اعتقال زعيم حركة «لبيك» الباكستانية

تخوفات من انفجار العنف والمظاهرات مجدداً

خادم حسين رضوي
خادم حسين رضوي
TT

اعتقال زعيم حركة «لبيك» الباكستانية

خادم حسين رضوي
خادم حسين رضوي

في خطوة احترازية قبل قيام حركة «لبيك» بالاعتصام مجدداً في العاصمة إسلام أباد ألقت الشرطة الباكستانية القبض على خادم حسين رضوي زعيم الحركة، الذي قاد الآلاف من أتباعه قبل عام تقريباً وأغلقوا العاصمة إسلام أباد، كما قاموا باحتجاجات واسعة في المدن الباكستانية الشهر الماضي مما شلّ الحركة بين المدن وداخلها. فقد أعلنت الشرطة الباكستانية في مدينة لاهور اعتقال خادم حسين رضوي بعد موافقة الحكومة على عملية الاعتقال الاحترازي قبل قيادة رضوي أتباعه لإغلاق العاصمة إسلام أباد، حيث نقل إلى مركز شرطة في منطقة ناوان كوت ثم منه إلى مكان غير معلوم، وكان أنصار خادم رضوي قد أبدوا نوعاً من الاحتجاج والمقاومة لعملية الاعتقال، حيث تشاجروا مع عدد من قيادات الشرطة.
وحسب مصادر الشرطة فإنها علمت بخطط لخادم حسين رضوي اعتزامه القيام بحملة قوية للاحتجاج في إسلام أباد، اليوم (الأحد)، مما دعا المفتش العام للشرطة في إقليم البنجاب أمجد جاويد سليمي، إلى إصدار أوامر للشرطة بإلقاء القبض على خادم حسين رضوي لإمكانية إثارته المشكلات. وقد أمرت الشرطة باعتقال أتباع رضوي الذين قد يثيرون العنف والمظاهرات، حيث تجمع أنصاره حول منزله لحمايته من الاعتقال في منطقة يتيم خانة في لاهور. وشاركت في عملية الاعتقال وحدة من القوات شبه النظامية التي أتت لمساعدة قوة الشرطة بعد عراك جرى بين أفراد الشرطة وأتباع خادم حسين رضوي. وقد سارع أنصاره إلى احتلال الشارع الواصل بين لاهور وملتان، حيث وصل العشرات منهم إلى تقاطع للطرق في لاهور وأغلقوا الشوارع المؤدية إلى المدينة، كما ألقوا الحجارة على رجال الشرطة في المنطقة، حيث أصيب شرطي بجراح، فيما قامت الشرطة باعتقال أحد المحتجين في ميدان الاحتجاج، كما اعتقلت العشرات من المحتجين ونقلتهم إلى عدد من مراكز الشرطة، وقالت الشرطة إن عدداً من رجالها أُصيبوا بجراح نظراً إلى إلقاء المحتجين الحجارة عليهم. ولم يتم تسجيل أي تهمة بعد ضد المعتقلين. وقد شنت الشرطة حملة اعتقالات ضد حركة «لبيك» في عدد من المدن منها كجرات، حيث سجلت الشرطة لائحة اتهامات ضد بير محمد أفضل قادري، أحد القادة الرئيسيين للحركة. واعتُقل في مدينة لاهور وحدها أكثر من مائة من قادة وناشطي الحركة، فيما اعتُقل خمسة عشر آخرون في مدينة كوجرانوالة وبلدة كاموكي. وتحرك العشرات من أنصار الحركة في مدينة كراتشي إلى منطقة نمايش تشورانغي بعد وصول معلومات لهم عن اعتقال زعيم الحركة خادم حسين رضوي.
وقال وزير الإعلام الباكستاني فؤاد تشودري، إن اعتقال خادم حسين رضوي كان إجراءً احترازياً وتم نقله إلى مقر إقامة بعد إعلانه عزمه التوجه إلى راولبندي، وإغلاق مداخل العاصمة ورفضه نداءات الحكومة بالكف عن ذلك. ووصف فؤاد تشودري عملية الاعتقال بأنها للحفاظ على الحياة العامة والممتلكات وليست لها علاقة بقضية «آسيا بيبي» التي برّأتها المحكمة العليا من تهم الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واتهم الوزير الباكستاني، خادم حسين رضوي وأتباعه بأنهم لم يقتنعوا بكل ما حاولت الحكومة إقناعهم به وأصروا على خرق القانون، مطالباً عامة السكان بالهدوء. وكان خادم حسين رضوي يعتزم إحياء ذكرى مَن سقطوا قتلى في المواجهات مع الحكومة الباكستانية العام الماضي حين أغلق أنصاره مداخل العاصمة إسلام أباد احتجاجاً على قانون أقرّه البرلمان الباكستاني ثم ما لبثت الحكومة أن تراجعت عنه بعد إغلاق جميع مداخل العاصمة. وشهدت راولبندي اعتقال 143 شخصاً كما شهدت مدن سيالكوت وجهلم وأتك وشكوال في البنجاب حملة اعتقالات واسعة لأتباع حركة «لبيك» طالت ما يزيد على 220 شخصاً. كما اعتُقل 30 من أنصار الحركة في العاصمة إسلام أباد. فيما نشرت الشرطة أكثر من مائة من عناصرها عند مدخل العاصمة القريب من مدينة راولبندي.
ونقلت وسائل إعلام باكستانية عن سعد، نجل خادم حسين رضوي، أن السلطات الباكستانية اعتقلت والده مع قادة الحركة في كل مديريات البنجاب من بيت الضيافة الملحق بمنزل رضوي، فيما قال أفضل قادري أحد قادة الحركة، في تسجيل مصور له، إن الشرطة داهمت المساجد التابعة للحركة في محاولة لاعتقال أنصارها وقادتها.
وكانت حركة «لبيك» قد قادت احتجاجات واسعة الشهر الماضي بعد تبرئة المحكمة العليا المتهمة النصرانية «آسيا بيبي» من تهم الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ورفعوا شعارات بأن رئيس المحكمة العليا كذاب ويجب قتله، كما رفعوا شعارات تقول بأن قائد الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا ليس مسلماً، حيث يتهمونه بالانتماء إلى الطائفة القاديانية التي ينص الدستور الباكستاني على اعتبارها طائفة مرتدة وأتباعها ليسوا مسلمين، وهو ما أدى إلى رد فعل غاضب من رئيس الوزراء عمران خان، حيث حذّر المحتجين آنذاك: «عليكم عدم الاصطدام بالدولة، وعليكم عدم القيام بأي أعمال شغب لأن الحكومة ستقوم بالرد بيد من حديد على كل المخلّين بالأمن والاستقرار». واحتفظت محكمة محلية في لاهور بقرارها حول قضية اتهام حركة «لبيك» بإثارة الفتنة بعد أن قُدمت اتهامات ضدهم بالإساءة إلى القضاء والجيش ومؤسسات الدولة الأخرى. وكان المحامي عبد الله ملك قد تقدم بالدعوى في المحكمة المدنية في لاهور لكنه فشل في تسجيل محضر لدى الشرطة المحلية ضد قائد حركة «لبيك» خادم حسين رضوي، وأنصاره بعد موجة العنف التي قاموا بها الشهر الماضي. ودعت قيادات الحركة التي نجت من الاعتقال إلى احتجاجات في جميع المدن الباكستانية ضد اعتقال حسين رضوي وأنصاره، وهو ما ينذر بمواجهات دامية في باكستان إن تمكن أتباع الحركة من التجمع والتظاهر، خصوصاً أنهم يستخدمون العصيّ والحجارة للتأثير على الحركة التجارية والسير في المدن الباكستانية المختلفة كما حصل الشهر الماضي.
وتأتي حملة الاعتقالات الحالية بعد يوم دامٍ شهدته باكستان، حيث قُتل ما يزيد على ثلاثين شخصاً في انفجار وقع في سوق أوركزي في مديرية هنغو جنوب غربي بيشاور فيما قُتل ستة أشخاص في مدينة كراتشي بعد محاولة مجموعة من جيش تحرير بلوشستان الانفصالي اقتحام مبنى القنصلية الصينية في كراتشي، أول من أمس (الجمعة).



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended