إسرائيل تصعّد ضد وجود السلطة في القدس الشرقية

اعتقالات بالجملة على خلفية تسريب ممتلكات وتهديدات متبادلة حول معتقل فلسطيني أميركي

معتقلون فلسطينيون في القدس لدى اقتيادهم إلى المحكمة الإسرائيلية أمس (ا. ب)
معتقلون فلسطينيون في القدس لدى اقتيادهم إلى المحكمة الإسرائيلية أمس (ا. ب)
TT

إسرائيل تصعّد ضد وجود السلطة في القدس الشرقية

معتقلون فلسطينيون في القدس لدى اقتيادهم إلى المحكمة الإسرائيلية أمس (ا. ب)
معتقلون فلسطينيون في القدس لدى اقتيادهم إلى المحكمة الإسرائيلية أمس (ا. ب)

صعدت إسرائيل حربها المفتوحة ضد الوجود الرسمي الفلسطيني في القدس الشرقية، واعتقلت 32 فلسطينيا في المدينة منتمين للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، وحركة «فتح».
والاعتقال غير المسبوق لهذا العدد من عناصر السلطة في القدس جاء بعد يوم واحد فقط من اعتقال محافظ القدس عدنان غيث، الذي يعتبر أعلى مسؤول للفلسطينيين في المدينة بصفته ممثل الرئيس محمود عباس.
وقالت الشرطة الإسرائيلية بأنها اعتقلت «مشتبهين» بالتجنيد والخدمة في أجهزة الأمن الفلسطينية.
وجاء في بيان للشرطة أنه «مع نهاية تحقيق سري أجرته وحدة التحقيق المركزية للواء القدس، تم إلقاء القبض على 32 مشتبهاً من سكان شرقي القدس، يحملون بطاقات هوية زرقاء (هوية إسرائيلية)، وعملوا كنشطاء في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وبعضهم يحصل على خصائص (مخصصات) من دولة إسرائيل، كل ذلك بشكل منافٍ للبند 7 لقانون التطبيق، الذي يحظر التجنيد لصفوف القوات المسلحة التابعة للسلطة الفلسطينية».
وتابعت الشرطة أن «بعض الأنشطة المنسوبة للمشتبهين، تضر بشكل مباشر بالمواطنين العرب الإسرائيليين وأمنهم الشخصي».
واقتحمت القوات الإسرائيلية الكثير من المنازل في القدس في أوسع حملة من نوعها ضد السلطة، واعتقلت الشبان ثم نشرت صوراً لبطاقات عضوية في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وبزات عسكرية فلسطينية، ومعدات مختلفة.
وهددت إسرائيل بأنها ستتعامل «بشكل حازم دون هوادة ضد السكان والمواطنين الإسرائيليين الذين يعملون باسم السلطة الفلسطينية» وما اعتبرته «منظمات إرهابية أخرى» الأمر الذي رأت أنه «يشكل انتهاكا للقانون بما في ذلك المس بسيادة دولة إسرائيل وأمنها».
وتمنع السلطات الإسرائيلية، أي عمل رسمي للسلطة في القدس باعتبار المدينة عاصمة موحدة لإسرائيل، وبالتالي فإن السيادة على المدينة إسرائيلية، لكن السلطة تتعامل مع المدينة باعتبارها العاصمة المستقبلية للدولة العتيدة.
والحرب على التمثيل في القدس ليست جديدة لكنها تصاعدت وتأججت بعد بدء السلطة تحقيقات واسعة حول تسريب عقارات هامة في المدينة لمستوطنين.
وقال الناطق الرسمي لقوات الأمن الفلسطيني اللواء عدنان ضميري بأن ما تقوم به قوات الاحتلال في مدينة القدس من اعتقالات وملاحقات لضباط المؤسسة الأمنية وأبناء فتح، لن تثني الشعب عامة والمقدسيين خاصة عن أداء واجبهم الوطني والأخلاقي والإنساني.
واتهم الضميري السلطات الإسرائيلية، بمحاولة «ثني أبناء قوى الأمن عن واجبهم المقدس في الكشف عن مخططات السلب والنهب والتزوير لتسريب الأراضي للمستوطنين وخاصة في مدينة القدس».
وأضاف «أن الاحتلال يجب أن يدرك أن كل إجراءاته التعسفية لن تحول دون مواصلة الشعب الدفاع عن مدينته القدس العربية والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين وعن كنيسة القيامة، وسيقف بكل صلابة في مواجهة مسربي العقارات، والمستوطنين المدعومين من حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، وسينتصر في كل معاركه العادلة كما انتصر في معركة البوابات الإلكترونية قبل عامين».
وأكدت حركة «فتح» على موقف الأجهزة الأمنية، وقالت بأن اعتقال أبنائها وأغلبهم أعضاء في الأجهزة الأمنية، لن يجعلها تتراجع.
ووجهت «فتح» رسالة واضحة لـ«أدوات الاحتلال الإسرائيلي وأعوانهم وعملائهم الذين يساعدونهم في تسريب العقارات الفلسطينية» قائلة «إن التاريخ والأرض والشعب لن يرحموا كل من باع نفسه رخيصة، وباع عرضه مقابل حفنة من الدولارات التي لن تستر وجهه فوق الأرض وجسده تحتها، الخزي والعار سيلاحقهم في كل مكان».
