سجال حاد في قمة {أبيك} حول سياسات ترمب الحمائية

في غياب الرئيس الأميركي

سجال حاد في قمة {أبيك} حول سياسات ترمب الحمائية
TT

سجال حاد في قمة {أبيك} حول سياسات ترمب الحمائية

سجال حاد في قمة {أبيك} حول سياسات ترمب الحمائية

تحولت قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا المحيط الهادئ (أبيك) في بورت موريسبي، التي افتتحت أعمالها أمس، إلى مسرح للمبارزة بالتصريحات بين الجانبين الصيني والأميركي حول السياسات التجارية للرئيس دونالد ترمب، الذي اختار أن يغيب عن القمة ويفوض نائبة مايك بنس للتحدث باسم الولايات المتحدة.
وندد الرئيس الصيني شي جينبينغ صباح أمس بالحمائية وبسياسة «أميركا أولا» التي ينتهجها ترمب، مؤكدا أن قواعد التجارة العالمية يجب ألا تسخّر لخدمة «أجندات أنانية».
وتخوض الصين والولايات المتحدة حربا تجارية، ويحذر الخبراء بأنها قد تكون كارثية للاقتصاد العالمي. وفرضت واشنطن في الأشهر الأخيرة رسوما جمركية مشددة على المنتجات الصينية المستوردة إلى الولايات المتحدة، ردت عليها بكين بتدابير مماثلة، غير أن العجز في الميزان التجاري الأميركي تجاه الصين استمر في تسجيل أرقام قياسية.
وحذر الرئيس الصيني من أن «التاريخ يعلمنا أن لا أحد يخرج رابحا من المواجهة، سواء اتخذت شكل حرب باردة أو حرب ساخنة أو حرب تجارية».
وقال إن «محاولات إقامة حواجز وقطع العلاقات الاقتصادية الوثيقة، هي مخالفة للقوانين الاقتصاديّة ومسار التاريخ. إنه نهج قصير الأجل محكوم عليه بالفشل». وتابع «يجب أن نقول لا للحمائية والأحادية»، في انتقاد مباشر لسياسة الإدارة الأميركية.
وأشار الرئيس الصيني إلى أن الحمائية تعوق النمو العالمي، وقال إن «الذي اختار إغلاق بابه سيعزل نفسه عن بقية العالم ويفقد اتجاهه».

بينما دافع بنس عن سياسة بلاده وقال «لقد فرضنا رسومًا جمركية على بضائع صينية قيمتها 250 مليار دولار، وهذا الرقم قد يزداد بأكثر من الضعف». مضيفا «نأمل في حصول تحسن، لكن الولايات المتحدة لن تُغيّر موقفها طالما أنّ الصين لم تغيّر سلوكها».
وظهر الخلاف الصيني الأميركي جليا في أول «صورة تذكارية» للقادة المشاركين في القمة، حيث كان شي جينبينغ واقفا في الوسط ومايك بنس غائبا منها.
وكأنما لنفي أي انسحاب أميركي من المنطقة، أعلن بنس أن واشنطن ستشارك في تطوير قاعدة بحرية أسترالية في بابوا، وسط مخاوف أسترالية من الطموحات الصينية في المنطقة.
وفي بادرة أخرى من شأنها أن تثير غضب بكين، التقى نائب الرئيس بشكل عابر أعضاء الوفد التايواني.
واغتنم جينبينغ مداخلته أمام مجموعة رؤساء الشركات للدفاع عن خطة «طرق الحرير» العملاقة التي تروج لها بلاده من خلال استثمارات وقروض ضخمة لإقامة بنى تحتية تربطها بالعالم.
لكن بنس وصفها بأنها «طريق في اتجاه واحد» ودعا دول المنطقة إلى التقرب من الولايات المتحدة متهما الصين باتباع دبلوماسية دفتر الشيكات التي وصفها بأنها «غير شفافة».
وقال «نحن لا نغرق شركاءنا في بحر من الديون (...) لا نفرض قيودا ولا ننشر الفساد ولا نسيء إلى استقلالكم».
ويظهر التعارض جليا بين السلوكين الأميركي والصيني في هذا اللقاء الدبلوماسي، حيث إن بنس وصل إلى بابوا قبل ساعة فقط من إلقاء خطابه، في حين أن جينبينغ حضر إلى بورت موريسبي منذ الخميس وافتتح الجمعة «جادة الاستقلال» التي أقيمت بتمويل صيني.
ورأى بين رودز الذي كان مساعد مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، أن غياب الرئيس يمنح الصين «فرصة هائلة لبسط نفوذها».
وحذر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، خلال اجتماع قمة أبيك، من تزايد النزعة الحمائية ودافع عن انتهاج قواعد واضحة وشفافة بشأن التجارة.
بينما قال رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، إن «حل الممارسات التجارية غير العادلة المتصورة يرجح أن يكون موجودا على طاولة المفاوضات أكثر مما هو في إعادة بناء جدار من الرسوم الجمركية» مشددا على أن «الحل ليس إقامة حواجز حمائية».
وأضاف موريسون أن التجارة الحرة حسنت «مستويات المعيشة ورفعت ملايين الناس من الفقر».
وقال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد إن هناك حاجة لإعادة تقييم العولمة والتكامل الاقتصادي.
وقال محمد «لقد تمزقت فوائد التجارة الحرة والنزيهة والتكامل الاقتصادي، وهذا ما يجسده خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والحروب التجارية بين الاقتصادات الرئيسية». وأضاف أن «الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين فاقمت من تعطل التجارة لدينا».
وتبحث الولايات المتحدة والصين حاليا ترتيب اجتماع لرئيسي البلدين على هامش قمة مجموعة العشرين، المقرر عقدها في الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري وحتى الأول من ديسمبر (كانون الأول) في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، للتفاوض حول السياسات التجارية، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.
لكن وزير التجارة الأميركي، ويلبر روس، قال إن الولايات المتحدة ما زالت تخطط لفرض المزيد من الرسوم الجمركية على الواردات الصينية في يناير (كانون الثاني) المقبل، كورقة ضغط، في الوقت الذي من المرجح أن يوافق فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، على «إطار» لإجراء مزيد من المحادثات لتسوية التوترات التجارية خلال اجتماعهم المقبل.
وقال مسؤول بارز بإدارة ترمب لـ«رويترز» الخميس إن بكين قدمت لإدارة ترمب يتعلق بإصلاحات تجارية مستعدة لتطبيقها، لكن هذا العرض من غير المرجح أن يثير انفراجة في المحادثات المتوقعة بين الرئيسين.
ويتضمن جدول الأعمال الرسمي لقمة (أبيك) مسائل الاندماج الإقليمي في المنطقة وتحسين البنى التحتية الرقمية.
لكن في غياب ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن القمة، فإن الاهتمام يتجه إلى مدينة بورت موريسبي التي تعرف بمستوى الإجرام فيها وصنفت على أنها الأقل ملائمة للعيش بالنسبة للأجانب.
وسيتم إيواء المندوبين والصحافيين في ثلاث سفن استقدمت خصيصا للقمة من أستراليا، وذلك لأسباب أمنية كما لأسباب لوجيستية.
وعهد بجزء من مهام ضمان أمن القمة إلى جيوش أجنبية. ونشرت أستراليا في هذا السياق 1500 عسكري بينهم عناصر من القوات الخاصة، إضافة إلى طائرات وسفن حربية.



العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، مع طغيان التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي على الضغوط السلبية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة إلى مستويات مقلقة.

وصعدت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، «أدفانسد مايكرو ديفايسز» و«مارفيل» و«سيريبراس» و«إنتل»، بنحو 2 في المائة لكل منها، لتتصدر المكاسب في تعاملات ما قبل افتتاح السوق. كما سجلت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة «تسلا» و«إنفيديا» و«سبيس إكس» ارتفاعات طفيفة، وفق «رويترز».

وقفز سهم شركة «أكامي تكنولوجيز» 21 في المائة، بعدما وقعت شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات اتفاقية خدمات سحابية بقيمة 11.6 مليار دولار مع مختبر الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك».

وجاء التفاؤل الذي ساد قطاع الذكاء الاصطناعي هذا الأسبوع مدفوعاً بتزايد الإقبال بين المستهلكين الشباب على تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميوز» التابع لشركة «ميتا»، وعلى جهاز مدمج مع وكيل الذكاء الاصطناعي «تشارم».

وتتجه أسهم عملاق وسائل التواصل الاجتماعي إلى تسجيل مكاسب للأسبوع الخامس على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب أسبوعية للسهم منذ أواخر يناير (كانون الثاني) 2023، ليصبح على بُعد أقل من 1 في المائة من بلوغ قيمة سوقية قدرها تريليونا دولار. واستقر سهم «ميتا» دون تغيير يذكر في تعاملات ما قبل السوق.

وبحلول الساعة 05:15 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 162 نقطة، أو 0.31 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 23.75 نقطة، أو 0.31 في المائة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» 188 نقطة، أو 0.61 في المائة.

وقاد قطاعا خدمات الاتصالات، الذي يضم «ميتا»، والتكنولوجيا المكاسب الأسبوعية بين قطاعات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». كما يتجه المؤشر القياسي ومؤشر «ناسداك»، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، إلى تسجيل مكاسب أسبوعية.

ومع ذلك، ظلت المكاسب محدودة مع حومان أسعار خام برنت حول مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.1 في المائة، وسط تنامي المخاوف بشأن التضخم الناجم عن الصراعات الممتدة في إيران وأوكرانيا، فضلاً عن الارتفاع الكبير في مستويات الدين الحكومي.

وبعث تقرير بصيصاً من الأمل، إذ أشار إلى استمرار المفاوضين الأميركيين والإيرانيين في بحث مسار تدريجي للخروج من حالة الحرب، يتضمن إعادة طهران فتح مضيق هرمز ورفع واشنطن حصارها الاقتصادي.

وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن المتداولين يرون احتمالاً بنسبة 71 في المائة لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بما لا يقل عن 25 نقطة أساس في أكتوبر (تشرين الأول)، ارتفاعاً من نحو 50 في المائة في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ومن المرجح أن يؤكد صناع السياسات، ومن بينهم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيفري شميد، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، موقفهم المتشدد بشأن السياسة النقدية خلال تصريحاتهم المقررة في وقت لاحق اليوم.

ومن المقرر أيضاً صدور بيانات السلع المعمرة لشهر أغسطس (آب) في الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وارتفع سهم شركة «بيبول» بنسبة 9.4 في المائة، عقب تقرير أفاد بأن شركة «إم جي إم ريزورتس إنترناشيونال» تجري محادثات بشأن عرض للاستحواذ على شركة الخدمات عبر الإنترنت.


الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
TT

الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)

ارتفع معدل الفقر في الأرجنتين مجدداً خلال النصف الأول من عام 2026، ليبدِّد جزءاً من التَّحسُّن الكبير الذي تحقَّق خلال العامين الأولين من حكم الرئيس خافيير ميلي، مع عجز الأجور عن مجاراة ارتفاع الأسعار، وازدياد الضغوط على سوق العمل وقطاعَي الصناعة والتجزئة.

وأظهرت بيانات رسمية أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بلغت 32.3 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 4.1 نقطة مئوية مقارنة بالنصف الثاني من 2025، عندما بلغ المعدل 28.2 في المائة.

كما ارتفع معدل الفقر المدقع إلى 7.5 في المائة، من 6.3 في المائة، ما يعكس اتساع الضغوط المعيشية رغم نجاح الحكومة في إبطاء وتيرة التضخم مقارنة بالمستويات الاستثنائية التي واجهتها البلاد سابقاً.

وكان الأطفال الأكثر تضرراً من تدهور الأوضاع الاجتماعية، إذ أظهرت البيانات أن 44.5 في المائة من الأرجنتينيِّين الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً أو أقل يعيشون تحت خط الفقر، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع بينهم 10.8 في المائة.

