فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

استعادوا لحظات صعوده وانكساره في كثير من أعمالهم

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين
TT

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

فضاء الأندلس يغازل خيال روائيين مصريين

لا تكف بوابات الأندلس بتاريخها الحافل بالمجد والخذلان، عن مغازلة أعين الكتاب الروائيين، فمنهم من قاده الحنين للاقتراب منها، والطرق بجسارة على أسئلة التاريخ المستترة وراءها، لعلهم يجترون مقاطع من الحكاية القديمة، ويعيدون ألقها العابر عبر شخوصهم المُتخيلة في فضاء السرد من جديد، في محاولة لفهم ما حدث: كيف سقطت وما مصائر أهلها؟
في مصر، ستجد في أدبيات الدراسات الجامعية ما يمكن تسميته «أدب الأندلس»، وإن كان المرور عليه يتم بشكل عابر؛ لكنه - مع ذلك - ترك علامات على هذا النوع الأدبي المشحون بأسئلة الماضي، ومساحات الخيال الجامحة.
هذا التحقيق محاولة لسبر أغوار هذه المغازلة الشجية المغوية من زواياها المتعددة، ومن وجهة نظر كوكبة من الكتاب، ترجموا هذه المغازلة إلى عوالم حية في أعمالهم الروائية.

- «أدب الأندلس»
يقول الشاعر والناقد شعبان يوسف، إن مسألة الكتابة المصرية الإبداعية عن مرحلة المسلمين والعرب في الأندلس، ليست حديثة العهد، منذ أن كتب الشاعر الراحل أحمد شوقي قصيدته «أندلسية»، واستهلها قائلاً:
«يا نائح (الطلح) أشباه عوادينا
نشجى لواديك أم نأسى لوادينا
ماذا تقصّ علينا غير أن يداً
قصت جناحيك جالت في حواشينا».
ثم جاء الباحث والمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، ليكتب سلسلة كتب فريدة من نوعها في تاريخ الأندلس، وهي ليست كتابات عابرة، ولكنها موسوعات مُفصلة، ودائرة معارف شاملة، وتعدّ هذه الموسوعة مرجعية أساسية للمبدعين عموماً.
يضيف يوسف: لعل عبارة: «لا وحشة في قبر مريمة» هي واحدة من الجمل الأدبية الدامغة لما يطلق عليه «أدب الأندلس»، وهي العبارة التي ختمت بها الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، واحداً من أبرز أعمالها «ثلاثية غرناطة»، التي استلهمت بها تاريخ الأندلس بكثير من وجوهه وفصوله.
تنقسم رواية عاشور إلى ثلاث روايات، هي: «غرناطة»، و«مريمة»، و«الرحيل»، وتبدأ أحداثها عام 1491، وهو عام سقوط مدينة غرناطة. وانطلاقاً من شهادة الناقد الأدبي الراحل علي الراعي عن تلك الثلاثية بقوله إنها «تجعل حقائق التاريخ تنتفض أمامنا حارة دافقة»، فإن تناول مسألة «الحقائق التاريخية» هو أحد أبرز مفاتيح الكتابة عن «أدب الأندلس»، بوصفه أحد أبرز تحدياته؛ بل مصاعبه... وهو ما يتفق معه الناقد شعبان يوسف، موضحاً أن: «رضوى عاشور استندت على قدمي الواقع التاريخي المدوّن، والخيال الروائي المفتوح، الذي يحتمل كافة التكهنات والتمنيات والحقائق التي تعتقد الكاتبة أنها مجهولة، ومن ثم نجد أنها عوّلت على هذا العصر المفقود، كأنه فردوس للمرأة، فجاءت شخصيات الرواية لتعبر عن ذلك المنحى النسوي، ذلك المنحى الذي تعرّفنا عليه في رواياتها الأخرى، مثل (خديجة وسوسن)، و(فرح) و(أطياف)».
ويتابع يوسف: «من ثم، لم تكن رواية (غرناطة) مجرد استدعاء لزمن قديم، كان المسلمون فيه على قمة المجد؛ بل إنها كشفت عن كتابات تاريخية شبه مجهولة، لتؤكد ما ذهبت إليه في روايتها، وهذا يعني أنها قدمت جوانب لم تكن مطروقة من قبل».

