الأعظمية والكاظمية.. جيبان في بغداد يربطهما جسر ويباعدهما المذهب

المنطقتان لم تعودا كما كانتا حتى وقت قريب متلاحمتين في مخيلة البغداديين

إفطار رمضاني جماعي في شارع قريب من مرقد الإمام الكاظم في بغداد (نيويورك تايمز)
إفطار رمضاني جماعي في شارع قريب من مرقد الإمام الكاظم في بغداد (نيويورك تايمز)
TT

الأعظمية والكاظمية.. جيبان في بغداد يربطهما جسر ويباعدهما المذهب

إفطار رمضاني جماعي في شارع قريب من مرقد الإمام الكاظم في بغداد (نيويورك تايمز)
إفطار رمضاني جماعي في شارع قريب من مرقد الإمام الكاظم في بغداد (نيويورك تايمز)

يربط جسر الأئمة بين ضفتي نهر دجلة حيث يقع اثنان من أقدم أحياء في بغداد - أحدهما سني والآخر شيعي – وفي أمسيات رمضان تبدو المساجد على كلا الجانبين وكأنها تنادي بعضها البعض مع ارتفاع أصوات المؤذنين بالأذان.
لكن تستمر المنطقتان، الأعظمية السنية والكاظمية الشيعية، اللتان كانتا على ترابط وثيق في خيال سكان بغداد، في تباعد متزايد. فإذا سرت عبر المنطقتين وقت الإفطار في شهر رمضان، ستلمح الواقع المتباين في بغداد: حيث يشهد أسلوب الحياة الشيعية نشاطا وتوسعا بينما تنحسر وتنزوي الحياة السنية.
يقول ياسين داود (35 سنة) وهو سني وصاحب قارب يعمل في متنزه بالأعظمية على ضفاف نهر دجلة: «أصبح لدينا الآن رمضانان». يكسب داود قوته من اصطحاب الركاب إلى جسر الأئمة ثم إعادتهم، لكن أحدا لم يطلب منه الذهاب في جولة بالقارب هذا العام. ويشتهر كل حي منهما بمسجد شهير وضريح قديم، حيث يقع قبر أبو حنيفة، الذي بدئ بناؤه في نهاية القرن الثامن، على الجانب السني، وقبر الإمام الكاظم على الجانب الشيعي. ولا تزال المنطقتان تشتركان في بعض سمات بغداد القديمة: محلات الحرف وصناع الجلود والإسكافيون وجزارو اللحوم، والصاغة.
ورغم أن المد والجزر بين الجانبين كان أمرا طبيعيا مثل سريان مياه دجلة، فإن الأعوام الأحد عشر الأخيرة ألحقت أضرارا كبيرة، وتسببت في تآكل الطريقين اللذين كان الناس يسلكانهما من أحدهما إلى الآخر والثقة التي كانت متبادلة بينهما في السابق.
ويُرجع علي النشمي، أستاذ التاريخ بجامعة المستنصرية في بغداد، الذي نشأ في الأعظمية، فترة الخلاف الطائفي إلى الإطاحة بصدام حسين على يد قوات التحالف الأميركية عام 2003. وحل أحدث فصل في هذا الشقاق بعد سقوط الموصل في يد تنظيم «داعش» في شهر يونيو (حزيران). ويقول النشمي مسترجعا فترة شبابه: «اعتاد السكان من الشيعة السير عبر الأعظمية إلى الإمام الكاظم. لكن منذ بدء الاضطرابات الطائفية بعد عام 2003، تعرضوا لاعتداءات في الأعظمية وتوقفوا عن القدوم من هذا الطريق».
وفي حين اختفى الشيعة من شوارع الأعظمية، يشعر بعض الشباب من السنة هناك وفي غيرها من المناطق بالغضب لفقدان الهيمنة المفاجئة بعد سقوط صدام، ولهذا انضموا إلى الجماعات المسلحة، وتعرضوا إما للقتل أو السجن أو الهرب. وأصبح هناك عدد قليل من العائلات الصغيرة التي يمكنها الخروج في قارب داود أو تناول وجباتها المسائية على العشب المعتنى به في المتنزه.
تجد في الوقت الحالي جميع الطاولات شاغرة في حديقة الأعظمية، رغم أن مئات العائلات كانت تجلس هناك سنويا طوال أكثر من ثلاثة عقود لتناول طعام الإفطار في رمضان. ولا تجد طفلا واحدا يلعب في مدينة الألعاب، وتجد دولاب الهواء خاليا من البشر، بينما تدور السيارات المتصادمة في مضمارها لكن من دون ركابها من الأطفال. اصطحب مصطفى القيسي، وهو سائق تاكسي سني، أسرته إلى الحديقة رغم شعورهم بالخوف لمجرد اعتيادهم على الذهاب إلى الحديقة ولا يتحملون فكرة التوقف عن تلك العادة. قال القيسي: «الفارق بين اليوم وعام 2006 هو أننا في السابق كنا مستهدفين من الميليشيات أما الآن فنحن مستهدفون من ميليشيات تدعمها الحكومة». وأضاف: «أخشى طوال الوقت أن أصبح مستهدفا بسبب هويتي» قاصدا أن نقطة تفتيش تابعة للميليشيات سوف تلاحظ أن اسم عائلته سني فتخطفه أو حتى تقتله. وإذا واجه مشكلة في سيارته أو حدثت مشادة بينه وبين أحد الركاب، لن يجرؤ على الذهاب إلى قسم الشرطة للشكوى، لأنه يحمل اسما سنيا ويخشى أن تعتقله الشرطة. وعندما رأى أجنبيا في الحديقة، أول ما طرأ على ذهنه أن يكون تابعا لوكالة لاجئين. فسأله: «هل أنت من منظمة الهجرة الدولية؟ هل من الممكن أن تساعدنا على الخروج من العراق؟».
يوجد على الجانب الآخر من النهر عالم مختلف. في الكاظمية، حيث جميع السكان من الشيعة، يبدو رمضان وكأنه حفل مستمر في الشارع لمدة شهر. وحتى أثناء ساعات الصيام في حرارة النهار، التي تصل درجاتها أحيانا إلى 115 درجة فهرنهايت، يجتهد الناس في العمل استعدادا للإفطار، إذ يقومون بطهي الأرز في أوان كبيرة في مطابخ عامة، ويقطعون اللحم إلى قطع صغيرة ثم يخلطونه مع الأرز، ويقطعون الطماطم والخيار لإعداد السلطة ويقطعون شرائح دائرية من البطيخ. وفي المساء، يغلق المدخل الرئيسي الواقع على مشارف الكاظمية لأسباب تتعلق بالسلامة، لأن الحي تعرض للاعتداءات مرات كثيرة.
يمر الطريق المؤدي إلى الحي ببساتين النخيل، وتمر عبره قناة ري يسبح فيها الصبية ويهللون وهم يقفزون في المياه ويمرحون معا. وعندما يصل الزائرون إلى الممشى الطويل الذي يؤدي إلى المرقد، تتسارع الخطى بحماس للمرور عبر صف من المفتشين الذين يتحققون من عدم وجود قنابل وأسلحة، ثم يتجولون في المساحة الطويلة الممتدة أمامهم. يؤدي هذا الطريق الرئيس المتلألئ البراق إلى مزار الإمام الكاظم، الذي تضاء بواباته بمصابيح مبهجة تحمل اللونين الأخضر والأبيض.
يقول شاهد حامد حربي الخفاجي (70 سنة): «الأمور جيدة جدا هذا العام»، راسما على وجهه ابتسامة عريضة تكشف عن فم بلا أسنان وهو يجلس على حافة إحدى السجاجيد الطويلة الكثيرة التي وضعت من أجل وجبة الإفطار. وأضاف: «هناك ناس كثيرون للغاية، والمكان جميل جدا هنا. نطلب فقط من الأميركيين أن يأتوا ويقتلوا داعش، وأن يخلصونا منهم».
وتساعد الميليشيات الشيعية في الوقت الحالي على حماية الطريق الممتد من قرية الخفاجي في محافظة ديالى وحتى الطريق السريع، وقد جاءت عائلته إلى المزار للاحتفال بشهر رمضان. وقال الخفاجي مشيرا إلى بناته الخمس وأبنائهن: «نشعر بأمان تام بحضورنا إلى هنا».
على بعد عدة ياردات، تقدم مؤسسة الصدر، التي أسستها عائلة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وجبات الإفطار التي جلس يتناولها 150 رجلا. وفي الجوار، أحضرت العائلات وجباتها البسيطة المكونة من الزبادي المصنوع في المنزل والذي وضعوه في أكواب لتناوله مع التمر. وأخذت مجموعة من الأطفال تركض ذهابا وإيابا طالبين من أمهاتهم شراء البالونات والحلوى التي يعرضها الباعة المتجولون، بينما ارتدت هؤلاء الأمهات العباءات السوداء، وأعطين هواتفهن الجوالة إلى أبنائهن الأكبر سنا، ثم ذهبن لبضع دقائق إلى ضريح الإمام الكاظم. ويرى النشمي، متأملا كل تلك الصور، أن هناك انقساما عميقا متزايدا لا يمكن إيقافه بسهولة، ناهيك عن تغييره. وقال: «سيزداد الوضع سوءا: سيغادر السنة بغداد ويغادر الشيعة الشمال، وقد غادر المسيحيون تقريبا، وسنجد بلدا مقسما بالفعل. لا يمكن أن نجد حلا الآن، وأنا حزين للغاية». واستطرد قائلا: «لقد خسر العالم العراق، ولكن يجب أن نجاهد، أنت وأنا وجميع الأصدقاء، يجب أن نفعل شيئا، شيئا غامضا وبعيدا. يجب أن نُدرّس التاريخ في المدارس الابتدائية ونعلم أطفالنا حضارة العراق العظيمة».
* خدمة: «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.