وتُشكِّل الأرقام الجديدة تحولاً في المسار الذي استند إليه ميلي في الدفاع عن برنامجه الاقتصادي القائم على التقشف، وتقليص دور الدولة، وإلغاء القيود التنظيمية وفتح الاقتصاد بصورة أكبر أمام المنافسة الخارجية.

وشهد معدل الفقر تقلبات حادة منذ وصول ميلي إلى السلطة؛ فقد قفز إلى 52.9 في المائة في النصف الأول من عام 2024، بعد إجراءات اقتصادية تضمَّنت خفض قيمة البيزو بأكثر من النصف، قبل أن يبدأ في التراجع مع انحسار التضخم واستقرار بعض المؤشرات الاقتصادية.

وبحلول النصف الثاني من 2025، انخفض معدل الفقر إلى 28.2 في المائة، أي نحو نصف الذروة المُسجَّلة في 2024، في تحسُّن عدّته الحكومة دليلاً على نجاح برنامجها في استعادة الاستقرار بعد سنوات من الاختلالات المالية والنقدية.

لكن بيانات 2026 تشير إلى أن خفض التضخم وحده لم يكن كافياً لحماية القوة الشرائية للأسر؛ فقد ظلت الأسعار مرتفعة في الوقت الذي لم تتمكَّن فيه الأجور من اللحاق بها بالسرعة نفسها؛ ما أدى إلى عودة نسبة من السكان إلى ما دون خط الفقر.

وتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة في سوق العمل؛ فقد ارتفع معدل البطالة إلى 7.9 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام، وهو أعلى مستوى منذ 2021، وسط خسائر ملحوظة للوظائف في قطاعَي التصنيع والتجزئة.

وتواجه الشركات المحلية بدورها منافسة أكبر بعد قرار حكومة ميلي فتح الاقتصاد أمام الواردات، في وقت أدى فيه ضعف القوة الشرائية إلى تراجع الطلب المحلي. وأسهم الجمع بين المنافسة الأجنبية وتباطؤ الاستهلاك في زيادة الضغوط على الشركات، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على السوق الداخلية.

ومنذ تولي ميلي السلطة، أغلقت نحو 30 ألف شركة أبوابها، في مؤشر على حجم إعادة الهيكلة التي يشهدها الاقتصاد الأرجنتيني مع انتقال الحكومة من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الحماية والدعم، إلى سياسات أكثر انفتاحاً على الأسواق والمنافسة.

وتبرز بيانات الفقر الجديدة التحدي الذي يواجه المرحلة التالية من البرنامج الاقتصادي للحكومة. فبعد التركيز على كبح التضخم وتصحيح الاختلالات الاقتصادية، باتت قدرة الأجور والتوظيف والنشاط المحلي على التعافي عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان التحسُّن الاقتصادي سينعكس بصورة مستدامة على مستويات المعيشة.

وبينما لا يزال معدل الفقر أقل بكثير من ذروة 2024، فإن عودته إلى الارتفاع تكشف هشاشة المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال الفترة الماضية. وسيعتمد مسارها خلال الأشهر المقبلة بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف واستعادة القوة الشرائية بالتزامن مع استمرار جهود السيطرة على التضخم.


صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة، إذ ينتظر كبار المستثمرين اتضاح المستوى الذي ستبلغ عنده عوائد السندات الحكومية ذروتها، والمدى الذي سيذهب إليه بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.

ويبدو أن البنك المركزي نجح، مؤقتاً، في كبح موجة جديدة من المضاربات ضد الين، بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي، وتأكيد التزامه بمواجهة التضخم، إلى جانب تقارير عن إجراء السلطات عمليات تحقق من أسعار الصرف، وهي خطوة تُعد عادة مؤشراً إلى احتمال التدخل في سوق العملات.

لكن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لا تزال مترددة في ضخ أموال كبيرة في السندات المحلية بينما تستمر العوائد في الارتفاع. كما زاد الغموض بعد تصويت عضوين في بنك اليابان لصالح موقف أكثر ميلاً للتيسير خلال الاجتماع الأخير، بالتزامن مع استمرار عمليات بيع السندات هذا الأسبوع.

