ماكرون يقترح حلفاً على ألمانيا لتعزيز قوة أوروبا وسيادتها

خطة جيش القارة الموحد تواجه تحفظات في الاتحاد ورفضاً أميركياً

ماكرون وميركل يستعدان لعقد مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
ماكرون وميركل يستعدان لعقد مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يقترح حلفاً على ألمانيا لتعزيز قوة أوروبا وسيادتها

ماكرون وميركل يستعدان لعقد مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
ماكرون وميركل يستعدان لعقد مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)

كان الرئيس إيمانويل ماكرون غائباً عن فرنسا يومي السبت والأحد لمشاركته في ألمانيا، إلى جانب رئيسها فرنك شتاينماير والمستشارة أنجيلا ميركل، في تتمات الاحتفالات من الجانب الألماني بمئوية الهدنة التي وضعت حداً للحرب العالمية الأولى.
ولذا، فإن ماكرون لم يرَ على طرق فرنسا وفي شوارعها وأمام مصانعها ومراكزها التجارية عشرات الآلاف من «السترات الصفراء» الذين قاربوا 300 ألف شخص، وفق أرقام وزارة الداخلية، للتعبير عن غضبهم إزاء السياسات الحكومية، ومنها زيادة الرسوم المفروضة على المحروقات. ولا بد من أن الأمر وصل إليه من خلال تقارير المخابرات الداخلية والوزارات المعنية.
كذلك، لا شك في أن ماكرون اطّلع على نتائج آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيفوب»، التي نشرت أمس، والتي تفيد بأن شعبيته مستمرة في التداعي؛ إذ إن 25 في المائة فقط من العينة التي استطلعت آراؤها، عبّرت عن ارتياحها للسياسات التي تتبعها الحكومة. وهو بذلك يخسر 5 نقاط قياساً بشهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ونصف رصيده الشعبي منذ بداية العام الحالي. ورغم ذلك، فإن ماكرون مصمم على الاستمرار في سياسته، بما في ذلك فرض رسوم إضافية على المشتقات النفطية مع بداية العام لجديد باسم «النقلة البيئوية»؛ أي التخلي التدريجي عن النفط ومشتقاته المتسبب في إطلاق الكربون، وبالتالي في الانحباس الحراري. وقال وزير البيئة فرنسوا دو روجي، أمس، إن الحكومة «ماضية» في مشروعاتها و«لن تتراجع».
واضح أن ماكرون عازم على عدم تكرار نهج الرئيس السابق فرنسوا هولاند لجهة القيام بنصف إصلاحات. ولا يبدو، حتى اليوم، قلقاً من تراجع شعبيته رغم اعترافه الأسبوع الماضي، في مقابلة تلفزيونية، بأنه «فشل» في التقريب بين الفرنسيين وقادتهم. وكان ماكرون يعوّل على أضخم تجمع من رؤساء الدول والحكومات في باريس، وبينهم الرئيسان الأميركي والروسي، لاستعادة صورته بوصفه أحد أهم القادة العالميين بما لذلك من انعكاسات على الداخل. لكن «الجدل» الذي أثارته إشارته إلى أنه حان الوقت للأوروبيين حتى يعمدوا إلى تشكيل «جيش أوروبي حقيقي»، وأن يستعيدوا «استقلاليتهم الاستراتيجية» إزاء الولايات المتحدة الأميركية، غطّى على الفائدة السياسية المتوخاة. ورغم أن المستشارة الألمانية سارعت، في خطابها الثلاثاء الماضي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ إلى «تبني الفكرة»، فإنه تبيّن سريعا جدا أن مشروعا كهذا لا يمكن أن يرى النور سريعا وربما لن يرى النور أبدا بسب «فتور» بعض الأوروبيين ومعارضة البعض الآخر. وحتى موقف ألمانيا التي كررت مستشارتها كلمات ماكرون حرفاً حرفاً (جيش أوروبي حقيقي) لا يبدو أنه يتطابق مع «الرؤية» الفرنسية.
في خطابه أمس أمام البوندستاغ (مجلس النواب الألماني)، حثّ ماكرون أوروبا؛ وفي قلبها الثنائي الفرنسي - الألماني، على تحمل مسؤوليتها من أجل «منع العالم من الانزلاق نحو الفوضى ومواكبته على طريق السلام». ولأجل هذا الغرض، فإن ماكرون شدد على الحاجة إلى أن تكون أوروبا «أكثر قوة وأوفر سيادة». وبحسب المنظور الفرنسي، فإن السيادة يجب أن تكون سياسية واقتصادية، ولكن أيضا عسكرية.