وأكد منير الجاغوب رئيس المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم: «ستستمر الحركة في نهجها النضالي ضد الاحتلال وأعوانه وضد مسربي الأراضي ولن تثنيها هذه الاعتقالات عن محاسبة كل من يحاول المساعدة في تهويد المدينة».
ويعتقد أن اعتقال أبناء السلطة في القدس جاء في نفس السياق الذي اعتقل فيه المحافظ وهو التحقيق معهم حول إجراء تحقيقات واعتقال مواطن من سكان القدس الشرقية للاعتقاد بأنه ساعد على بيع أراض لليهود ونقله إلى سجن المخابرات العامة الفلسطينية.
اعتقال أميركي - فلسطيني
وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت بأن اعتقال المواطن الإسرائيلي عصام عقل يشكل خطرا على أمن الدولة، وأن الإجراءات الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية تهدف إلى إجبارها إلى إطلاق سراحه.
ونقلت الصحيفة عن اللفتنانت كولونيل (احتياط) باروخ يديد، الذي خدم في وحدة منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق أن إسرائيل بحاجة إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامة لضمان إطلاق سراح عقل. لكن السلطة ترفض التجاوب مع الضغوط.
وأكدت الخارجية الفلسطينية أن المؤسسة الأمنية «استطاعت أن تضرب على الوتر الحساس فيما يتعلق ببيع ونقل العقارات داخل مدينة القدس المحتلة خاصة بلدتها القديمة، وتمكنت من وضع اليد والتحفظ على إحدى أدوات الاحتلال المستخدمة في عملية الإقناع والبيع ونقل الأملاك، ما شكل ضربة قوية لمنظومة الاحتلال، وأظهرت من التحدي ما يكفي عندما أصرت على إبقاء هذا الشخص في سجون السلطة، رغم أنه يحمل الهوية المقدسية ويحمل أيضا الجنسية الأميركية، رغم الضغوطات الكبيرة والتهديدات التي وصلتها بشكل مباشر أو غير مباشر».
لكن الحرب في القدس ليست متعلقة فقط بهذا الشخص، بل حول تحقيقات واسعة بدأتها السلطة هناك على خلفية تسريب عقار تاريخي يقع بجانب المسجد الأقصى للمستوطنين الشهر الماضي.
والعقار المعروف بعقار آل جودة خلف جدلا كبيرا واستياء عارما في أوساط الفلسطينيين، وقاد إلى اتهامات متبادلة حول الجهة المتسببة في ذلك.
ونجحت جمعية استيطانية بالاستيلاء على العقار المكون من 3 طوابق على أرض بمساحة 800 متر بعد إبراز وثائق طابو إسرائيلية رسمية تثبت شراءهم له من فلسطينيين.
وتم شراء العقار من آل جودة بمليوني دولار ونصف ولا يعرف كم بيع للمستوطنين. ويمنع القانون الفلسطيني تسريب عقارات لليهود في أي منطقة فلسطينية.
والى جانب التهديد وملاحقة مسربي العقارات، استعانت المؤسسة الرسمية الفلسطينية، بالمؤسسة الدينية لمحاربة مسربي العقارات.
وأطلقت المرجعيات الدينية في الفترة الأخيرة عدة فتاوى شرعية ضد المسربين، وأفتى مفتي القدس والديار محمد حسين بأن «بيع الأرض للأعداء والسمسرة عليها لهم يدخل في المكفرات العملية، ويعتبر من الولاء للكفار المحاربين، وهذا الولاء مخرج من الملة، ويعتبر فاعله مرتداً عن الإسلام خائناً لله، ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ودينه، ووطنه، يجب على المسلمين مقاطعته، فلا يعاملونه ولا يزوجونه، ولا يتوددون إليه، ولا يحضرون جنازته، ولا يصلون عليه، ولا يدفنونه في مقابر المسلمين».
وهذه الفتوى أدت إلى رفض أهل القدس الصلاة على أحد المشتبهين قبل أسابيع بعد وفاته في حادث. وأمس، حذر إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، رئيس الهيئة الإسلامية العليا بالقدس الشيخ عكرمة سعيد صبري، من إعلانات تبثها شركات إسرائيلية عبر وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تدعي فيها وتطرح إمكانية منح قروض مالية مغرية تصل إلى مئات الآلاف، بسهولة ويسر مقابل رهن ممتلكاتهم سواء كانت بيوتا أو عقارات أو أراضي.
وأضاف في بيان «هذا الأسلوب مشبوه ومرفوض، ويُقصد من ورائه تسريب هذه الممتلكات إلى عصابات المستوطنين».
وطالب صبري المواطنين «بعدم التعامل مع هذه الشركات الاستيطانية، وأن يكونوا حذرين من التوقيع على أي ورقة لا يعرفون مضمونها؛ إضافة إلى أن هذه المعاملات غير شرعية». وأردف «السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه، ويتحمل هذا الشقي مسؤولية تصرفه».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.