وقال شوكي أوموري، استراتيجي الدخل الثابت في «دويتشه بنك» بطوكيو، إن تجارة العائد التي تنفذها الأموال السريعة «جرى تفكيكها بالفعل»، لكن تحرك «الأموال البطيئة» لم يبدأ بعد، في إشارة إلى صناديق التقاعد والأسر اليابانية التي تحتفظ بأصول خارجية من دون تحوط للعملة.

وتم تداول الين قرب 159 مقابل الدولار، الجمعة، بعدما فقد معظم مكاسبه الحادة التي سجلها في مطلع سبتمبر (أيلول). ومع ذلك، لا تتجاوز خسائره منذ بداية العام نحو 1 في المائة، بعدما سجل في يوليو (تموز) أدنى مستوى في نحو أربعة عقود عند أقل بقليل من 164 يناً للدولار.

وتشير بيانات مراكز المضاربين إلى تراجع الرهانات على انخفاض العملة بصورة كبيرة، إذ تحولت المراكز من صافي بيع قوي إلى أكبر صافي شراء منذ يوليو 2025، بقيمة 9.7 مليار دولار خلال أول أسبوعين من سبتمبر.

غير أن اتساع موجة رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط يعني أن فروق العائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى قد لا تضيق سريعاً، ما يحد من قدرة الين على تحقيق ارتفاع مستدام.

وفي سوق السندات، تغيرت الحسابات جذرياً. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بنحو نقطتين مئويتين خلال أقل من عامين، ليتجاوز 3 في المائة ويسجل أعلى مستوى في 30 عاماً. ووفق «دويتشه بنك»، أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية بعد التحوط من مخاطر العملة يقدم للمستثمر الياباني عائداً أقل من السندات المحلية.

وبدأت هذه المعادلة بالفعل في جذب الأموال. فقد اشترى المستثمرون سندات سيادية يابانية بقيمة 4.8 تريليون ين الشهر الماضي، وهي أكبر مشتريات صافية في ثلاثة أشهر، وفق تحليل «باركليز»، مع مشاركة البنوك وشركات التأمين في الشراء.

وتقدر «إتش إس بي سي» أن البنوك اليابانية باعت نحو 70 مليار دولار من السندات الأجنبية هذا العام، بعدما اشترت ما قيمته 35 مليار دولار في العام الماضي، وهو تحول يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الدين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

لكن شركات التأمين على الحياة، التي تدير أصولاً تبلغ 438.6 تريليون ين، نحو 2.78 تريليون دولار، تتحرك بوتيرة أكثر بطئاً. وقال آرون هيرد، مدير المحافظ لدى «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز»، إن إعادة الأموال اليابانية لا تزال في مرحلة مبكرة، متوقعاً أن تكتسب زخماً أكبر خلال 2027، بعد أن يقتنع المستثمرون بأن عوائد السندات اليابانية بلغت ذروتها.

وقد يشكل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.8 تريليون دولار، عاملاً حاسماً. فقد شجع وزير المالية الصندوق على زيادة مخصصاته للأسواق المحلية، ويرى محللون أن أي تغيير رسمي في توزيعه للأصول قد يدفع مؤسسات يابانية أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، يظل ارتفاع العوائد الأميركية وتوقعات المزيد من التشديد من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقبة أمام بنك اليابان والين. ويرى محللون أن التحول الحقيقي قد يبدأ عندما تقتنع شركات التأمين والمؤسسات طويلة الأجل بأن دورة رفع الفائدة اليابانية تقترب من نهايتها، فتسرع إعادة الأموال إلى الداخل.

وحتى ذلك الحين، تبدو اليابان أمام مرحلة انتقالية؛ حيث إن جاذبية السندات المحلية ترتفع، والمضاربات ضد الين تتراجع، لكن المستثمرين الكبار لا يريدون شراء السندات بينما أسعارها لا تزال تهبط وعوائدها تصعد. وعندما تستقر العوائد، قد تتحول إعادة توطين رؤوس الأموال اليابانية إلى قوة مؤثرة ليس فقط في الين، بل في أسواق السندات العالمية أيضاً.