ماي تنتصر في بروكسل... وتُعدّ لـ«معركة» البرلمان البريطاني

دول «الأوروبي» دعمت خطتها لـ«بريكست» وسط تشكيك في لندن

ماي وتوسك خلال القمة الأوروبية الاستثنائية في بروكسل أمس (أ.ب)
ماي وتوسك خلال القمة الأوروبية الاستثنائية في بروكسل أمس (أ.ب)
TT

ماي تنتصر في بروكسل... وتُعدّ لـ«معركة» البرلمان البريطاني

ماي وتوسك خلال القمة الأوروبية الاستثنائية في بروكسل أمس (أ.ب)
ماي وتوسك خلال القمة الأوروبية الاستثنائية في بروكسل أمس (أ.ب)

صادق كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، أمس، على اتفاق انفصال يُفترض أن ينهي شهوراً من مفاوضات «بريكست» المعقدة، ويطلق محادثات حول العلاقات المستقبلية بين لندن وبروكسل.
وأكدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمس، بعد القمة أن اتفاق خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي «هو الوحيد الممكن»، في تصريحات تتقاطع مع ما سبق أن أعلنه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وصرّح يونكر بعد المصادقة على الاتفاق: «إنه أفضل اتفاق ممكن، إنه الاتفاق الوحيد الممكن».
من جهتها، صرّحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن «مشاهدة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعد 45 عاماً، هو أمر مأساوي». فيما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللحظة بأنها «حرجة»، معتبراً أن «هذا يبيّن أن الاتحاد الأوروبي يعاني ضعفاً».
غير أن ميركل أشادت بتوصل المفاوضين إلى اتفاق نتج بحسب قولها عن «عمل دبلوماسي خلاق»، بعد 17 شهراً من مفاوضات صعبة، وأكثر من عامين على استفتاء «بريكست». وشدد رئيسا وزراء آيرلندا وهولندا على أنه «لن تكون هناك خطة بديلة». وقال يونكر في وقت سابق أمس: «إنه يوم حزين. خروج بريطانيا أو أي دولة أخرى من الاتحاد الأوروبي لا يدعو للابتهاج ولا للاحتفال، إنها لحظة حزينة، إنها مأساة».
ويُفترض أن تمرّ «معاهدة الانسحاب» غير المسبوقة المؤلفة من 585 صفحة، باختبار مصادقة البرلمان الأوروبي، وخصوصاً البرلمان البريطاني، قبل أن تدخل حيّز التنفيذ، وهو أمر غير مؤكد من الجانب البريطاني.
وأعلنت الدول الـ27 التي التفّت حول كبير مفاوضيها في ملف «بريكست» ميشال بارنييه أثناء فترة المفاوضات في وجه البريطانيين الذين كانوا منقسمين حول الأهداف التي يريدون تحقيقها، أن هذا الاتفاق هو الأفضل الذي كان يمكن أن تحصل عليه المملكة المتحدة.
وقالت ماي في مؤتمر صحافي عقب المصادقة: «إذا كان الناس يعتقدون أنه يمكن إجراء مزيد من المفاوضات، فالأمر ليس على هذا النحو. إنه الاتفاق المطروح، إنه أفضل اتفاق ممكن، إنه الوحيد الممكن».
وصرّح يونكر أمام الصحافة: «أولئك الذين يعتقدون أنه عبر رفضهم لهذا الاتفاق سيحصلون على أفضل منه، سيخيب أملهم»، مؤكداً أنه «أفضل اتفاق ممكن». وقال: «أدعو جميع من سيصادقون على هذا الاتفاق في مجلس العموم إلى أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار».
وكُتب في «الإعلان السياسي» القصير الذي صادق عليه أيضاً الأحد المجلس الأوروبي وتيريزا ماي وسيتمّ ضمّه إلى معاهدة الانفصال، أن الاتحاد الأوروبي سيعمل على إرساء «أقرب علاقة ممكنة» مع لندن بعد «بريكست». وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك: «هناك أمر واحد مؤكد، سنبقى أصدقاء إلى الأبد». وكانت ماي أكدت في «رسالة إلى الأمة»، نشرها مكتبها أمس، أنه «اتفاق من أجل مستقبل أفضل يسمح لنا بانتهاز الفرص التي تنتظرنا».
من جانبه، صرح رئيس الوزراء الهولندي مارك روته: «أعتقد أن تيريزا ماي بذلت جهوداً كبيرة من أجل اتفاق جيد، وبالنسبة للاتحاد الأوروبي إنها نتيجة مقبولة»، منبّهاً بدوره إلى أن المملكة المتحدة يجب ألا تأمل بالحصول على أفضل من الاتفاق المطروح.
إلى ذلك، شدد قادة الدول الأوروبية، في إعلان ملحق بما توصلت إليه قمتهم الاستثنائية أمس، على ضرورة إبرام اتفاق مع بريطانيا حول الصيد البحري، «حتى قبل انتهاء الفترة الانتقالية» التي تلي خروجها من الاتحاد. وكتب القادة في هذا النص الذي أضيف بناء على إلحاح دول مثل فرنسا وهولندا، أن «اتفاقاً حول الصيد البحري هو مسألة أولوية، ويتعين أن يستند إلى أمور، منها مبادئ الوصول المتبادل والحصص المعمول بها»، معربين عن أسفهم لـ«التقاعس» في تسوية هذا الملف في اتفاق «بريكست».
وتصدّعت الوحدة التي ظهرت من الجانب الأوروبي في الأيام الأخيرة، عندما هدّدت إسبانيا بالتسبب بإلغاء القمة إذا لم تحصل على ضمانات مكتوبة حول مصير جبل طارق. وبعد مفاوضات شاقة، أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بعد ظهر السبت أنه تمت تلبية طلبه.
وبين الوثائق الملحقة بالاتفاق، رسائل من ممثل بريطانيا في المجلس الأوروبي ومن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ومن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. وتتضمن هذه الرسائل تأكيدات لإسبانيا بشأن دورها في المفاوضات حول العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وجبل طارق، بعدما كاد خلاف حولها يطيح بالقمة الأوروبية. وقال مصدر حكومي إسباني، أمس، إن الدولة «الوحيدة التي تملك مفتاح (العلاقات المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وجبل طارق) هي إسبانيا». وأضاف أنه «انتصار كبير».
ويتضمن الإعلان قضايا أخرى تتعهد فيها الدول الـ27 بالتزام «الحذر» حيال لندن في تطبيق الاتفاقات المتعلقة بها، مثل «المنافسة النزيهة» في المجال الاقتصادي. ويحلّ اتفاق الانسحاب، خصوصاً قضية الفاتورة التي يُفترض أن تدفعها لندن للاتحاد الأوروبي، من دون أرقام، وينص على حل مثير للجدل لتجنب العودة إلى حدود فعلية بين جمهورية آيرلندا ومقاطعة آيرلندا الشمالية البريطانية.
ويتعين على ماي أن تقنع نواب حزبها والحزب الوحدوي الديمقراطي؛ حلفاءها في الحكومة، الذين أعلنوا مراراً عن رفضهم للاتفاق. وأعلن الحزب الآيرلندي الشمالي، أمس، أنّه «سيعيد النظر» في دعمه لها، إذا أقرّ البرلمان خطتها بخصوص اتفاق «بريكست» مع الاتحاد الأوروبي.
وسيصوت النواب البريطانيون على الاتفاق الشهر المقبل، ويعارضه الحزب الوحدوي الديمقراطي وكثير من نواب حزب المحافظين الحاكم وأحزاب المعارضة. وصرحت فوستر، رئيسة الحزب الوحدوي الديمقراطي، لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أنّ «اتفاق (الثقة والدعم) لا يزال سارياً»، في إشارة إلى توافق حزبها على دعم حكومة ماي مقابل زيادة مبدئية في ميزانية آيرلندا الشمالية تبلغ مليار جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار). وتابعت: «لكن إذا وصلنا إلى وضع وافق فيه البرلمان على دعم الاتفاق، فسنضطر بوضوح إلى إعادة النظر في اتفاق الثقة والدعم». وأضافت في عرض تصالحي: «أعتقد أننا يجب أن نستغل الوقت للبحث عن طريق ثالث، طريق مختلف، طريق أفضل».
ودعم أعضاء البرلمان البريطاني العشرة في الحزب الوحدوي الديمقراطي حكومة ماي منذ خسارتها الأغلبية البرلمانية في انتخابات مبكرة دعت إليها في عام 2017. ويشعر الحزب الوحدوي بالغضب من خطة «شبكة أمان»، حيث يخشى أن تخلق بالفعل حدوداً مع بريطانيا، وتضعف الروابط وتزيد من فرص وجود آيرلندا موحدة.
وإذا تم اللجوء إلى خطة «شبكة أمان» المثيرة للجدل في آيرلندا الشمالية، فستجعل المقاطعة البريطانية أكثر ارتباطاً بالاتحاد الأوروبي في بعض النواحي، وذلك لتجنب إقامة حدود فعلية مع جمهورية آيرلندا عضو التكتل الأوروبي.
وفي تحذير لماي، سحب الحزب الآيرلندي الشمالي في وقت سابق هذا الأسبوع دعمه لبعض التشريعات الحكومية المالية المطروحة. وفي المؤتمر السنوي للحزب في بلفاست السبت، حذّر نائب رئيس الحزب نايجل دودز، مجدداً من «عواقب» إذا مضت ماي في اتفاق «بريكست»، مشيراً إلى أنّ دعم الحزب «سيف ذو حدين».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».