدي به إلى خسارة الكثير من الأصوات التي كسبها بسبب تكراره الكلام عن تأخر الإصلاحات الضرورية لهذه القوانين.

الهجرة واللجوء
على صعيد آخر، مع أن ميرز حاول في البداية اتخاذ خط متشدّد من الهجرة وبدا مقنعاً للناخبين، إلا أنه ذهب بعيداً عندما دعا إلى مناقشة بند في الدستور الألماني يحفظ حق اللجوء، وهو بند أدخل بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل على الاضطهاد والقتل الذي تعرّض له اليهود أيام النازيين. وحقاً، أي جدل حول هذا البند يُنظر إليه على أنه أشبه بإنكار حقبة سوداء من تاريخ البلاد. وللعلم، تعدّ ألمانيا اليوم الدولة الوحيدة التي تحفظ حق اللجوء في دستورها.
وما زاد من الجدل حول دعوة ميرز، نفيه تصريحاته في اليوم التالي، وقوله إنه جرى اجتزاء كلامه فأخرج عن سياقه. لكن الصحافة الألمانية كانت به بالمرصاد، إذ عادت وطبعت كلامه كاملاً قبل يوم، ما أظهر أن أحداً لم يسئ تفسيره.

«نسخة ميركل المصغرة»
مع ظهور هذه النقاط السلبية لدى ميرز، كانت آنغريت كرامب - كارنباور، طبعاً، المستفيد الأكبر. ومع أن هذه السيدة لم تحمل الكثير من الجديد، بل لقبّتها الصحافة الألمانية بـ«نسخة ميركل المصغّرة»، فقد تمكنت في الأيام الأخيرة من كسب نقاط مهمة وكثيرة وضعتها بحسب استطلاعات الرأي في صدارة المتسابقين… أقله لدى الناخبين.
حاولت كرامب - كارنباور تمييز نفسها عن ميركل في بعض النواحي. مثلاً، رغم دفاعها عن سياسة الهجرة التي اعتمدتها ميركل عام 2015. فإنها دعت إلى ترحيل طالبي اللجوء السوريين المتورّطين بجرائم. ولكن، يظهر أن تقريرا لوزارة الخارجية الألمانية خلص إلى استحالة ترحيل أحد إلى سوريا بسبب المخاطر، أوقف هذا الجدل. وفيما بعد دافعت عن الانضمام إلى ميثاق الهجرة الأممي، وانتقدت ميرز لدعوته فتح نقاش حول بند اللجوء في الدستور الألماني. وهكذا، فهي بالنسبة لأمثال مصطفى عمّار «الوحيدة من بين المرشحين التي لم تستخدم ورقة اللجوء لكسب المزيد من التأييد».
أكثر من هذا، عندما تتحدث كرامب - كارنباور عن الهجرة، فإنها تذكر «الهجرة الإيجابية بهدف لإدخال الكفاءات التي تحتاجها البلاد لسد آلاف الوظائف الشاغرة في مختلف القطاعات».
وكلامها هذا أكسبها تأييداً كبيراً في صفوف الشركات الألمانية، وكذلك أصحاب الأعمال الذين حذّروا من أن العجز عن ملء الوظائف الشاغرة قد يهدّد نمو الاقتصاد الألماني.

«نعم نستطيع»
ويبدو أن ثقة أمينة عام الحزب تزايدت في الأيام الماضية لدرجة أنها ما عادت تحرص كثيراً على الابتعاد سياسيا عن نهج ميركل، بل اختارت في أحد التجمّعات الانتخابية الأخيرة أن تكرّر واحدة من أشهر جمل ميركل حول أزمة اللجوء، وهي «نعم نستطيع» في إشارة إلى قدرة ألمانيا على مواجهة التحديات القادمة من مليون لاجئ سوري.
لم تتردد كرامب - كارنباور من تكرار هذه الجملة مع أنها تعلم دلالاتها، وأنها ستربطها أكثر بميركل. والواقع، أن لدى كرامب - كارنباور قدرة على الحصول على ثقة الناخبين. ثم إن «إخلاصها» لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وبقاءها وتدرّجها في صفوفه طوال السنوات الـ20 الماضية، عوامل أكسبتها أيضاً علاقات جيدة مع أعضاء الحزب والمندوبين ما قد يساعدها في كسب أكبر عدد من الأصوات.

إكمال المسيرة أم الثورة؟
انتخاب «آكا كا» – كما تُعرف آنغريت كرامب - كارنباور اختصاراً – قد لا ينشّط القاعدة الشعبية للديمقراطيين المسيحيين بالطريقة نفسها التي قد ينشّطها انتخاب ميرز. وقد لا تتمكن هذه السيدة الرصينة من انتزاع الكثير من الأصوات من حزب «البديل لألمانيا». غير أن انتخابها، بحسب محللين، سيعني بأن الحزب قرّر إكمال مسيرة ميركل وسياساتها لا الثورة عليها. كذلك سيعني أن الحزب أثبت بأنه قابل للتغيير، وهذا بحد ذاته سيفقد حزب «البديل لألمانيا» الكثير من الأصوات، وإعادة «الناقمين» من الديمقراطيين المسيحيين إلى حضن حزبهم المحافظ العريق.
في النهاية، يرى مصطفى عمّار، «أن الذي سينجح بقيادة الحزب، وربما لاحقاً يصبح مستشاراً سيكون عليه الالتزام بالبرنامج الذي وضعه الحزب حتى العام 2025، كما سيتوجب عليه الحكم «بالإجماع» وهو ما يتلخص في شخصية آكا كا، على عكس ميرز الذي تبدو نزعته للحكم تفردية». وهنا يشير إلى أن «الكثير من مشاكل الحزب اليوم وخسارته للناخبين كان سبباً مباشرا لتفرّد ميركل بقرارات الهجرة وإعلانها فتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين عام 2015 من دون العودة لا إلى البرلمان ولا إلى حزبها.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.