هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

«العقل مسطح» يفند الأفكار الثابتة حول اللاوعي والشخصية والرغبات

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد
TT

هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد

نادرة كما الألماس تلك الكتب التي تصنع فالقاً بين ما قبلها وما بعدها، وتطلق ثورة مفاهيم تعيد تشكيل منظومة تفكيرنا الكلية حول العالم، أو ما يسمى بالإنجليزية «البردايم». «العقل مسطح» (The Mind is Flat)، الصادر حديثاً لنِك تشاتر، البروفسور بجامعة ووريك البريطانية، لا شك سيذهب في تاريخ المعرفة البشرية كفاصل شاهق ينقلنا من تراكم أوهام فكرية ارتكنا إليها عشرات السنين عن ماهية الذات والوعي واللاوعي والشخصية والرغبات والمخاوف، إلى البرودة القاسية لتصور جديد عن العقل البشري بوصفه مشروع ارتجال مستمر، يعتمد على خبراته السابقة ونتفٍ من الواقع ليعيد بناء تصوره عن العالم حوله.
ستُصيب رصاصات «العقل مسطحاً» القارئ بصدمات تتطلب كثيراً من التماسك لقبول ما يخالف ما ألفه وأنِس إليه، لكنه يشكل فوق ذلك ضربة قاصمة لصناعة كاملة من تجارة السيكولوجيا والتحليل النفسي، انطلقت مع النمساوي سيغموند فرويد (1856 - 1939)، ورفيقه كارل يونغ (1875 - 1961)، وأصبحت مع مرور الأيام كما بقرة مقدسة ذهبية تحصد ملايين الدولارات سنوياً من الباحثين عن ذواتهم أو المتعبين من مسارات حياتهم، ويريدون فهماً أفضل لها، وأتباع مشعوذي قراءة الشخصية، واستقراء اللاوعي الكامن وراء سلوكيات البشر.
ينطلق تشاتر في حربه الشعواء ضد الأوهام المتراكمة من معطيات علمية حديثة، وتجارب مخبرية، تكشف عن طبيعة إدراك الإنسان للعالم حوله. وكثير من هذه المعطيات لم تكن لتتوفر لفرويد وأتباعه، حيث إن جلها مدين للتقدم التكنولوجي الهائل الذي تحقق في العقود القليلة الأخيرة، والتقاطعات المفعمة بالوعود، جراء تلاقي علوم تفرقت في وقت ما، وانعزلت داخل أبراج عاجية متباعدة: الطب والفسيولوجيا والسلوك البشري والإنثروبولوجيا والكيمياء والفيزياء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وأساليب الإدارة المعاصرة، بل والتاريخ.
يُستهل«العقل مسطحاً» بتقديم مرافعة لا بد منها، عن محدودية الإدراك البشري من خلال البصر، تظهر أننا بالفعل لا ندرك إلا أقل القليل مما نراه حولنا، وأن الدماغ كما البصر يُنشِئ من فتات ذلك الإدراك صوراً متخيلة توهم بثراء الإحساس، لكنها دائماً ضحية انحيازات وأوهام بصرية وشعورية متراكبة.
ويطيح المؤلف بعدها بالمشاعر البشرية التي ليست بأفضل حال من الإدراك الموهوم، فهي لا تأتي من شغاف القلب، أو حتى من ثقب أسود سماه الفرويديون «اللاوعي»، بل هي خلاصة لتشابك عمل كيميائيات معقدة من مختلف أعضاء الجسم، في إطار مجموعة ظروف تقاطعت لدى زمان ومكان محددين.
ويرى أن الدماغ غير قادر أبداً على إدارة أكثر من موضوع واحد في الوقت ذاته، ولذا فإن الذين يدعون استلهامهم فكرتهم العبقرية هذه أو تلك، بينما كانوا يلعبون التنس مثلاً، ما هم إلا واهمون.
كما ينسف أيضاً مفهومنا التاريخي عن الذاكرة، بوصفها استعادة لمعلومات مخزنة في مكان ما من الدماغ، فيقول إنها مجرد إعادة بناء، فيها كثير ارتجال وانحياز مرتبطان باللحظة الحالية لخبرة سبق أن أدركها الدماغ في طريقه يوماً ما، وهي خبرات أسلف في وصف توهمها وخضوعها لعيوب الإدراك.
