فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

استعادوا لحظات صعوده وانكساره في كثير من أعمالهم

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين
TT

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

لا تكف بوابات الأندلس بتاريخها الحافل بالمجد والخذلان، عن مغازلة أعين الكتاب الروائيين، فمنهم من قاده الحنين للاقتراب منها، والطرق بجسارة على أسئلة التاريخ المستترة وراءها، لعلهم يجترون مقاطع من الحكاية القديمة، ويعيدون ألقها العابر عبر شخوصهم المُتخيلة في فضاء السرد من جديد، في محاولة لفهم ما حدث: كيف سقطت وما مصائر أهلها؟
في مصر، ستجد في أدبيات الدراسات الجامعية ما يمكن تسميته «أدب الأندلس»، وإن كان المرور عليه يتم بشكل عابر؛ لكنه - مع ذلك - ترك علامات على هذا النوع الأدبي المشحون بأسئلة الماضي، ومساحات الخيال الجامحة.
هذا التحقيق محاولة لسبر أغوار هذه المغازلة الشجية المغوية من زواياها المتعددة، ومن وجهة نظر كوكبة من الكتاب، ترجموا هذه المغازلة إلى عوالم حية في أعمالهم الروائية.

- «أدب الأندلس»
يقول الشاعر والناقد شعبان يوسف، إن مسألة الكتابة المصرية الإبداعية عن مرحلة المسلمين والعرب في الأندلس، ليست حديثة العهد، منذ أن كتب الشاعر الراحل أحمد شوقي قصيدته «أندلسية»، واستهلها قائلاً:
«يا نائح (الطلح) أشباه عوادينا
نشجى لواديك أم نأسى لوادينا
ماذا تقصّ علينا غير أن يداً
قصت جناحيك جالت في حواشينا».
ثم جاء الباحث والمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، ليكتب سلسلة كتب فريدة من نوعها في تاريخ الأندلس، وهي ليست كتابات عابرة، ولكنها موسوعات مُفصلة، ودائرة معارف شاملة، وتعدّ هذه الموسوعة مرجعية أساسية للمبدعين عموماً.
يضيف يوسف: لعل عبارة: «لا وحشة في قبر مريمة» هي واحدة من الجمل الأدبية الدامغة لما يطلق عليه «أدب الأندلس»، وهي العبارة التي ختمت بها الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، واحداً من أبرز أعمالها «ثلاثية غرناطة»، التي استلهمت بها تاريخ الأندلس بكثير من وجوهه وفصوله.
تنقسم رواية عاشور إلى ثلاث روايات، هي: «غرناطة»، و«مريمة»، و«الرحيل»، وتبدأ أحداثها عام 1491، وهو عام سقوط مدينة غرناطة. وانطلاقاً من شهادة الناقد الأدبي الراحل علي الراعي عن تلك الثلاثية بقوله إنها «تجعل حقائق التاريخ تنتفض أمامنا حارة دافقة»، فإن تناول مسألة «الحقائق التاريخية» هو أحد أبرز مفاتيح الكتابة عن «أدب الأندلس»، بوصفه أحد أبرز تحدياته؛ بل مصاعبه... وهو ما يتفق معه الناقد شعبان يوسف، موضحاً أن: «رضوى عاشور استندت على قدمي الواقع التاريخي المدوّن، والخيال الروائي المفتوح، الذي يحتمل كافة التكهنات والتمنيات والحقائق التي تعتقد الكاتبة أنها مجهولة، ومن ثم نجد أنها عوّلت على هذا العصر المفقود، كأنه فردوس للمرأة، فجاءت شخصيات الرواية لتعبر عن ذلك المنحى النسوي، ذلك المنحى الذي تعرّفنا عليه في رواياتها الأخرى، مثل (خديجة وسوسن)، و(فرح) و(أطياف)».
ويتابع يوسف: «من ثم، لم تكن رواية (غرناطة) مجرد استدعاء لزمن قديم، كان المسلمون فيه على قمة المجد؛ بل إنها كشفت عن كتابات تاريخية شبه مجهولة، لتؤكد ما ذهبت إليه في روايتها، وهذا يعني أنها قدمت جوانب لم تكن مطروقة من قبل».