- «حصن التراب»
الروائي أحمد عبد اللطيف، صاحب رواية «حصن التراب»، التي قادته إلى القائمة الطويلة لدورة جائزة «البوكر» العربية لهذا العام، وهي الرواية التي حمل على أجنحتها رسالة عائلة «موريسكية» في لحظات سقوط مدينة «حصن التراب» المتاخمة لغرناطة، إبان لحظات مصيرية تعيسة لسقوط الأندلس، وما تبعها من محاكم تفتيش وتعذيب للمسلمين ووأد لهويتهم. حول هذه الرواية سألناه وتحديداً عن السبب الذي يجعل التناول الأدبي يستعذب الكتابة عن أطلال الأندلس بطعمها المر إلى اليوم، فأجاب: «أعتقد أن الحنين للأندلس هو حنين لزمن التعايش، حنين لزمن كانت فيه الثقافة العربية منتصرة، وكان للعلم مكانته، وللفكر آفاق أوسع؛ لكن الأندلس، مع ذلك، لم تكن عربية صافية؛ لكنها كانت هذا المزيج بين ما هو عربي وما هو أوروبي، ونتاج هذا المزيج كان حضارة عظيمة؛ لكن التناول الأدبي، بحسب اطلاعي، لا يتوقف عند هذا؛ بل يلتفت للسقوط، وللهزيمة، للعنف والتعسف. وإذ يتناول ذلك يفتح الخريطة لمذابح أخرى؛ حيث التاريخ الإنساني كله بداية من قابيل وهابيل. يحدث أن الأدباء حين يتناولون الأندلس يقصدون ما هو أبعد منها، يبحثون عن المعنى وراء الحياة، والجدوى منها».
وحول مسألة ندرة المادة التاريخية كتحدٍّ راسخ أمام هذا النوع من الكتابة، قال عبد اللطيف في متابعة لحديثه: «أن تستلهم عصراً كاملاً الفارق الزمني بينك وبينه عدة قرون، بكل ما فيه من أحداث وشخصيات، وأن تعتمد على كتب تاريخ هي نفسها تتناقض فيما بينها، يجعل العملية صعبة إن استسلمت لفكرة مصداقية التاريخ؛ لكني لا أصدق التاريخ، أتعامل معه كحكايات تدخل فيها الخيال وعمل التحيز بمعوله فيها. لذلك فـ(حصن التراب) ليست رواية تاريخية، إنما تأريخية، والفارق بينهما كبير. التأريخ يعيد قراءة التاريخ على ضوء النقد والتشكيك، يقارن المصادر المختلفة ليصل إلى التناقض، ومن ثم التشكيك في المصداقية. هذه إحدى مزايا ما بعد الحداثة، أنها جعلت كل شيء قابلاً للنقد والتفكيك، وبالتالي القابلية لنظرية أخرى. هذا كان المنطلق الفكري لروايتي، لا أن أقدم ما حدث، وإنما ما كان يمكن أن يحدث، وهذا منحني القدرة على التخيل، أن أخلق شخصيات لا وجود لها، وأن أكتب وثائق تبدو واقعية، وأن أصل للحقيقة المفترضة عبر الخيال وليس الوثيقة».
وحول علاقة الخيال بالواقع والتاريخ، والأدوات التي يمكن أن يستعين بها الكاتب لردم تلك الهُوة الشاسعة بين الواقع والخيال، أضاف عبد اللطيف: «ما من طريقة لفهم ما لم نره إلا تخيله؛ لكن هناك وسائل تساعد على فتح الخيال، مثل القراءة والاطلاع، ومثل السماع، ومثل رؤية ما تبقى من أثر. الحقيقة أنني استعنت بكل ذلك، عشت في المدن التي كتبت عنها، انتقلت بينها وتحدثت مع أهلها، لم يكونوا كرماء جداً في الحكايات القديمة، ثمة حساسية من المسألة لا تزال موجودة، مع ذلك كانت القراءة معيناً لا ينضب، وآثار المدن وأطلالها ومخطوطات الناس كانت كفيلة لدفع الخيال، مع ذلك كان الخيال في النهاية ما يملأ الثغرات، والخيال استطاع أن يصنع ذاكرة وصوراً».

