«أعياد الاستقلال» في لبنان تأرجحت بين فراغي الرئاسة والحكومة

وزير سابق: ما لم يبنِ اللبنانيون دولتهم فسيكون مصيرهم المخيمات

استعراض عسكري للجيش اللبناني أمام الرئاسات الثلاث (إ.ب.أ)
استعراض عسكري للجيش اللبناني أمام الرئاسات الثلاث (إ.ب.أ)
TT

«أعياد الاستقلال» في لبنان تأرجحت بين فراغي الرئاسة والحكومة

استعراض عسكري للجيش اللبناني أمام الرئاسات الثلاث (إ.ب.أ)
استعراض عسكري للجيش اللبناني أمام الرئاسات الثلاث (إ.ب.أ)

ليست احتفالات الذكرى الـ75 للاستقلال اللبناني في ظلّ الفراغ الحكومي، حالةً فريدةً في تاريخ هذا البلد الصغير، بل نموذج صارخ لصراعات الداخل، التي تحوّل لبنان ومؤسساته وشعبه رهينة خيارات مفروضة عليهم، تجعل الفراغ الرئاسي والحكومي والعجز عن إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها الدستوري هو القاعدة، وانتظام عمل المؤسسات الدستورية هو الاستثناء، بخلاف طبيعة سائر الدول.
ويعزو سياسيون وخبراء الأزمات المتوارثة منذ أربعة عقود تقريباً إلى عاملين؛ الأول دور الوصايات التي تعاقبت على لبنان، والثاني صراع القوى السياسية الداخلية على ما تبقى من دولة وسلطة.
في مرحلة ما بعد خروج الجيش السوري من لبنان في 27 أبريل (نيسان) 2005، على أثر اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، بدأ عمل المؤسسات الدستورية يتقهقر بشكل كبير، بدءاً باستقالة الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، احتجاجاً على طلب الأمم المتحدة إنشاء محكمة دولية خاصة بمحاكمة قتلة الحريري.
لم تجرِ مراسم احتفالات الاستقلال، لسببين: الأول اعتبار الفريق الحليف للنظام السوري وإيران أن حكومة السنيورة غير ميثاقية بفعل خروج الوزراء الشيعة منها، والثاني مقاطعة فريق «14 آذار» لرئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود.
وتكرر ذلك في عام 2007 للأسباب نفسها. وفي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 غادر لحود القصر الجمهورية على أثر انتهاء ولايته الممدّدة، ودخل لبنان في فراغ رئاسي استمرّ حتى 25 مايو (أيار) 2008، إذ انتخب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، بعد اتفاق الدوحة الذي انعقد على خلفية اجتياح «حزب الله» لبيروت عسكرياً في السابع من مايو 2008، وكانت غايته الإطاحة بحكومة السنيورة.
وفي 22 نوفمبر 2013، شهدت احتفالات ذكرى الاستقلال في لبنان، حضور رئيسي حكومة، هما الرئيس المستقيل نجيب ميقاتي، والرئيس المكلف تمام سلام، وبقي لبنان دون حكومة لمدة 11 شهراً، كما أن احتفالات الاستقلال غابت نهائياً في عامي 2014 و2015، بسبب الفراغ الرئاسي، الذي استمرّ ما بين 25 مايو 2014 حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، إذ انتهى الفراغ بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة سعد الحريري المستقيلة، علما بأن احتفالات الاستقلال في عام 2016 شارك فيها أيضاً رئيسان للحكومة، هما: رئيس حكومة تصريف الأعمال تمام سلام، والرئيس المكلف سعد الحريري. وهكذا حلّت الذكرى الخامسة والسبعون للاستقلال، أمس، من دون حكومة، إذ لم يفلح الحريري بتشكيل حكومته بعد ستة أشهر على تكليف بسبب صراع الحصص، وآخرها تلويح «حزب الله» ببقاء الفراغ الحكومي حتى قيام الساعة، ما لم يتم توزير أحد نواب سنّة الثامن من آذار.