- «حصن التراب»
الروائي أحمد عبد اللطيف، صاحب رواية «حصن التراب»، التي قادته إلى القائمة الطويلة لدورة جائزة «البوكر» العربية لهذا العام، وهي الرواية التي حمل على أجنحتها رسالة عائلة «موريسكية» في لحظات سقوط مدينة «حصن التراب» المتاخمة لغرناطة، إبان لحظات مصيرية تعيسة لسقوط الأندلس، وما تبعها من محاكم تفتيش وتعذيب للمسلمين ووأد لهويتهم. حول هذه الرواية سألناه وتحديداً عن السبب الذي يجعل التناول الأدبي يستعذب الكتابة عن أطلال الأندلس بطعمها المر إلى اليوم، فأجاب: «أعتقد أن الحنين للأندلس هو حنين لزمن التعايش، حنين لزمن كانت فيه الثقافة العربية منتصرة، وكان للعلم مكانته، وللفكر آفاق أوسع؛ لكن الأندلس، مع ذلك، لم تكن عربية صافية؛ لكنها كانت هذا المزيج بين ما هو عربي وما هو أوروبي، ونتاج هذا المزيج كان حضارة عظيمة؛ لكن التناول الأدبي، بحسب اطلاعي، لا يتوقف عند هذا؛ بل يلتفت للسقوط، وللهزيمة، للعنف والتعسف. وإذ يتناول ذلك يفتح الخريطة لمذابح أخرى؛ حيث التاريخ الإنساني كله بداية من قابيل وهابيل. يحدث أن الأدباء حين يتناولون الأندلس يقصدون ما هو أبعد منها، يبحثون عن المعنى وراء الحياة، والجدوى منها».
وحول مسألة ندرة المادة التاريخية كتحدٍّ راسخ أمام هذا النوع من الكتابة، قال عبد اللطيف في متابعة لحديثه: «أن تستلهم عصراً كاملاً الفارق الزمني بينك وبينه عدة قرون، بكل ما فيه من أحداث وشخصيات، وأن تعتمد على كتب تاريخ هي نفسها تتناقض فيما بينها، يجعل العملية صعبة إن استسلمت لفكرة مصداقية التاريخ؛ لكني لا أصدق التاريخ، أتعامل معه كحكايات تدخل فيها الخيال وعمل التحيز بمعوله فيها. لذلك فـ(حصن التراب) ليست رواية تاريخية، إنما تأريخية، والفارق بينهما كبير. التأريخ يعيد قراءة التاريخ على ضوء النقد والتشكيك، يقارن المصادر المختلفة ليصل إلى التناقض، ومن ثم التشكيك في المصداقية. هذه إحدى مزايا ما بعد الحداثة، أنها جعلت كل شيء قابلاً للنقد والتفكيك، وبالتالي القابلية لنظرية أخرى. هذا كان المنطلق الفكري لروايتي، لا أن أقدم ما حدث، وإنما ما كان يمكن أن يحدث، وهذا منحني القدرة على التخيل، أن أخلق شخصيات لا وجود لها، وأن أكتب وثائق تبدو واقعية، وأن أصل للحقيقة المفترضة عبر الخيال وليس الوثيقة».
وحول علاقة الخيال بالواقع والتاريخ، والأدوات التي يمكن أن يستعين بها الكاتب لردم تلك الهُوة الشاسعة بين الواقع والخيال، أضاف عبد اللطيف: «ما من طريقة لفهم ما لم نره إلا تخيله؛ لكن هناك وسائل تساعد على فتح الخيال، مثل القراءة والاطلاع، ومثل السماع، ومثل رؤية ما تبقى من أثر. الحقيقة أنني استعنت بكل ذلك، عشت في المدن التي كتبت عنها، انتقلت بينها وتحدثت مع أهلها، لم يكونوا كرماء جداً في الحكايات القديمة، ثمة حساسية من المسألة لا تزال موجودة، مع ذلك كانت القراءة معيناً لا ينضب، وآثار المدن وأطلالها ومخطوطات الناس كانت كفيلة لدفع الخيال، مع ذلك كان الخيال في النهاية ما يملأ الثغرات، والخيال استطاع أن يصنع ذاكرة وصوراً».