- «قمارش»
حديث عبد اللطيف عن تقفي آثار التاريخ والمشاهدات الحيّة للمدن التي احتضنت مآثر الأندلس، كان بداية الخيط الذي التقطته الكاتب محمود زكي، لإنجاز قماشة عمله الروائي الأول «قمارش»، التي طُرحت في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة للكتاب؛ حيث يُرجع زكي السبب الرئيسي للإلهام بفكرة الرواية إلى زيارته للأندلس في عام 2016، وانبهاره بالحضارة والمعمار الإسلامي هناك... حول ذلك يقول: «كانت زيارتي تتزامن بالصدفة مع الاحتفال بالعيد القومي لمدينة مالقة، الذي يتم الاحتفال فيه بيوم دخول القشتالة المدينة وطرد الحاكم العربي منها، وهي الرواية التي يتبناها الإسبان باعتبار أن العرب مُحتلون، وأنهم حرروا المدينة بعد 800 عام من الاستعمار، بينما يعدها المسلمون أرضاً مسلمة سقطت، وهو السؤال الذي بنيت عليه عالم الرواية: (هل سقطت الأندلس أم حُررت؟)، وسعيت للإجابة عن هذا السؤال بقراءة مستفيضة في عدد من كتب التاريخ العربية، وأخرى أجنبية، تحكي بلسان الإسبان والغرب كيف ينظرون لفترة الحكم الإسلامي لإسبانيا».
ويستطرد صاحب «قمارش» بقوله، إن فقر الكتب العربية عن الأندلس وثراء الأدب الغربي عن تلك الفترة في المقابل، جعله يقرأ عن أشخاص وحكايات لم يذكرها التراث العربي والإسلامي، مثل شخصية «عمر بن حفصون» على سبيل المثال، وهو زعيم محلي انقلب على المستعمر العربي في فترة عبد الرحمن الداخل. وعدد زكي أبرز المراجع التي اعتمد عليها خلال كتابة روايته، منها كانت «دولة الإسلام في الأندلس» لمحمد عبد الله عنان، و«إغاثة الأمة بكشف الغمة» للمقريزي، و«العمارة الأندلسية والفقراء» لحسن فتحي، ومراجع أجنبية لهيو كيندي، وهينري كيمان، وغيرهم.
أهمية المراجع وندرتها يؤكدها أيضا أحمد عبد اللطيف، لافتاً إلى أن فقر المادة العربية بالمقارنة مثلاً بالمادة الإسبانية التي يتابعها بتأن بحكم اشتغاله كذلك بالترجمة عن الإسبانية للعربية... ويخلص صاحب «حصن التراب» بقوله: «الكتابة عن حضارة الأندلس ظلت مُغرية للأدب الإسباني على مدار التاريخ، فقد كتب عنها أنطونيو جالا (المخطوط القرمزي)، وتأثر لوركا بالأندلس بشكل كبير، حتى أنه كان يقول إنه شاعر أندلسي، أي ابن هذه الحقبة التاريخية، وكتب كثيراً من القصائد في ذلك، وكتب عنها مؤخراً أيضاً مارثيليانو جاليانو عدة أعمال لها قيمتها. ونلاحظ أن المسألة حساسة في المجتمع الإسباني، وخارج الدوائر الأكاديمية والعلمية نادراً ما يتطرقون لمسألة الموريسكيين مثلاً، وإن كانوا يشيرون للأصول العربية لإسبانيا، أو تداخل الهويات من آن لآخر. أظن أن الأندلس، رغم كونها تاريخاً مشتركاً، إلا أنها سؤال الثقافة العربية بالأساس».



