تداعيات دولية جيوسياسية في أزمة سريلانكا الحالية

انعكاس آخَر للنفوذ الصيني والنزاع مع الهند والدول الغربية في المحيط الهندي

تداعيات دولية جيوسياسية في أزمة سريلانكا الحالية
TT

تداعيات دولية جيوسياسية في أزمة سريلانكا الحالية

تداعيات دولية جيوسياسية في أزمة سريلانكا الحالية

تشهد سريلانكا، الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي والقريبة من الهند سياسياً وجغرافياً، أزمة سياسية ودستورية، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات تدل على انفراجها، حيث ساد في البرلمان شغب غير مسبوق تبادل فيها المشرعون الاتهامات واللكمات، وقذف بعضهم بعضاً بزجاجات المياه وصفائح القمامة، والكتب.
تتمحور الأزمة حول ثلاثة أشخاص هم: الرئيس مايتريبالا سيريسينا، ورئيس الوزراء المخلوع رانيل ويكريمسينغي، والقيادي النافذ ماهيندا راجاباكسا. اندلعت الأزمة في 26 أكتوبر (تشرين الأول) عندما أقال الرئيس سيريسينا، رئيس الوزراء ويكريمسينغي بشكل مفاجئ ومهين وقام بتعيين راجاباكسا بدلاً منه في خطوة اعتبرتها الأكثرية في البرلمان غير دستورية، وكذلك علّق عمل البرلمان. المثير للاهتمام أن كلاً من سيريسينا ويكريمسينغي مختلفان ومتعارضان على المستوى الآيديولوجي، لكنهما شكّلا ائتلافًا لهزيمة راجاباكسا خلال انتخابات عام 2015؛ تولى راجاباكسا رئاسة البلاد منذ عام 2005 حتى 2015، لكن شابت فترته الرئاسية اتهامات بارتكاب جرائم خلال الحرب ضد ثوار التاميل، وبالفساد، والمحسوبية.
علاقة سيريسينا بويكريمسينغي سادها التوتر منذ بعض الوقت، حيث لم يوافق الرئيس على الإصلاحات الاقتصادية التي كان يقوم بها ويكريمسينغي. كذلك اتهم سيريسينا ويكريمسينغي ووزير آخر بالتخطيط لاغتياله، لكن ويكريمسينغي نفى ذلك.
وبعد الاضطرابات التي تضمنت احتجاجات في الشوارع، أعلن سيريسينا حل البرلمان، ودعا إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في يناير (كانون الثاني)، بتشجيع من الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، وكندا والهند، وإن كانت أقل تصريحاً، وتحدى ويكريمسينغي وحزبُه سيريسينا من خلال رفض الاعتراف براجاباكسا رئيساً للوزراء، والطعن على دستورية ذلك القرار الذي اتخذه الرئيس. وعلّقت المحكمة العليا قرار الرئيس، وسمحت للبرلمان بالانعقاد مرة أخرى، مع تأجيل إصدار حكم نهائي في هذه المسألة حتى 7 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وصوّت أعضاء البرلمان مرتين خلال الأسبوع الماضي على مقترح بسحب الثقة من رئيس الوزراء الحالي راجاباكسا، لكن سيريسينا أكّد، في مخالفة سافرة للدستور، ديكتاتوريته بقوله إن رئيس الوزراء هو أي شخص يقوم هو بتعيينه، سواء حظي ذلك الاختيار بدعم البرلمان أم لا.

- إدانة دولية
أثارت تلك الخطوات احتجاجات شعبية وانتقاداً دولياً، حيث أعربت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، وغيرهما من الدول الكبرى، عن قلقها بشأن الأزمة في الدولة الجزيرة التي لها أهمية استراتيجية ويبلغ تعداد سكانها 22 مليون نسمة. وصرّحت الولايات المتحدة بأن قرار الرئيس سيريسينا حل البرلمان «يمثل تهديداً كبيراً للمؤسسات الديمقراطية في سريلانكا». كذلك أصدر دبلوماسيون من أستراليا، والمملكة المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، موجودون في كولومبو، بيانات يدعون فيها إلى احترام الدستور والديمقراطية في البلاد. كذلك عرض أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، الاضطلاع بدور الوسيط في نقاشات بين راجاباكسا وويكريمسينغي، وأيضاً حثّ الحكومة على احترام «العملية الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية في البلاد».
على الجانب الآخر، علّقت الولايات المتحدة الأميركية منح 500 مليون دولار ضمن برنامج المساعدات، وكذلك علّقت اليابان خططها بشأن منح قرض ميسّر بقيمة 1.4 مليار دولار إلى سريلانكا. إضافة إلى ذلك، هدد الاتحاد الأوروبي بإلغاء الامتيازات الخاصة بعدم فرض رسوم جمركية على صادرات سريلانكا إلى دوله. كذلك أضعف الاتحاد عملة الدولة وسنداتها، التي تشهد بالفعل تراجعاً، حيث انخفضت مرة أخرى في خضم عمليات لبيع الأوراق المالية في الأسواق الناشئة.
كلٌّ من الهند واليابان والولايات المتحدة وأستراليا قد عززت تعاونها العسكري، وتعمل على إعادة إحياء ترتيب دفاع رباعي لمواجهة صعود الصين عسكرياً في المناطق المطلة على المحيط الهندي. وعلى هذه الخلفية تندلع تلك الأزمة السياسية في سريلانكا التي لها تداعيات دولية.

- الهيمنة الجيوسياسية للصين والهند
تراقب كل من الصين والهند عن كثب الأزمة الدستورية في سريلانكا، التي كانت ساحة معركة في صراعهما على التفوق الجيوسياسي والهيمنة في جنوب آسيا. وحرص دبلوماسيون صينيون وهنود على عدم دعم أي طرف فاعل في ذلك الاضطراب السياسي بشكل واضح وصريح. مع ذلك تم تسليط الضوء، فيما يتعلق بهذا الجانب الجيوسياسي في أزمة سريلانكا، على الصين بشكل كبير، فهي الدولة الوحيدة التي سمحت لسفيرها بلقاء ماهيندا راجاباكسا، الذي يعد مقرباً من بكين، بعد أدائه القسم رئيساً للوزراء أمام الرئيس سيريسينا. وعلى العكس من ذلك، التقى ويكريمسينغي دبلوماسيين مقيمين في كولومبو من الولايات المتحدة، وأستراليا، والاتحاد الأوروبي، والهند، وغيرها في اليوم التالي لإقالته، في حين وضع نظام راجاباكسا كل البيض في سلة الصين خلال فترة عمله في منصبه. وقد ازدادت ديون سريلانكا بمقدار يزيد على الثلاثة أمثال خلال فترة تولي راجاباكسا للمنصب، حسبما توضح أرقام البنك المركزي السريلانكي. وقد زعم مقال تم نشره منذ بضعة أشهر في صحيفة «نيويورك تايمز» أن الصين قد أغدقت المال على حملة راجاباكسا الرئاسية الانتخابية عام 2015. وكتب أمين عز الدين في صحيفة الـ«دايلي ميرور» البريطانية يقول: «تمثل سريلانكا بالنسبة إلى الصين حلقة وصل مهمة في مبادرة (حزام واحد - طريق واحد). وقد منحت قروضاً بمليارات الدولارات لتمويل مشروعات في سريلانكا خلال العقد الماضي. كذلك حصلت على ميناء (هامبانتوتا) في المحيط الهندي، والذي يتمتع بأهمية استراتيجية، كغنيمة من سريلانكا بعدما تخلفت عن سداد دين مقدم من الصين قدره 1.5 مليار دولار. لا شيء مجانياً في السياسة، تمنح الصين الأموال على أساس قائمة بالأمور الواجب فعلها، وربما تَستخدم سفنٌ حربية صينية ذلك الميناء بذريعة أو أخرى. وربما تقدم الصين طلباً لاستئجار جزيرة صغيرة بالقرب من الميناء. وقد رفضت حكومة ويكريمسينغي ذلك الطلب في وقت سابق».
ومن المرجح أن يزداد الانخراط الصيني في الوضع في ظل ورود تقارير عن استمالة أعضاء في البرلمان، حيث تخلى 8 أعضاء على الأقل عن ويكريمسينغي، وقبلوا مناصب وزارية في حكومة راجاباكسا. كذلك اتهم رانجان راماناييك، مساعد وزير في حكومة ويكريمسينغي، الصين بدفع المال لراجاباكسا من أجل استمالة أعضاء في البرلمان في محاولة لمساعدته في العودة إلى السلطة عبر الباب الخلفي، حيث قال: «أنا أنصح الصين بألا تنفق ملايينها على استمالة أعضاء البرلمان في سريلانكا». ونفت السفارة الصينية في كولومبو ذلك الاتهام.
وصرح كانوال سيبال، وزير الخارجية الهندي السابق، قائلاً: «ربما يكون من البديهي التكهن بأن الصين قد شاركت في (انقلاب دستوري) في محاولة لعرقلة مقترح ويكريمسينغي بمنح الهند امتياز تطوير ساحة الحاويات الشرقية في ميناء كولومبو. لم تكن الصين راضية عندما رفضت حكومة ويكريمسينغي عرض الشركات الصينية، ووافقت على تنفيذ الهند مشروعاً ضخماً يتضمن بناء عشرات الآلاف من المنازل للمتضررين من الحرب في الشمال».
كذلك قال بارثاسارثي، دبلوماسي هندي متقاعد وخبير في شؤون سريلانكا، في تقرير لوكالة أنباء «أسوشيتد برس»: «بعدما أصبح محمد صُلح رئيساً للمالديف، ووعده بأن يقلّص دور الصين في الدولة التي تتكون من مجموعة جزر في المحيط الهندي، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لسريلانكا بالنسبة إلى الصين، فإذا تم إلغاء المشروعات في المالديف، ستصبح سريلانكا حلقة الوصل الأساسية بين آسيا وسيشل قبالة ساحل شرق أفريقيا».
على الجانب الآخر، تتبع الهند نهجاً غير متورط بشكل سافر على ما يبدو من خلال تعميق الأزمة السياسية في سريلانكا في ظل التزام نيودلهي الصمت، حيث لم تصدر نيودلهي حتى هذه اللحظة سوى بيان واحد ذكرت فيه: «كدولة ديمقراطية ومقربة وصديقة نأمل أن يتم احترام القيم الديمقراطية والعملية الدستورية. سوف نواصل تقديمنا المساعدة إلى شعب سريلانكا الصديق».
يقول شيترابو أوداي بهاسكار، مدير مركز للدراسات السياسية في نيودلهي: «سوف تكون الهند حريصة وحذرة بدرجة كبيرة جداً في التعامل مع أي مشكلة سياسية في سريلانكا. ينبغي على الهند التفاعل مع كل الأطراف السياسية في البلاد، وليس فقط مع طرف واحد، حيث استقبل ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، كلاً من راجاباكسا وويكريمسينغي كلٌّ على حدة في نيودلهي خلال الشهر الماضي. تحتاج الهند إلى الحفاظ على التوازن».
مع ذلك تختلف آراء بعض المحللين مع هذا الطرح. وقد أوجز العقيد هاريهارانا، ضابط استخبارات متقاعد في الجيش الهندي، ماهية ذلك التهديد مؤخراً بقوله: «لا يمكن للهند تجاهل الامتياز الاستراتيجي الذي حصلت عليه الصين في سريلانكا المتاخمة للهند». وفي كولومبو، تشيّد شركات صينية منطقة تجارية جديدة تكلفتها 1.5 مليار دولار تضم فنادق وأحواضاً لرسوّ السفن وإصلاحها، ومضمار سباق سيارات، وقد انتهت بالفعل من بناء ساحة قريبة للحاويات العملاقة، وميناءً ضخماً في جنوب البلاد. وأكد ضرورة انخراط الهند مع كل الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد، لا مع طرف واحد فقط.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...