هذه الأزمات التي وضعت لبنان على شفير الانهيار، رأى فيها الوزير السابق رشيد درباس «دليلاً على التهتّك الذي يصيب الوطن». ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «كلّما تعاقبنا في الأجيال توغلنا في الركاكة».
وأجرى مقاربة ما بين رجالات الاستقلال والحكام الحاليين، معتبراً أن «الذين كانوا أبطال الاستقلال في عام 1943، ورغم المآخذ عليهم، كانوا أبناء تقاليد وقيم، لأنهم كانوا يتصارعون تحت سقف القانون والدستور».
وأضاف: «نحن اليوم في صراعات متمادية، وهذه الصراعات للأسف دفعتنا للاستعانة بالشقيق والعدو، حتى فقدنا حرية التصالح وحرية التسوية، وما نراه اليوم أن كلّ الأطراف لم يعد لديه حرية التسوية»، لافتاً إلى أن «سعد الحريري وحده خاض غمار التصالح والتسوية، لكن تبيّن أن التسوية أتت من طرف واحد فوقع الاختلال». ولا يختلف اثنان على أن أزمة لبنان تتخطى خلاف أهل المصالح الداخليين، وباتت مرتبطة بعوامل إقليمية ودولية. ويؤكد الوزير درباس (وهو نقيب سابق للمحامين) أن «كل كلام عن عدم وجود عامل خارجي لتعطيل الحكومة غير صحيح»، مشدداً على أن «أزمة الحكومة ستبقى مفتوحة إلى أن تبدأ عملية تفاوض أميركية - إيرانية، إلا إذا شعرت الأطراف الداخلية بأن الأرض التي تقف عليها ستنهار».
ورأى أنه «لا أحد قادر بعد اليوم على استخدام شعار فلسطين وشعار المقاومة (في إشارة إلى حزب الله)». وتوجه درباس إلى اللبنانيين قائلاً: «إن لم تعرفوا كيف تبنون دولتكم فإن مصيركم إلى المخيمات».
من جهته، عزا السياسي اللبناني الدكتور توفيق الهندي الفراغ الدائم سواء في الحكومة أو في رئاسة الجمهورية إلى «عاملين متشابكين؛ الأول مرتبط بدور الاحتلالات والوصايات، من الوجود الفلسطيني إلى الهيمنة السورية، وصولاً إلى الاحتلال الإيراني وهو الأصعب، والثاني بالسياسيين الذين بدلاً من أن يتمسّكوا بالدستور وبالديمقراطية باتوا ديكتاتوريين يتصارعون على فتات السلطة»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «وقوع لبنان بين فكّي الاحتلال الإيراني والجسم السياسي الحاكم أوصل البلد إلى هذا الدرك».
وأشار إلى أن الفراغ الحكومي «يعبّر عن قوة الطرف الأساسي الممسك بالأوضاع، وخضوع الجسم السياسي تحت شعار الواقعية السياسية». وشدد توفيق الهندي على أن «لبنان لن يستقرّ إلا بالخلاص من الاحتلال والهيمنة الإيرانية، ووضع ركائز للمستقبل، تقوم على تغيير الطاقم السياسي الحاكم»، داعياً إلى «إعطاء دور للقوى الشبابية التي تحبّ لبنان، وتتنافس من أجل نهضته، لأن الجسم السياسي الحالي لم يعد مؤهلاً للتقيد بالدستور وتطبيق (اتفاق الطائف)».
في الختام، نشير إلى أن الأزمات المتعاقبة منذ 2005 لا تلغي حقيقة أن مرض الفراغ قائم منذ منتصف السبعينات، واللبنانيون الذين عايشوا مرحلة الحرب الأهلية يذكرون أن الانتخابات البرلمانية تعطّلت ما بين الأعوام 1976 و1992 بسبب الحرب، وكذلك مرّ لبنان بفراغ رئاسي وحكومي ما بين سبتمبر (أيلول) 1988 مع انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل، ونوفمبر 1989، أدار البلد حينها حكومتان؛ واحدة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون، وكانت تفرض سيطرتها على ما يعرف بمنطقة «بيروت الشرقية»، وصولاً إلى منطقة المدفون آخر نقطة جغرافية في محافظة جبل لبنان، والثانية مدنية برئاسة سليم الحص، وكانت تحكم «بيروت الغربية» ومناطق الجنوب والبقاع والشمال وجزءاً من جبل لبنان.



الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.