«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
TT

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

يضع مارون الحكيم في معرضه «غابة الحرّية» («ريبيرث بيروت»)، المُتلقّي أمام تجربة تشكيلية تُبنَى تدريجياً حول مفهوم الحرّية كما يصوغه في لوحاته. المُتأمِّل في اللوحات يُدرك أنّ الحرّية فعل يوميّ يتجدَّد وقرار يُصاغ مع كلّ ضربة فرشاة، وربما طريق يعبُر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة.

يتشكّل فضاء يحتفي بالحياة ويترك للعين اكتشاف مساراتها الخاصة (الشرق الأوسط)

منذ الانطباع الأول، تستوقف المُتلقّي اندفاعة لونية كثيفة. فالرشقات متعدِّدة الطبقات، والبقع سميكة تُشبه انكسارات ضوء، والمساحات تتبدَّل بين الضبابيّ واللامع. هذا الأثر التقني جزء من بناء المعنى. فالنصّ الفرنسي المُرافق لكاتالوغ المعرض يقرأ كلّ ضربة فرشاة على أنها قرار يَفتح ممرّاً غير متوقَّع داخل مساحة لم تكن موجودة قبل الفنان، ويقترح أنَّ ما يظهر على القماش هو ولادة حرّية مُمكنة في كلّ مرّة. تتقاطع الفكرة مع ما يكتبه مارون الحكيم في نصّه العربي عن اللون الذي يراه «سليل الضوء» وروح اللحظة، وعن الانفعال وهو دافع أوليّ يُخرج العمل من إطار الحرفة إلى منطقة الحياة بتقلّباتها.

التكوين يولد من توازن دقيق بين الصرامة والانفتاح (الشرق الأوسط)

تقود الطبيعة المشهد من دون أن تُختَزل في منظريّة تقليدية. عناوين مثل «رياض الألوان»، «تنهدات التراب»، «استراح الظلّ، انهمر النور»، «غيمة تمتلئ سرّاً بالمطر»، «سرير الغيوم»، و«موج الزبد الملوّن»... تُقيم قاموساً يُجاور الحسّ الشاعري مع حسّ رصين في بناء الصورة. اللوحات تؤكد هذه الروح عبر حقول تشتعل بنقاط لونية، وطبقات من الأزرق والذهب تتحرَّك بخفَّة مُتموِّجة، وبقع خضراء وحمراء تتدلَّى على السطح مثل أوراق رطبة أو ثمار لا تبحث عن شكل نهائي. الطبيعة عند مارون الحكيم تقيم داخل اللوحة كأنها قوة مولَّدة تُعطي المعنى من جوهر اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر.

إلى جانب هذا المسار، تظهر المدينة مثل جرح مستمرّ ومحاولة مستمرّة أيضاً. أعمال مثل «المدينة الصابرة»، «حرّاس المدينة الجريحة»، «المدينة المهدّمة»، «أهوال تعصف بهذه الأرض»... تستحضر الواقع اللبناني داخل البنية البصرية من دون أن تُفقد العمل توازنه الفنّي. الحكيم يكتب عن الخوف الناتج عن عدم الاستقرار والحروب، وعن صبر وتحدٍّ وإيمان يواجه المصاعب. هذه المفردات تتجلّى بصرياً عبر كتل مُتكسّرة وخطوط تحمل أثر عمران متداعٍ، ثم تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تشقُّ العتمة. اللوحات تظهر المدينة مثل مربَّعات متراصّة داخل إطار حادّ، وفوقها مساحة صفراء كبيرة تُشبه شمساً قريبة أو سقفاً من نور، كأنَّ اللوحة تقترح عمارةً جديدة داخل المُخيّلة قبل أن تتكرَّس على الأرض.

حضور الجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، يفتح محوراً ثالثاً في «غابة الحرّية». أعمال «ولادة حوّاء»، «جنّة عدن»، «دوّامة الحبّ والحرّية»، و«أجساد تكتب قصائدها»... تضع المرأة في مركز الفضاء وتُصوّرها طاقة بدء وتجدُّد. يُصرِّح مارون الحكيم بأنّ الجسد الإنساني لديه حقيقة مُطلقة ورمز للبراءة الأولى، بعيداً عن سياقه الاجتماعي المباشر وقريباً من أصله الأسطوري الأول. في إحدى اللوحات، تبدو الأجساد ظلالاً واقفة تحت غابة من الألوان، تتلقَّى المطر اللونيّ ولا تذوب فيه، كأنَّ الجسد يتعلَّم كيف يحيا داخل الفَيْض ويحفظ حدوده من غير انغلاق.

الضوء عبر الطبقات يمنح السطح عمقاً يتجاوز النظر الأول (الشرق الأوسط)

الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف والذاكرة مع التطلُّع. لهذا تظهر عناوين مثل «مهرجان الضوء والماء»، «أحيك أريج الألوان»، «إبحار في وساعة الحلم»، و«فرح لا يعرف الاختباء»... علامات على فلسفة قوامها الانفعال والتخيُّل الذي هو «البصمة الشخصية» للعمل. التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات.

طبقات من اللون تتقدّم بثقة كأنَّ كلّ ضربة فرشاة أثرُ قرار لا رجعة فيه (الشرق الأوسط)

دعم الدكتور طوني كرم للمعرض ينعكس في نصّ إنجليزي يُقدّم الحكيم ركناً من أركان الفنّ اللبناني، مع تركيز على البُعدين النفسي والعاطفي في عمله، وانتقاله بين التصوير والنحت وبين المجاز والتجريد. هذه القراءة تلائم ما يقترحه المعرض الذي يتحرَّك على محور داخلي - خارجي يتقدَّم عبره الجسد بثقله الرمزي، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع وتخفّف الاضطراب، فتتَّضح فكرة الهدنة التي يُسمّيها الفنان شرطاً للخلق، وتتراءى على هيئة لحظة سكينة ضرورية لتمتدَّ اليد نحو ما عاشته من حزن وقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفنّي.

علامات تتراكم ثم تتراجع في حركة تُشبه إعادة التفكير في المعنى (الشرق الأوسط)

المعرض يُقدّم الحرّية على أنها شيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب مرّة تلو مرّة. حرّية تخرج من اللوحة لتضع المتلقّي أمام تساؤل مارون الحكيم القديم المتجدِّد: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ثم تتركه يمشي داخل الجواب.


«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
TT

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول إن فيلمه الروائي الطويل الأول «كبرتُ بوصةً عندما مات أبي» يخرج من رحم سؤالٍ إنساني بسيط، لكنه موجع، وهو: ماذا يتبقى للأطفال حين يفقدون آباءهم؟ موضحاً أن العمل لا ينشغل بواقعة القتل في حد ذاتها، بقدر ما يتأمل أثرها العميق في نفسَي شقيقين يجدان نفسيهما فجأة أمام فقدٍ معقَّد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة ظاهرياً مع ابن قاتل والدهما.

وحصد الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي»، جائزة نتباك (NETPAC)، التي تُمنح لأفضل فيلم روائي طويل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقال باتيندول لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه لم يبدأ حلماً بصناعة فيلم عن جريمة، بل بدأ سؤالاً بسيطاً عن الصداقة، وعن قدرة الأطفال على تجاوز ما يعجز الكبار عن احتماله، لافتاً إلى أن «الفكرة وُلدت خلال تصوير فيلمي القصير السابق حين عدت إلى بلدتي في جزيرة ليتي بعد غياب يقارب العقدين، مدفوعاً برغبة في إعادة اكتشاف المكان الذي خرجت منه شاباً».

وأوضح أنه خلال جائحة «كورونا» كان عالقاً بين فترات الإغلاق في مانيلا، فبدأ يختبر كاميرا هاتفه المحمول، مصوِّراً تفاصيل يومية في شقته لأنه كان يعرف في داخله أنه إذا عاد إلى المقاطعة فلن يملك سوى هذا الهاتف كأداة للتصوير، مشيراً إلى أنه في عام 2021 قرر العودة فعلاً، لكنه وجد نفسه غريباً في مكانه الأول، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، فاستعان بوالديه لجمع بعض شباب القرية الذين لديهم فضول تجاه السينما.

المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول (الشرق الأوسط)

وقال إن «الفريق بدأ بخمسة فقط، يخرجون يومياً ساعتين أو أربع ساعات إلى ضفة النهر، ينتظرون الغروب، يتسلقون سفح الجبل، من دون سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي»، لافتاً إلى أن الشرارة جاءت مصادفة، حين لاحظ بعض أفراد فريقه يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما سأل عن السبب، قيل له إن الطفل هو ابن رجل قتل رجلاً آخر في شجارٍ بين أبَوين مخمورين أثناء الجائحة.

وتابع: «ما أثار دهشتي أن ابن القتيل كان يلعب في المكان نفسه، وأن الصبيين بقيا صديقين رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما»، مشيراً إلى أن هذا المشهد ظل يطارده، وتساءل كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف؟ ومن هنا، كما أكد، «بدأ الفيلم ينمو».

ولفت المخرج الفلبيني إلى أنه لم يكن مهتماً بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما بعدها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يحمله الأبناء عن آبائهم، لافتاً إلى أنه تعمَّد ألا يقترب من القصة الحقيقية مباشرة احتراماً لأصحابها، بل خلق حكاية مستقلة تنبع من السؤال نفسه.

وعن طريقة العمل، أوضح أنه كان صانع الأفلام المحترف الوحيد في الموقع، وأن جميع الممثلين وأفراد الطاقم تقريباً من أبناء بلدته، وأنهم لم يعملوا وفق نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، من دون ضغط لإنهاء عدد محدد من المشاهد يومياً. مؤكداً أن غياب الضغط جعله لا يشعر بتحديات بالمعنى المعتاد، لأنهم لم يكونوا يسابقون الوقت أو السوق، بل ينتظرون اللحظة الصادقة.

صور المخرج الفيلم في مسقط رأسه (الشركة المنتجة)

وعن الصعوبات التي واجهوها، قال: «أصعب ما واجهنا كان تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تربك استمرارية الإضاءة، لكنني كنت أفضّل التوقف والانتظار حفاظاً على سلامة الفريق، خصوصاً الأطفال»، موضحاً أنه في أحيان كثيرة كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحوِّل تلك اللحظات العفوية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، لأن روح العمل، كما قال، قائمة على الحرية.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه فكَّر أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يوافق، فتذكر طفلاً شاهده سابقاً يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه تحمس لاختياره، ثم انضم قريبُه وصديقه إلى المشروع، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.

وفيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرَّ بأنها شاقة، موضحاً أن «الحصول على تمويل ليس أمراً سهلاً في ظل محدودية المنح وكثرة صناع الأفلام، ومن ثم أنتجنا الفيلم على نفقتي الخاصة بمساعدة من والدي قبل أن أحصل لاحقاً على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج».

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان «تورونتو»، قال المخرج الفلبيني إنه لم يكن يتوقع الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عِدَّة من مهرجانات أخرى، مما جعل رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصله بعد أشهر من الانتظار، لدرجة أنه تأثر بشدة حتى دمعت عيناه، مؤكداً أن الفوز بجائزة «نتباك» منحه وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يجد صدى عالمياً.


«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended