روسيا ترفض التشكيك في قدرة الرياض على التحقيق في قضية خاشقجي

دعم عربي ودولي متزايد للإجراءات السعودية ودعوات للابتعاد عن استغلال القضية سياسياً... واستنكار للحملات المغرضة

الدكتور عبدالعزيز خوجه سفير السعودية لدى المغرب مقدماً واجب العزاء لاسرة الراحل خاشقجي أمس (تصوير: عبدالله الفالح)
الدكتور عبدالعزيز خوجه سفير السعودية لدى المغرب مقدماً واجب العزاء لاسرة الراحل خاشقجي أمس (تصوير: عبدالله الفالح)
TT

روسيا ترفض التشكيك في قدرة الرياض على التحقيق في قضية خاشقجي

الدكتور عبدالعزيز خوجه سفير السعودية لدى المغرب مقدماً واجب العزاء لاسرة الراحل خاشقجي أمس (تصوير: عبدالله الفالح)
الدكتور عبدالعزيز خوجه سفير السعودية لدى المغرب مقدماً واجب العزاء لاسرة الراحل خاشقجي أمس (تصوير: عبدالله الفالح)

تواصلت ردود الفعل الخليجية والعربية والإسلامية، الداعمة للإجراءات التي اتخذتها السعودية بشأن قضية مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول، مؤكدين ترحيبهم وتقديرهم للبيان الصادر عن النائب العام في المملكة، وما تضمنه من شفافية عكستها النتائج التي أسفرت عنها التحقيقات، ودعت هذه الدول للابتعاد عن استغلال القضية سياسيا، واستنكرت الحملات الإعلامية المغرضة ضد المملكة.
وأعربت وزارة الخارجية الروسية عن ثقتها بقدرة السلطات المعنية في المملكة على التعامل مع ملف مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وأشادت بـ«النهج الشامل والموضوعي الذي تم اتباعه منذ البداية لكشف الحقيقة».
ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية بياناً نُسب إلى مصدر مخوّل في وزارة الخارجية الروسية، أكد أن موسكو «لا ترى أسباباً للتشكيك في قدرة السلطات السعودية على التعامل مع قضية قتل خاشقجي على المستوى المناسب».
وشدد على أن موسكو «تلاحظ النهج الذي تتبعه السلطات السعودية منذ البداية بهدف إجراء تحقيق شامل وموضوعي بأكبر قدر ممكن، بما في ذلك من خلال التعاون مع السلطات التركية».
ولفت البيان إلى أن «قضية خاشقجي تحت متابعة القيادة العليا للمملكة، التي تعتبر أن الكشف عن جميع المتورطين في هذه القضية خلال أسرع وقت ومعاقبتهم بما يستحقون، أمر في غاية الأهمية».وزاد ممثل الوزارة: إن «انتهاء أعمال التحقيق خطوة مهمة في طريق تحديد ملابسات الحادث الذي وقع في إسطنبول، والقضية الآن بين أيدي أجهزة القضاء الذي سيحدد مدى مسؤولية المتهمين بقتل الصحافي وإصدار الأحكام النهائية بحقهم وفقاً للقوانين المعمول بها في المملكة العربية السعودية».
وزاد: إن موسكو لا ترى من جانبها أسباباً للتشكيك في قدرة السلطات السعودية على التعامل بالمستوى الحرفي؛ لذلك «لا نزال واثقين في عدم قبول محاولات تسييس المسائل المماثلة، وضرورة تسويتها حصراً ضمن الأطر القانونية».
وأعربت الكويت عن ترحيبها ببيان النائب العام في السعودية بشأن قضية خاشقجي، الذي أعلن عنه أول من أمس. وأشاد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية بما تضمنه البيان من شفافية، تعبر عن التزام المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بإرساء قواعد العدل والحرص على اتخاذ الإجراءات القانونية لمحاسبة المتورطين في هذه الجريمة لتأخذ العدالة مجراها. وجدد المصدر التأكيد على ثقة بلاده بالإجراءات التي اتخذتها السعودية، مشدداً على ضرورة الابتعاد عن استغلال القضية سياسيا.
ورحبت الحكومة اليمنية بالإجراءات السعودية، وعدتها تأكيداً على نهج المملكة وقيادتها الحكيمة في إرساء مبادئ العدل وتحقيق استقلال القضاء، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة أيا كانوا، وحفظ حقوق الضحايا. وأكدت الحكومة اليمنية في بيان صحافي أن «الإجراءات التي اتخذها القضاء السعودي لمحاسبة المتهمين، في جريمة مقتل خاشقجي، يجب أن تنهي كل محاولات التسيس أو حرف القضية عن مسارها في محاولة للنيل من أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، ودورها المؤثر والمحوري على المستوى العربي والإسلامي والدولي، بل تتعدى ذلك باستغلالها لشق الصف الإسلامي». وجددت دعم اليمن قيادة وحكومة وشعبا للمملكة العربية السعودية ورفضهم الكامل للاستغلال السياسي البائس للجريمة، واستنكارهم الشديد للحملات المغرضة ضد المملكة. وعبرت الحكومة اليمنية عن الثقة الكاملة في نزاهة وشفافية الإجراءات التي اتخذها القضاء السعودي لمعاقبة المتورطين في جريمة مقتل خاشقجي.
من جهتها، أكدت الحكومة الأردنية أهمية إعلان النيابة العامة السعودية، وشددت في بيان على أن هذه «الخطوة مهمة نحو تحقيق العدالة من خلال التحقيقات، لاستجلاء الحقيقة الكاملة حول ملابسات هذه القضية، وإحقاق العدالة ومحاسبة المتورطين فيها».
وفي بيروت رحبت مراجع سياسية ودينية لبنانية، بقرارات النيابة السعودية، مؤكدين الوقوف إلى جانب المملكة لمواجهة الحملات المغرضة ومحاولات التسييس. وقال رئيس الوزراء المكلف، في تغريدة على حسابه عبر «تويتر»: «‏قرار القضاء السعودي بمحاسبة المتهمين بمقتل جمال خاشقجي قرار في الاتجاه الصحيح لإرساء مبادئ العدل... وقطع الطريق على محاولات التسييس والحملات التي تتعرض لها المملكة».
وعبر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان عن تقديره وتأييده للإجراء السعودي، قائلا في تصريح إن «محاسبة القضاء السعودي للمتهمين... يجب أن تنهي كل محاولات التسييس والمزايدات الإعلامية الخبيثة». وأضاف دريان: «إننا نقف مع المملكة في وجه كل الحملات اللاأخلاقية المغرضة، خصوصا أن الإجراءات القانونية التي تم الإعلان عنها تثبت أن العدالة قائمة في محاسبة المتهمين، كما كشفت هذه القضية الخبيث من الطيب وكشفت انتهازية بعض الدول». ونبه دريان «جميع المزايدين على المملكة بأنهم يستفزون مشاعر مليار مسلم وأن محاولاتهم النيل من المملكة سترتد عليهم خيبات، فالمملكة بقيادتها الرشيدة وشعبها ومقدساتها ستظل رائدة العالم الإسلامي».
بدوره، اعتبر رئيس حزب «القوّات اللبنانيّة» سمير جعجع أن قتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي بالشكل الذي تم به «كان عملاً وحشياً غير مقبول بكل المقاييس»، لكنه أكد أن «استغلال هذه الجريمة لأهداف ومرام لا علاقة لها بالجريمة في محاولة لتطويق المملكة العربية السعودية فهو أمر مستهجن ومرفوض»، لافتاً إلى أن محاولات الاستغلال تسعى «لضرب الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية وخصوصا في السنوات الأخيرة».
وأكد جعجع أنه «لولا وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب كثير من الدول العربية، وكثير من القضايا العربية المحقة، لكان ربما تغيّر وجه منطقة الشرق الأوسط كلها». وقال إن «الضنين على محاربة الجريمة في العالم عليه أن يساعد القضاء في كل ما يفعله لكشف كل ملابسات هذه الجريمة البشعة لا أن يتذرع بها للوصول إلى غايات ومرام وأبعاد لا علاقة لها لا بجمال خاشقجي ولا بالجريمة ولا بالحريات العامة ولا بأي شيء آخر».
وجددت موريتانيا، أمس، ثقتها في نزاهة ومصداقية القضاء السعودي، وطالبت في بيان الجميع بالابتعاد عن تسييس القضية. ورحبت بالبيان الصادر عن النيابة العامة السعودية، وبما تضمنه من إجراءات. كما ثمنت جمهورية القمر المتحدة، الإجراءات السعودية، وقالت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في بيان أمس، إن «جمهورية القمر المتحدة إذ تحيي الموقف السعودي الشجاع والمشرف الرامي في الذهاب بالعدالة إلى آخر المطاف لترفض أي تدخل خارجي في هذه القضية أو تسييسها إيمانا بنزاهة القضاء السعودي واستقلاليته».
من جهته، قال الدكتور محمد العيسى أمين عام رابطة العالم الإسلامي إن «منطق الإنصاف يُدرك بوعيه وتجرده أن واقعة العمل الإجرامي لم تكن على امتداد الزمان والمكان حالة منفردة وفي واقعنا المعاصر نظائر في مستوى البشاعة وأكبر، وإن الهوى المغرض في مزايداته الإعلامية لا يُحركه سوى توظيفه السلبي في سياق انعدام القيم الأخلاقية مدفوعاً بالمكابرة والازدواجية والتحدث بارتجال خالي الوفاض». وأكد أن «للقدر الإلهي سنة ماضية في مثل هذا العبث بكيده الضعيف والمكشوف أمام منطق الحقائق وقامة الدولة بثابت قيمها وراسخ منهجها وهي التي خصها المولى جل وعلا بتحكيم شرعه وخدمة الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء، كما كانت محوراً رئيسياً في مواجهة التطرف والإرهاب وشريكاً فاعلاً وقوياً في مجتمعها الدولي تسعى بمبادرات السلام والوئام فضلاً عن تقديم العمل الإنساني العالمي بكل سخاء».
وأضاف أن «البيان جاء على منهج المملكة العربية السعودية في صدق اللهجة والحزم مع كل مجرم مهما تكن صفته وغايته، فإنها في التكييف الشرعي للمملكة العربية السعودية ذرائع باطلة لن تفلت من الجزاء العادل والنافذ على الجميع وهو الذي صدع به بكل وضوح»، مشيرا إلى أن لمشهد العدالة على أرض المملكة نماذج سجلها التاريخ الإسلامي والإنساني بشرف لا يزال يحكي قصصها الملهمة للجميع.
وأكد مجلس هيئة حقوق الإنسان السعودية أن بيان النيابة العامة يعكس نهج المملكة وقيادتها في حماية الحقوق وإقامة العدل وتقديم كل المتهمين للعدالة في هذه الجريمة المؤلمة والمؤسفة.
وقال في بيان له إن «إعلان نتائج التحقيقات بكل شفافية ووضوح يأتي تنفيذا لأمر خادم الحرمين الشريفين بمباشرة النيابة العامة إجراءات التحقيق وفق الأنظمة المعمول بها تمهيدا للوصول إلى الحقائق كافة وتقديم المتهمين للعدالة وإيقاع العقوبة على كل من يدان في هذه الجريمة، كما أن ذلك يأتي تأكيدا لما تتمتع به أجهزة المملكة العدلية من كفاءة واقتدار في الوقوف على حقيقة هذه الجريمة وإعلان نتائجها للعالم». وأضاف أن «القضاء والعدالة الجنائية في المملكة تتمتع بالاستقلالية والنزاهة وتقوم على ركائز مؤسسية وأطر قانونية مستمدة من الشريعة الإسلامية تكفل الوصول للحقيقة، وتضمن محاكمة عادلة تتفق مع المعايير الدولية في حماية حقوق الإنسان».
وشدّد مجلس هيئة حقوق الإنسان على أن الإجراءات العدلية والجنائية ومبادئ المحاكمات العادلة تقتضي تزويد النيابة العامة في المملكة بالأدلة التي طلبتها من الجانب التركي، وتوجد بحوزته، لتأخذ العدالة مجراها وفق أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمة المملكة، وعدم تسييس هذه القضية بأي شكل كان. كما أكد مركز الدعوة الإسلامية لأميركا اللاتينية ودول البحر الكاريبي أن البيان الصادر عن النيابة العامة بالسعودية «يعكس منهج المملكة في الصدق والحزم ومحاسبة أي متورط في هذه الجريمة مهما كانت صفته وإقامة العدل وتقديم المتهمين للعدالة في هذه الجريمة المؤلمة».



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.