وتبدو دعوة ماكرون أشبه بصرخة في واد، خصوصا ما يتعلق منها بالسيادة العسكرية؛ أي بقدرة الاتحاد الأوروبي على أن يتمتّع بقدرات ذاتية تمكّنه من الاستغناء عن المظلة الأطلسية - الأميركية، وهو الأمر الذي أثار حنق الرئيس دونالد ترمب وعبر عنه بمجموعة من التغريدات الحامية. وجاءت أولى الردود على ماكرون وميركل من رئيس الوزراء الهولندي مارك روت الذي عدّ أن الدعوة الفرنسية - الألمانية «سابقة لأوانها»، وأن الحلف الأطلسي «يبقى حجر الزاوية» في الدفاع عن أوروبا. وخلص المسؤول الهولندي إلى التأكيد على أنه «من الوهم» تصور أن الاتحاد الأوروبي «قادر على ضمان سلامته من غير الحلف الأطلسي». وإلى هذه الحجج، أضاف وزير الدفاع الهولندي حجة إضافية؛ إذ رأى أن الدعوة إلى جيش أوروبي موحد «تنتقص» من سيادة الدول الأوروبية، فيما نظيره الدنماركي عبر عن «رفض صريح» لمشروع الجيش الموحد. أما ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف الأطلسي، فقد انضم، «وهذا منطقي وطبيعي بالنظر لموقعه»، إلى جوقة الرافضين للمشروع، محذرا من أمرين متلازمين: الأول: المس بالعلاقات العضوية القائمة بين ضفتي الأطلسي وفي إطار الحلف المذكور. والثاني: التنبيه إلى أن قيام جيش أوروبي موحد سيعني ازدواجية البنى العسكرية «أوروبية من جهة؛ وأطلسية من جهة أخرى» وبالتالي صعوبة إدارتها عمليا.
ليس من الصعب إطالة لائحة المعترضين أوروبيا على موضوع الجيش الموحد؛ فالمعروف أن جمهوريات البلطيق الثلاث وبولندا ورومانيا والمجر التي انضمت جميعها إلى الحلف الأطلسي عقب انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي، لا يمكن أن تقبل بأي صورة استبدال مظلة أوروبية «لا أحد يعرف شكلها» بالمظلة الأميركية؛ وفق تعبير دبلوماسي أوروبي في باريس. ويضيف هذا الدبلوماسي أنه بعد تجربة أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عام 2014 تضاعفت مخاوف الدول المجاورة لروسيا التي تدخلت عسكريا وبطرق مختلفة ليس فقط في أوكرانيا وإنما قبلها في جورجيا (2008). يضاف إلى ذلك كله أن موسكو منخرطة في برنامج تحديث قواتها وأسلحتها التكتيكية والاستراتيجية، كما أنها لا تتردد في «التحرش» بجاراتها بشكل استفزازي، مما يجعل البلدان أشد تمسكاً بالحلف الأطلسي وبمظلته النووية الأميركية.
تنضح هذه المواقف بخلاصة لا لبس فيها؛ قوامها أن دول الاتحاد الأوروبي «غير جاهزة» بعد لمواكبة الرئيس الفرنسي في مشروعاته العسكرية والدفاعية والابتعاد عن الولايات المتحدة. ولعل أبرز علامات التردد الأوروبي أن أعضاء الاتحاد لم ينجحوا حتى اليوم في الاتفاق على هوية الدولة التي يمكن أن تستضيف الآلية المالية التي ستمكن إيران من استمرار تعاملها التجاري والمالي مع أوروبا بعد رفض لوكسمبورغ وبلجيكا والنمسا استضافتها تخوفا من العقوبات الأميركية. وقال جنرال الاحتياط الفرنسي جان فنسان بريسيه، إن قيام جيش أوروبي موحد يمكن أن يستغرق ما بين 10 و20 عاما، وإنه قبل الوصول إلى هذه المرحلة يتعين التوصل إلى سياسة أوروبية دفاعية موحدة وعقيدة دفاعية موحدة. وفي الانتظار، يمكن لأوروبيين أن يعملوا ثنائيا على تعزيز التعاون في صناعاتهم الدفاعية مثلا كما هو حاصل اليوم بين فرنسا وألمانيا أو مع إيطاليا... يضاف إلى ذلك كله أن الطرفين؛ الفرنسي والألماني، غير متفقين على مفهوم الجيش الأوروبي الحقيقي ومهامه. فإزاء رد فعل بعض النواب السلبي في البرلمان الأوروبي، سارعت ميركل إلى توضيح أن الجيش الأوروبي الحقيقي لن يكون ضد الحلف الأطلسي «بمعنى مكانه»، بل إلى جانبه، مما يعني أنها تسير خطوة إلى الأمام تتبعها خطوة إلى الوراء.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».