- «قمارش»
حديث عبد اللطيف عن تقفي آثار التاريخ والمشاهدات الحيّة للمدن التي احتضنت مآثر الأندلس، كان بداية الخيط الذي التقطته الكاتب محمود زكي، لإنجاز قماشة عمله الروائي الأول «قمارش»، التي طُرحت في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة للكتاب؛ حيث يُرجع زكي السبب الرئيسي للإلهام بفكرة الرواية إلى زيارته للأندلس في عام 2016، وانبهاره بالحضارة والمعمار الإسلامي هناك... حول ذلك يقول: «كانت زيارتي تتزامن بالصدفة مع الاحتفال بالعيد القومي لمدينة مالقة، الذي يتم الاحتفال فيه بيوم دخول القشتالة المدينة وطرد الحاكم العربي منها، وهي الرواية التي يتبناها الإسبان باعتبار أن العرب مُحتلون، وأنهم حرروا المدينة بعد 800 عام من الاستعمار، بينما يعدها المسلمون أرضاً مسلمة سقطت، وهو السؤال الذي بنيت عليه عالم الرواية: (هل سقطت الأندلس أم حُررت؟)، وسعيت للإجابة عن هذا السؤال بقراءة مستفيضة في عدد من كتب التاريخ العربية، وأخرى أجنبية، تحكي بلسان الإسبان والغرب كيف ينظرون لفترة الحكم الإسلامي لإسبانيا».
ويستطرد صاحب «قمارش» بقوله، إن فقر الكتب العربية عن الأندلس وثراء الأدب الغربي عن تلك الفترة في المقابل، جعله يقرأ عن أشخاص وحكايات لم يذكرها التراث العربي والإسلامي، مثل شخصية «عمر بن حفصون» على سبيل المثال، وهو زعيم محلي انقلب على المستعمر العربي في فترة عبد الرحمن الداخل. وعدد زكي أبرز المراجع التي اعتمد عليها خلال كتابة روايته، منها كانت «دولة الإسلام في الأندلس» لمحمد عبد الله عنان، و«إغاثة الأمة بكشف الغمة» للمقريزي، و«العمارة الأندلسية والفقراء» لحسن فتحي، ومراجع أجنبية لهيو كيندي، وهينري كيمان، وغيرهم.
أهمية المراجع وندرتها يؤكدها أيضا أحمد عبد اللطيف، لافتاً إلى أن فقر المادة العربية بالمقارنة مثلاً بالمادة الإسبانية التي يتابعها بتأن بحكم اشتغاله كذلك بالترجمة عن الإسبانية للعربية... ويخلص صاحب «حصن التراب» بقوله: «الكتابة عن حضارة الأندلس ظلت مُغرية للأدب الإسباني على مدار التاريخ، فقد كتب عنها أنطونيو جالا (المخطوط القرمزي)، وتأثر لوركا بالأندلس بشكل كبير، حتى أنه كان يقول إنه شاعر أندلسي، أي ابن هذه الحقبة التاريخية، وكتب كثيراً من القصائد في ذلك، وكتب عنها مؤخراً أيضاً مارثيليانو جاليانو عدة أعمال لها قيمتها. ونلاحظ أن المسألة حساسة في المجتمع الإسباني، وخارج الدوائر الأكاديمية والعلمية نادراً ما يتطرقون لمسألة الموريسكيين مثلاً، وإن كانوا يشيرون للأصول العربية لإسبانيا، أو تداخل الهويات من آن لآخر. أظن أن الأندلس، رغم كونها تاريخاً مشتركاً، إلا أنها سؤال الثقافة العربية بالأساس».



للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
TT

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)
اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

على كوكب «بريدجرتون» الساحر، كل شيء ممكن، حتى قصص الحب بين الأسياد والخادمات تُكتب لها النهايات السعيدة.

لعلّ فسحة الحلم هذه، التي يقدّمها مسلسل «نتفليكس» المحبوب، هي ما تشدّ الجمهور إليه في كل مرةٍ يُعلَن موسم جديد. وقد استكملت المنصة الموسم الرابع قبل أيام، بعَرْضها قسمه الثاني المؤلّف من 4 حلقات، بعد أن كانت قد بثّت الحلقات الـ4 الأولى قبل شهرٍ تقريباً.

ما بدأ كحكاية «سندريلا» بين «بينيديكت بريدجرتون» والخادمة «صوفي» لم ينقطع، لا بل شهدَ تطوّراتٍ عاطفية دراماتيكية.

بعد أن التقاها، في الحلقة الأولى من القسم الأول، وسط حفلٍ تنكّريّ راقص ثم فقَدَ أثرَها، عاد بينيديكت ليصادف صوفي من جديد، إنما هذه المرة على هيئة خادمة. رغم اختلاف الهندام، لم يتبدّل شيء على مستوى المشاعر، فنارُ الحب اشتعلت منذ اللحظة الأولى بينهما. وبعد أن أنقذها من مصيرٍ مُذلّ مع أسيادٍ عرّضوها للإهانة، نقلها إلى بيت العائلة في لندن، حيث انضمّت صوفي إلى فريق الخدَم هناك. هكذا انتهى القسم الأول من الموسم الثاني، ليُفتتح، من جديد، على اتّخاذ قصة الحب مساراتٍ جديدة.

كلُّ ما في الفتاة يوحي بأنها آتية من خلفيّة راقية؛ ثقافتها، سلوكها، ورفضُها أن تتحوّل إلى عشيقة لبينيديكت. جميع أفراد عائلة بريدجرتون، وليس بينيديكت حصراً، مهتمّون بها؛ بمَن فيهم والدتُه «الليدي فيوليت» التي تقتنع بصِدق المشاعر بين ابنها والخادمة. رغم التفاوت الطبقيّ ونظرة المجتمع، وبعد عدد من المواجهات مع بينيديكت تتحوّل الأمّ إلى عنصرٍ مُساعد في التئام الشمل بين الحبيبَين.

إلا أنّ دون ذلك عثرات ليس أوّلُها استحالة فكرة الزواج بين خادمة وسيّدها، بل حِقد زوجة أب صوفي، التي جرّدتها من ميراث أبيها وحوّلتها إلى خادمة في منزلها ثم طردتها منه. يصل بغض تلك السيدة إلى حدّ زجّ صوفي في السجن بتهمة السرقة.

زوجة أب صوفي وابنتاها والمنافسة الآسيوية على قلب بينيديكت (نتفليكس)

لكن لا شيء أقوى من مشاعر بينيديكت للخادمة. وكأنّ السيناريو في الموسم الرابع كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع. ومَن أفضل من المُنتجة شوندا رايمز، الأمّ الروحيّة لبريدجرتون، كي ترسم باللون الورديّ أسطورة الحب هذه.

صحيح أنّ القسم الأول من المسلسل كان قد أوشك على الغرق في رتابة حبكةٍ مستنسَخة من قصة سندريلا، إلا أنّ التحوّلات الطارئة على القسم الثاني تنقذ الموقف من احتمالات الملل. فعلى ضفاف الحب المتعثّر، تنشأ حبكاتٌ فرعية خاصة بمعظم الشخصيات.

