إقالة الحكومة السورية المؤقتة.. أخطاء تنظيمية وتجاذبات إقليمية

وزير الاتصالات والنقل والصناعة في الحكومة المقالة لـ {الشرق الأوسط}: كنا نحتاج لمزيد من الوقت والدعم

طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
TT

إقالة الحكومة السورية المؤقتة.. أخطاء تنظيمية وتجاذبات إقليمية

طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)
طوافة قامت الحكومة المؤقتة بتنفيذها على قناة الطليان في سهل الغاب في ريف حماه (وزارة صناعة الحكومة المؤقتة)

طرحت إقالة الحكومة المؤقتة من قبل الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري في يوم 21 يوليو (تموز) وما يتبعها من مسؤوليات، الكثير من التساؤلات حول أسباب الإقالة ومسيرة عمل الحكومة المؤقتة.
وفي حين رجح متابعون لعمل الائتلاف أن الإقالة كانت نتيجة لخلافات داخلية مستمرة منذ فترة سبقت حتى صعود الحكومة المقالة، رجح آخرون أسباب تأخر الائتلاف في تحقيق أهدافه للأوضاع الأمنية والتجاذبات السياسية الإقليمية.
ويطمح سياسيون وأكاديميون وناشطون منهم عبيدة فارس الذي تعاون مع «الشرق الأوسط» في إعداد هذا التقرير، إلى التوصل لحكومة جديدة تمثل كل الأطياف السياسية، كما يرى البعض أن الاستفادة من خبرة الوزراء والمسؤولين المنشقين عن النظام السوري الحالي ستكون «مفيدة» للحكومة المقبلة.
وعد وزير الاتصالات والنقل والصناعة في الحكومة السورية المؤقتة المقالة محمد غسان النجار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الائتلاف استعجل باتخاذ قراره «السياسي» بشأن الإطاحة بالحكومة باعتبار أن أعضاءه لم يزوروا خلال المرحلة السابقة مقر الحكومة كما أنّه لم يجر تشكيل لجان برلمانية تقيّم أداء كل وزارة على حدة، لافتا إلى أن هذه الحكومة كانت تحتاج للمزيد من الوقت والدعم من قوى المعارضة السورية كما الأطراف الدولية باعتبار أنها لم تبدأ عملها فعليا إلا من 4 أشهر بسبب تأخر وصول الدعم المادي.
ورأى النجار أنه كان من الأنسب أن يشكل الائتلاف لجنة مختصة بهدف المزيد من التواصل مع الوزارات والاستيضاح عمّا إذا كانت حققت إنجازات في مكان ما أو ارتكبت أخطاء فادحة لا يمكن إصلاحها. وقال: «السوريون قادرون اليوم على تشكيل حكومة جديدة لكن الأهم هو الانتباه للمعايير»، مشددا على وجوب اختيار «كفاءات كان لها دور سياسي قبل وبعد الثورة وعلى دراية باحتياجات الشعب السوري، خاصة أن الصورة ملتبسة والقوى العسكرية متناحرة على الأرض كما أن الواقع بمجمله مزرٍ».
وأمل النجار أن «تكون القيادة الجديدة موثوقة وقادرة على إعادة الثقة بالثورة»، وأضاف: «المهمة ليست سهلة على الإطلاق، فالقيادة يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء وأن تحسن تقييم المرحلة السابقة فتستفيد من تجربة الحكومة الانتقالية الأولى».
من جانبه، أكد عضو الائتلاف السوري، سمير النشار القول أن الائتلاف الوطني لم يحقّق الأهداف المطلوبة منه وهو اليوم أمام فرصة أخيرة بعد انتخاب الرئيس الجديد هادي البحرة لإنقاذه واستعادة ثقة السوريين والمجتمع الدولي به.
ورأى النشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنّه وللأسف منذ تأسيس الائتلاف حصلت تراجعات خطيرة على الصعيد الميداني بدءا من سقوط القصير وصولا إلى حصار مدينة حلب، الموقع الأخير للثوار بعد تمدّد داعش في أرياف حلب الشرقية.
وعد أنّ أسباب إخفاقات الائتلاف ليست فقط داخلية - ذاتية، إنّما أيضا مرتبطة بالخارج ولا سيما بالدعم العسكري المطلوب، وأضاف «فهو لم يتلقّ الدعم المطلوب من مجموعة أصدقاء سوريا لبناء مؤسسات حقيقية فاعلة، كما أنّ القرار الوطني السوري أصبح مصادرا بعدما بات الائتلاف موضوع تجاذب بين القوى الإقليمية والدولية». وأوضح النشار أنّ الائتلاف كما «هيئة الأركان» بنيا على توافقات إقليمية ودولية ولم تستطع المعارضة فيما بعد إصلاح الخلل في المؤسستين، إلى أن أصبحت القضية السورية اليوم رهن الصراع الإقليمي.
وأشار النشار إلى أنّ المعارضة تعوّل الآن على جهود مخلصة قد يدركها رئيس الائتلاف الجديد إذا استوعب الأخطار السابقة وعمل على إنقاذ الائتلاف، آملا أن تعيد القيادة الجديدة إعادة أحيائه.
وبينما عد النشار أنّ مباحثات تجرى مع شخصيات عدّة لتولي منصب رئيس الحكومة، رأى أن الشخصيات التي أعلنت انشقاقها عن النظام قد يكون لها دور فاعل إذا أعطيت الفرصة لتولي مناصب قيادية، نظرا إلى خبرتها الطويلة في بنية الدولة وفي معالجة الإشكاليات.
وأمل النشار الذي رشّح «معاون وزير النفط» السابق لدى النظام، لتولي رئاسة الحكومة، ألا تعتمد الحكومة الجديدة الطريقة نفسها التي طبعت مسيرة الحكومة السابقة وأن تعمل بعيدا عن الانحيازات، وأوضح أنّ حكومة طعمة كانت محطّ نفوذ «الإخوان المسلمين» إضافة إلى تيارات محسوبة عليها، عمدت إلى إقصاء باقي المكونات. وأمل النشار أن تقوم المعارضة بتشكيل حكومة «تكنوقراط» بعيدا عن الأحزاب وأن يكون توزيع المساعدات عادلا بعيدا عن الانتماء السياسي.
وقال الصحافي أحمد كامل المتابع لعمل الائتلاف والحكومة المؤقتة إن الحكومة المؤقتة كانت تُمثل أقل مؤسسات المعارضة السياسية سوءا، ففي تقديره فإن الحكومة عملت 50 في المائة مما تستطيع أن تعمله، وكان 40 في المائة من موظفيها لا يستحقون المكان الذي هم فيه، وثلث المال الذي وصلها أهدر، ولكن هذه أفضل نتيجة حققتها أي مؤسسة من مؤسسات المعارضة السياسية.
وقد حققت الحكومة المؤقتة إنجازات مهمة في ثلاثة قطاعات، الأول في ملف التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالمناهج، والثاني في مجال الاتصالات وإعادة تشغيل المقاسم، والثالث في مجال المواصلات، وخاصة فيما يتعلق بإصلاح الطرق.
وأضاف كامل أن الحكومة عانت من مشكلة الهدر في أجور الموظفين الاستشاريين، فقد كان لرئيس الحكومة 13 مستشارا، لكن ينبغي الإشارة إلى أن عددا من الفاعلين في الائتلاف ضغطوا على رئيس الحكومة لتعيين مستشارين من طرفهم، وهم أنفسهم من تحرّك لاحقا لإقالة الحكومة واتهمها بتشغيل موظفين لا حاجة لهم!.
وفيما يتعلق بإقالة الحكومة، يرى كامل أن المجموعة التي تحرّكت لإقالة الحكومة (66 عضوا في الائتلاف)، لم يقوموا بتحركهم بناء على دوافع تتعلق بطريقة إنجاز الحكومة، بقدر ما ارتبط الأمر بمناكفات سياسية مع رئيس الحكومة نفسه، ولم يستبعد أن تبقى معظم التشكيلة الحالية للوزراء في الحكومة المقبلة، طالما أن هدفهم لإسقاط رئيس الحكومة قد تحقق.
وأشار كامل إلى أنّ نجاح الحكومة المؤقتة في عملها يتطلب ثلاثة عوامل، هي الأرض المحررة والآمنة، والموارد المالية، ووجود صلاحيات واضحة ومحددة. وأشار إلى أن تقدير الاحتياج المُلح في الأراضي التي لا تخضع لسيطرة النظام يبلغ 42 مليون دولار يوميا، أي بما يُعادل نصف ما تسلمته الحكومة المؤقتة خلال عام كامل!
من جهته قال الباحث عبد الرحمن عبّارة إن المشهد الثوري يتطلب من حيث المبدأ وجود جهة تنفيذية تقوم على متابعة الاحتياجات الأساسية لجمهور الثورة وخصوصا في المناطق المحررة ودول الجوار، وجاء تشكيل الحكومة المؤقتة لتحقيق هذه الغاية، ونجحت في مجالات وأخفقت في أخرى، لكنها في النتيجة وقعت ضحية التجاذبات والانقسامات السياسية الحادة للكتل داخل الائتلاف الوطني السوري.
وأضاف عبّارة أن هذا لا يعفي الحكومة المؤقتة من التقصير والإهمال في مجالات العمل المؤسساتي ومتابعة ملفي المساءلة والمحاسبة للعاملين فيها، الأمر الذي أدى لظهور «حكومة ظل» مكوّنة من كبار المستشارين والموظفين تقوم مقام رئيس الحكومة ووزرائه، وهي عوامل مجتمعة أعطت المزيد من الحجج لإقالتها، هذا عدا عما تعانيه الحكومة المؤقتة منذ التأسيس ولغاية الآن من عدم وجود نظام أساسي ناظم لعمل الحكومة المؤقتة، وعدم وجود هيكل تنظيمي واضح لرئاسة الوزراء والوزارات، كذلك عدم وجود أنظمة أساسية ناظمة لعمل كل وزارة وكذلك أنظمة داخلية لها، وعدم وجود نظام مالي يبين كيفية إعداد وإقرار وتنفيذ ومراقبة الموازنة العامة للحكومة وتبويب النفقات والإيرادات وآلية عقد النفقات وصرفها وتصفيتها، وقلة الكوادر من ذوي الخبرة في العمل في القطاع العام أو الإدارة العامة، وعدم إدراك أغلب العاملين بالحكومة ووزاراتها لطبيعة العمل المؤسساتي العام.
وقال عبارة إنه لا أحد يطالب بحماية المفسدين، وبالمقابل لا رغبة لدى الثورة بأكل أبنائها والعبث بسمعتهم ومصداقيتهم، لذا فإن خطوة إقالة الحكومة المؤقتة دون أسباب واضحة، ودون تحديد أسماء المفسدين فيها وإحالتهم إلى القضاء المختص، ودون إعلان أسماء الشرفاء فيها وتوجيه الشكر لهم باسم الثورة السورية، هي خطوة غير كافية، بل نستطيع حينئذ وضعها في خانة الكيدية السياسية.
ومن جهة أخرى فإن الفساد في مؤسسات الثورة السياسية لا يقتصر على مواقع بالحكومة المؤقتة فحسب، بل هو ربما فرعٌ عن فساد متأصل ببعض الشخصيات والكتل المشكلة للائتلاف الوطني، ونأمل أن يكون عنوان القيادة الجديدة للائتلاف العمل على تلافي أخطاء المرحلة السابقة، وتعزيز مبدأ المسائلة والمحاسبة، واعتماد الكفاءة كأساس للتعيينات في الحكومة المؤقتة وكل مكاتب ومؤسسات الائتلاف الوطني من الرأس إلى القاعدة.
وأقالت الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري الحكومة المؤقتة بأغلبية 66 صوتا، وذلك عقب اجتماعاته التي ناقش خلالها أعمال الحكومة. وأشارت الهيئة العامة إلى أن «هدف الإقالة هو الرقي بعمل الحكومة لخدمة شعبنا، والعمل على تحقيق أهداف الثورة».
جدير بالذكر أن رئاسة الائتلاف فتحت باب الترشح منذ تاريخ اليوم ولغاية أسبوعين، على أن تقوم الهيئة العامة من تاريخه، بتشكيل الحكومة الجديدة خلال ثلاثين يوما.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.