المترتبات على هذه الخلاصات العلمية مثيرة للجدل، إذ يرى تشاتر أن مواقفنا السياسية مثلاً، وما نتبناه من عقائد، ليست ببنية ثابتة في العقل البشري بقدر ما هي ميل للتصرف بطريقة معينة بناء على خبرات متراكمة سابقة، لكنها تبقى مع ذلك مشوبة بأوهام الإدراك، وبالقدرة على القفز المرن بين المتناقضات، بحسب متطلبات الموقف اللحظي، وربما دون الإحساس بالخروج عن تكوين ثابت، ليمنحنا ذلك وهماً لذيذاً بأن لدينا شخصية متمايزة، ونعيش قصة حياة ذات معنى. ومع ذلك، فإنه يعترف بأن الدماغ حتى لو ابتدع موقفه لحظياً، فهو يستفيد من خبرات سابقة وإحساسات وقرارات مر بها، ويأخذها بعين الاعتبار بينما هو يُنشئ صوره المستحدثة عن الواقع، كنوع من «تراث» عمومي يوجه الإدراك، ويقدم له فضاءات ممكنة، لكنه ليس حاكماً مطلقاً على الإدراك اللحظي، ويبقى للدماغ في ذلك حرية غير محدودة لارتجال الجديد، والسير عبر طرق لم يسلكها من قبل.
واللغة، وفق تشاتر، تلعب دوراً فائقاً في منظومة الخداع تلك التي يتولاها الدماغ، وتسمح طريقة استخدامها بالتلاعب بمواقفنا ووجهات نظرنا، سلباً أو إيجاباً، وهو يورد تجارب استخدمت ألفاظاً معينة في ترتيبات متباينة، لتحصل من الجمهور - عينة التجربة - على اختيارات شديدة التناقض للمسألة ذاتها، جراء تغير ترتيب الكلمات فحسب.
ويتجنب «العقل مسطحاً» الخوض في جدلية تأثير الجينات البشرية الموروثة في تشكيل معالم تميزٍ بشأن طريقة تعامل الدماغ مع المعطيات الواردة إليه، رغم أن مصادر علمية كثيرة تشير إلى تلوينات موروثة معينة على ذلك السطح الأجرد، المسمى الدماغ، قبل شروعه في الارتجال ومراكمة التجارب، أقله بالنسبة لبعض الميول السلوكية، كالرغبة بالانعزال عن الآخرين، أو الاستعداد للإصابة بأمراض عقلية معينة عند توفر ظروف موضوعية.
وهكذا، ينتهي بنا تشاتر إلى صحراء قطبية تجعل مما اعتدنا على وصفه من اعتقادات أو مشاعر أو رغبات دفينة أو آراء مجرد أشكال خداع معجون بالوهم يمارسه الدماغ. وهو في ذلك قد يستعيد ما قاله ديفيد هيوم يوماً، من أنه «نظر في العقل، فلم يجد فيه هناك ما يمكن وصفه بهناك».
ولعل ما يثير الهلع أن طبيعة تسطح العقل البشري، كما يصفه تشاتر، تترافق في أزمنتنا الراهنة مع تقدم غير مسبوق لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لناحية صياغة الأوهام وتصورات الشعور والوقائع الافتراضية، الأمر الذي يترك الباب مشرعاً على مصراعيه لمن يتملك أدوات صنع الرأي العام، بتشكيل تصور معين عن «الحقيقة»، يؤمن به الملايين ويحكم سلوكهم السياسي والاجتماعي، دون أن تكون له أي علاقة فعلية بالحقيقة.
ومع صرامة الموقف الكلي الذي يطرحه «العقل مسطحاً»، والذي قد يدفع كثيرين ربما لوصمه بالتطرف النظري أو الذهاب بالأمور إلى أقصاها عند صياغة استنتاجاته، فإنه من الصعب المجادلة مع قوة الخيوط المفردة التي صاغ منها تشاتر صواعقه الفكرية تلك، فالخلاصات العلمية التي بنى عليها تجد لها صدى فعلياً في تجاربنا اليومية، حتى لا تكاد تدهش بها عند قراءتها منعزلة، لكن عند اصطفافها مع بقية الخلاصات الأخرى في نسيج واحد، تنجبُ صورة متكاملة مثيرة للصدمة.
ولعل مما يحسب لـ«العقل مسطحاً» أسلوب صياغته المتدفق الذي يجعل قراءته أشبه بعبور رواية تشويق تتحرق معها لمعرفة الحدث التالي، عوضاً عن الأسلوب الجاف الذي تنتهي إليه معظم النصوص الأكاديمية، لا سيما في مجالات تطبيقات العلوم الحديثة.
ولا بد أن البروفسور تشاتر استفاد من «خبراته السابقة» في تدريس السلوكيات البشرية للمديرين التنفيذيين، وهم المعنيون أساساً بالعملي والمباشر والملموس، عوضاً عن النظري الذي يغرق بالتفاصيل.
بعد «العقل مسطح»، ربما سيقال إن فرويد قُتل فعلياً على يد بروفسور بريطاني عام 2018، لا كما كان يُعتقد دائماً بأنه رحل عن عالمنا عام 1939.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.