يزخر الموسم الرابع بالحبكات الفرعية التي تنقذه من الرتابة (نتفليكس)

في مشهدٍ لم يعتَده جمهور بريدجرتون، يطرق الموت باب «فرانشيسكا»، شقيقة بينيديكت، فيخطف زوجها «جون». يتحوّل المزاج، على مدى حلقةٍ كاملة، إلى السواد والكآبة، بما يتناقض والزهوَ المعتاد للمسلسل بألوانه وموسيقاه وحفلاته. لكنّ ملامح الفرح تعود لتدخل إلى حياة الأرملة الشابّة وبيتها، من خلال نسيبة زوجها الراحل، «ميكاييلا».

أما السيدة بريدجرتون الأم فلا تدَع ابنها يُصاب وحده بسَهم الحب، بل تسمح لقلبها بالخفقان وتفكّر حتى في الزواج بعد سنواتٍ طويلة من الوحدة. وفي حين تتخلّى «بينيلوبي» نهائياً عن نشر الأسرار والفضائح تحت مسمّى «ليدي ويسلداون»، تجد «الملكة تشارلوت» نفسها مهددة بالوحدة والملل، بعد أن تُقرر صديقتها «ليدي دانبوري» أن تغادر البلاد بحثاً عن جذورها.

الملكة تشارلوت وصديقتها الوفية الليدي دانبوري (نتفليكس)

يشكّل الموسم الرابع من بريدجرتون تحوّلاً عمّا سبقه من مواسم؛ ليس لأنه يطرح قصة حب خارجة عن المألوف وخارقة للطبقيّة الاجتماعية، بل أيضاً لأنه يمنح صوتاً لمَن لم يكن يُسمع لهم صوتٌ من قبل. يشهد هذا الموسم ما يُسمّى «حرب الخدم»، الذين يرفعون أصواتهم دفاعاً عن حقوقهم المادية والمعنوية. وبقوّتها الناعمة ومشاعرها الصادقة، تقود صوفي تلك الحرب.

ليست المرة الأولى التي يلعب فيها المسلسل على وتر الدمج، فقد سبق أن أفرد مساحةً لأصحاب البشرة السمراء. وفي هذا الموسم، يفرض العِرق الآسيويّ نفسه بقوّة، إضافةً إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الممثَّلة من خلال خادمة مبتورة الذراع.

الكل يخرج راضياً من بريدجرتون، ولا سيما جمهور المسلسل الذي يجد فيه استراحةً نفسية على مستوى الشكل المُفرح والمضمون المُطَمئن. ولإضفاء مزيدٍ من الاطمئنان على نفوس المشاهدين الأوفياء، فقد أعلنت «نتفليكس» أنّ الموعد سيتجدّد في موسمَين خامسٍ وسادس. وهذا أمرٌ متوقّع، بما أنّ السلسلة مقتبَسة عن مجموعة روايات للكاتبة الأميركية جوليا كوين، ومكوّنة من 8 أجزاء؛ ما يعني أنّ بريدجرتون سيمتدّ على 8 مواسم.

يلعب المسلسل منذ أول مواسمه على وتر الدمج بين فئات المجتمع (نتفليكس)

بالعودة إلى الموسم الخامس، من المرتقب أن ينطلق تصويره خلال شهر، على أن يُبَثّ في 2027. أما الشخصية المحوريّة فيه، ووفق ما ألمحت المنتِجة التنفيذية جيس براونيل، فربما تكون فرانشيسكا بريدجرتون أو شقيقتُها «إيلويز»، فالأخيرة واحدة من بنات العائلة التي لم تتزوّج لأنها تُعاند الفكرة، أما فرانشيسكا فقد تعود الأضواء لتُلقى عليها بعد أن تُنهي حدادها على زوجها.

ومن الألغاز التي من المتوقّع أن تشكّل إحدى حبكات الموسم المقبل، عودة نشرات ليدي ويسلداون الأسبوعية، إنما موقَّعةً من قلمٍ سرّيّ جديد.


«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».