روسيا تواجه تصعيداً قوياً للتهديدات الإرهابية داخلياً... وفي الجوار

روسيا تواجه تصعيداً قوياً للتهديدات الإرهابية داخلياً... وفي الجوار

لم تغد أكثر أمناً بعد مرور ثلاث سنوات على تدخلها العسكري في سوريا
السبت - 9 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 17 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14599]
موسكو: رائد جبر
حذّرت جهات روسية مسؤولة، أخيراً، من خطر تصاعد التهديدات الإرهابية بشكل متواصل خلال السنوات الأخيرة، وامتدادها إلى رقعة جغرافية واسعة جداً؛ ما سيحولها إلى «الخطر الأكبر على بلدان العالم». ولقد أثارت التحذيرات التي جاءت من شخصيات مقربة من الكرملين، أسئلة كثيرة حول الإعلانات المتكررة من جانب موسكو وواشنطن، كل على حدة، في شأن تحقيق «نجاحات كبرى» بتقويض قدرات الإرهابيين في سوريا والعراق، وتقليص فرص التنظيمات الإرهابية في لملمة صفوفها واستئناف نشاطها.

وبدا المشهد في روسيا، بالذات، لافتاً؛ إذ تزامن إحياء الذكرى الثالثة لبدء التدخل العسكري المباشر في سوريا، قرب نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، مع تفجّر جدل واسع حول تأثيراته وتداعياته الكثيرة المرتقبة. ومع المبالغة في المباهاة بأن الحملة العسكرية في سوريا وفّرت «فرصة تاريخية لا تعوض» لتعزيز قدرات الجيش الروسي واختبار أسلحته الحديثة، وأعادت روسيا إلى موقعها بين أبرز صنّاع القرار في العالم، فإن المشهد في مقلبه الآخر لا يبعث كثيراً على التفاؤل.



الكرملين الذي برّر أمام الشعب الروسي قرار إرسال الطائرات والسفن المحمّلة بالجنود إلى سوريا بحجة أنه «لا يجب أن ننتظر حتى يأتي الإرهاب إلى بلادنا»، يجد نفسه اليوم في مواجهة هذا المأزق تحديداً.

هذا ما تشير إليه المعطيات الرسمية الروسية التي أبرزت تصاعداً متواصلاً في معدلات التهديدات الإرهابية في روسيا خلال السنوات الثلاث الماضية، فضلاً عن انفلات ظاهرة العنف الداخلي، وخصوصاً بين فئات الشباب، وتحوّله إلى خطر جديد يزيد من توتر الوضع.

وعلى الصعيد الخارجي، لا يبدو الموقف أقل سوءاً؛ إذ تشكو موسكو من تدهور الوضع في الفضاء الأقرب إليها، أي آسيا الوسطى، وتعلو التحذيرات الجدية من تحوّل هذه المنطقة إلى قاعدة انطلاق جديدة للمجموعات المتشدّدة التي تعمل على لملمة صفوفها وإعادة تعزيز قدراتها.



- دعوة لمواجهة «الخطر الأكبر»

قرع قادة الأجهزة الأمنية الروسية ناقوس الخطر بقوّة، إبّان مؤتمر موسّع نُظّم في موسكو أخيراً، وحضره رؤساء أجهزة الاستخبارات والهياكل الأمنية من 80 بلداً. ودلّت النقاشات والتقارير التي قدّمها المشاركون أمام المؤتمر على تزايد المخاوف الروسية بشكل غير مسبوق - منذ انتهاء الحرب في الشيشان في بداية الألفية الثالثة - من تعاظم التهديدات الإرهابية، وتحوّلها إلى التحدي الأكبر على المستويين الداخلي والخارجي.

وترافقت التحذيرات مع إقرار بأن «النجاحات التي تحققت في سوريا والعراق خلال العامين الأخيرين لجهة تقويض نشاط التنظيمات الإرهابية» لم تنعكس إيجاباً على تقليص مساحة الخطر الإرهابي عموماً، بل على العكس من ذلك، «سرّعت تكيّف المتشددين وتأقلمهم مع الواقع الجديد» وفقاً لتعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. إذ قال لافروف: إن «الانتصارات على الإرهاب في البلدين قوبلت بجهود من جانب القوى المتشددة لإعادة حشد طاقاتها للتكييف مع الظروف الجديدة وإعادة الانتشار في مناطق مختلفة».

اللافت أن لافروف، الذي قرع ناقوس الخطر في المؤتمر الأمني، كان نفسه في عام 2015 قاسياً في توجيه انتقادات لاذعة إلى كل من يردّد مخاوف من أن يرتدّ الإرهاب الذي ذهبت روسيا لمحاربته في سوريا إلى عقر دارها. ويومها انتقد وزير الخارجية بقوة تلميحات ساسة ووسائل إعلام في روسيا رأت في حادثة تفجير الطائرة المدنية الروسية فوق سيناء في خريف 2015 مؤشراً سيئاً ونتيجة من نتائج التدخل المباشر في سوريا. في ذلك الوقت اعتبر لافروف أن من يربط تعرّض روسيا لهجوم إرهابي مع عملياتها العسكرية في سوريا «عديم الأخلاق»، نافياً بشدة وجود أي ارتدادات من هذا النوع.

غير أن لهجة لافروف، كما يبدو، تغيّرت أخيراً، وبات يرى أن روسيا والعالم لم يصبحا أكثر أمناً بعد الحملة في سوريا، بل على النقيض من ذلك، باعترافه بأن «الإرهاب الدولي بات يشكل الخطر الأكبر على كل المجتمع الدولي». بل إنه يضيف، أن الإرهابيين «يتكيّفون مع الوقائع المتغيرة، ويسعون لتنويع مصادر وقنوات الحصول على الدعم المالي واللوجيستي... بما في ذلك تعزيز روابطهم مع تجار المخدرات وزعماء الجريمة المنظمة».

هذا، وكانت موسكو حذّرت غير مرة خلال الشهور الأخيرة، من أن مقاتلي تنظيم داعش وبعض الفصائل المتشددة الأخرى في سوريا والعراق بدأوا ينشطون لإعادة توزيع قواتهم وتعزيز انتشارهم في مناطق أخرى، وبالأخص، في أفغانستان والمناطق المحاذية لها في جمهوريات آسيا الوسطى. ونبّهت الأجهزة الأمنية الروسية إلى أن ما وصفته بـ«المعايير المزدوجة» التي تتبعها واشنطن وبعض البلدان الغربية سهّلت عمليات نقل المقاتلين وإعادة تركيز القوات في مناطق جديدة، منها شمال أفريقيا وروسيا وبعض البلدان الأوروبية وآسيا الوسطى.



- «القاعدة» و«داعش»

لكن الأسوأ من ذلك، أن موسكو باتت مقتنعة أن وراء ظهور التهديدات الجديدة في آسيا الوسطى عمل منظم، يستهدف بالدرجة الأولى روسيا وحلفاءها في المنطقة. وهذا، على الأقل، ما أوحت به، تحذيرات مدير هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسية ألكسندر بورتنيكوف من بروز «بوادر لتقارب بين تنظيمي داعش والقاعدة»، وتأكيده أن «دمج قدرات التنظيمين سيسفر عن مخاطر إضافية على صعيد تصاعد النشاط الإرهابي في العالم».

المسؤول الأمني الروسي تكلم عن «توجّه القوى المتشددة إلى توسيع رقعة وجودها في بلدان جديدة»، إضافة إلى نقل مسلحين إلى بلدان في أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وأفغانستان. وتبدو المخاوف قوية لدى موسكو من مؤشرات إلى «الجمع المحتمل لقدرات تنظيمي القاعدة وداعش». ومع أن الأجهزة الروسية تقرّ بوجود فوارق كبرى في المنطلقات الفكرية والتنظيمية للتنظيمين الإرهابيين المتشددين دفعت إلى وقوع مواجهات بينهما في أماكن عدة، فإن المخاوف الحالية مرتبطة بقناعة وبمعطيات باتت متوافرة لديها عن توجّه المقاتلين لدى التنظيمين إلى التوحّد لمواجهة الواقع الجديد وتعزيز الانتشار.

أيضاً، ثمة خطر داهم تحدث عنه بورتنيكوف يقوم على أن التنظيمين الإرهابيين يجمعهما استخدام أساليب وسبل متشابهة للتأثير الإيديولوجي والإعلامي، ولديهما قاعدة جمهور تكون واحدة؛ ما يعني أنه - وفقاً للمسؤول الأمني - لا يمكن استبعاد إنشاء مجال إعلامي موحّد وظيفته التعامل مع القاعدة المشتركة من مستخدمي الإنترنت. وهذا يعني تعزيز القدرات على تجنيد خلايا إرهابية في مناطق مختلفة أو توسيع ظاهرة «الذئاب المنفردة» التي يتأثر أصحابها كثيراً بالدعاية الإرهابية المنتشرة على شبكات التواصل، وفي الفضاء الإلكتروني عموماً.

على هذه الخلفية، جاءت دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمة وجهها إلى المؤتمر الأمني، إلى «تعزيز الثقة المتبادلة بين الدول بهدف إنشاء آليات لتجفيف موارد تمويل الإرهابيين». وفي هذا الطرح تعديل على الفكرة التي كان بوتين طرحها في 2013 حول تأسيس «جبهة عالمية لمواجهة الإرهاب». يومذاك بدت الفكرة «خيالية»، وفقاً لتعليقات محللين روس؛ لأن الغرب «لا يثق بروسيا، كما أننا لا نثق بالغرب أبداً». ثم إنها هدفت في حينه إلى تعزيز أوراق روسيا كشريك أساسي في تسوية المشاكل الدولية، بمعنى أن أهدافها كانت دعائية أكثر من أن تكون واقعية. أما اليوم، فتُبرز اللهجة الجديدة لبوتين أن روسيا باتت تشعر بخطر داهم، وأنها مستعدة للتعامل بشكل أكثر واقعية مع المشكلة، ومع السبل المقترحة لحلها.

لذا؛ نبّه بوتين إلى أن «المنظمات الإرهابية الدولية تحاول توسيع نشاطها، بما في ذلك على صعيد النظم المعلوماتية؛ ما يفرض مهمات ملحة إضافية أمام أجهزة المخابرات وهيئات الأمن. كما تزداد ضرورة توحيد الجهود لمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية الجديدة».



- أفغانستان... المعركة المقبلة

على صعيد متصل، كشف سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، أخيراً، عن توافر معطيات لدى روسيا تفيد بزيادة عدد مسلحي تنظيم داعش في شمال أفغانستان بشكل «يهدد جدياً أمن بلدان منطقة آسيا الوسطى». ورأى باتروشيف أن التنظيم «يسعى إلى تعزيز قاعدة خلفية له بعد هزيمته في سوريا والعراق، مستغلاً الغطاء الذي توفره واشنطن وعواصم غربية أخرى». ووفق معطيات الأجهزة الأمنية الروسية، فإن «داعش» نجح في نشر نحو ألفي مقاتل على الأقل في مناطق أفغانية محاذية للحدود مع جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقاً). وهذا الرقم يعكس حجم التحرك خلال الشهر الأخير وحده؛ ما يعني أنه يرسل إشارة تحذير قوية من أن النشاط الفعلي للمتشددين، ربما يكون وفقاً للمصادر الروسية أكبر بكثير.

من ناحية أخرى، أفاد جمعة خان غييسوف، نائب مدير اللجنة التنفيذية للهيئة الإقليمية لمحاربة الإرهاب في «منظمة شنغهاي للتعاون»، بأن «داعش» لم يكتف بنقل مقاتلين فقط إلى أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى، مشيراً إلى تسجيل حالات مماثلة في روسيا ودول أوروبا وجنوب شرقي آسيا.

اللافت أن لافروف كان اتهم واشنطن في وقت سابق بـ«التواطؤ» في عمليات نقل مسلحين من سوريا والعراق إلى أفغانستان، ورأى يومذاك أن هذا التحرك يدخل في إطار «سياسة واشنطن الهادفة إلى استخدام الإرهابيين في تحقيق أغراض سياسية». لكن التطورات الجديدة توحي بأن المخاوف الروسية من احتمالات تطور الوضع في أفغانستان دخلت مرحلة جدية. ولذلك؛ كان هذا الموضوع على جدول أعمال أكثر من لقاء عقد على مستوى المسؤولين الأمنيين في «منظمة شانغهاي للتعاون» خلال الأسابيع الأخيرة، وجرى إقرار «خريطة طريق» خلالها لتعزيز الجهود الأمنية وتبادل المعلومات، والقيام بتحركات مشتركة لحماية الحدود، وقطع الطريق أمام تطورات محتملة.

أضف إلى ما سبق، يبدو أن للمخاوف في الجمهوريات السوفياتية السابقة المنضوية في إطار «منظمة شانغهاي للتعاون» ما يقابلها لدى الصين، الطرف القوي الآخر في هذه المنظمة. إذ نوقشت أيضاً مسألة زيادة المخاطر التي تشكلها نشاطات بالذات جماعات الويغور المسلحة (منها «الجيش الإسلامي التركستاني») في إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) الذاتي الحكم بغرب الصين. لكن التركيز الأساسي بات ينصب بالنسبة إلى موسكو على أفغانستان، التي يرى كثيرون من المحللين أن المواجهة المقبلة بين موسكو وواشنطن ستكون فيها، وإن بصورة غير مباشرة.



- الإرهاب يضرب روسيا... و«حديقتها الخلفية»

مع تصاعد التوتر والمخاوف من تزايد النشاط الإرهابي حول روسيا وفي مناطق تعد تقليدياً الحديقة الخلفية للروس، بدا أن سبب القلق الأكبر لدى صناع القرار الروس داخلي. إذ لا يكاد يمر يوم أو يومان حتى تعلن الأجهزة الأمنية اعتقال متشددين، أو إحباط نشاط خلايا إرهابية. الجزء الأكبر من هذه البلاغات لا يعرف مصيرها لاحقاً؛ إذ لم تعلن موسكو إطلاق محاكمات أو نتائج التحقيقات في عشرات القضايا المماثلة التي سبق الإعلان عنها منذ مطلع العام. وهذا ما أوحى بأن جزءاً منها يروّج له لأغراض دعائية لسياسات الكرملين، ولمواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة بسبب الأزمات والأوضاع المعيشية. لكن رغم ذلك، تبقى الأرقام التي تعلنها موسكو مفزعة لجهة تزايدها المطّرد، واتساع نطاقها الجغرافي حتى شملت كل الأراضي الروسية من الشرق إلى الغرب.

وبمقارنة سريعة بين حجم البلاغات عن وقوع تهديدات إرهابية خلال السنوات الثلاث الماضية، يلحظ المتابع تصاعدها المتواصل، وزيادة الخطر منها. ومقابل الإعلان عن أرقام العام الماضي وصلت إلى إحباط 25 هجوماً إرهابياً، واعتقال نحو 1300 متشدد، وكشف نشاط عشرات الخلايا في مناطق مختلفة معظمها في منطقة القوقاز وجمهورية تتارستان الذاتية الحكم ذات الغالبية المسلمة ومناطق في شرق البلاد، دلت حصيلة الشهور التسعة الأولى من هذا العام على إحباط 26 هجوماً وتفكيك 38 خلية ذكرت الأجهزة أنها تابعة لـ«داعش»، ناهيك من اعتقال أكثر من 1500 شخص.

واللافت في مجريات مواجهة التهديد الإرهابي في العام الحالي، أن نطاقه امتد إلى سيبيريا ومناطق الشرق الأقصى، كما أنه بات يتخذ شكلاً منظماً في عدد من المناطق، ولم يعد مقتصراً على خلايا صغيرة أو مجموعات منفردة. وهو ما دل عليه الإعلان عن تفكيك خلايا تابعة لـ«حزب التحرير الإسلامي» في تتارستان أخيراً.

هذا، وبرز تطور آخر على صعيد أداء الخلايا المتشددة بصرف النظر عن انتماءاتها أو درجة تنسيقها مع التنظيمات المتشددة في الخارج. وبعدما كان النشاط مقتصراً في الغالب على محاولة تفجير عبوات ناسفة يدوية الصنع أو مهاجمة دورية أمنية في القوقاز، فإنه اتخذ شكلاً أكثر اتساعاً وتنظيماً، وفقاً لبيانات الأجهزة الأمنية، مثل التخطيط لاستهداف منشآت حيوية ومراكز للصناعات العسكرية أو مناطق تجمع المواطنين.

وأشّرت تحركات قامت بها وزارة الدفاع إلى تزايد مخاوفها من تحوّل المنشآت العسكرية أو العسكريين الروس الذين قاتلوا في سوريا، أو في أوكرانيا أو مناطق أخرى. إذ قدمت الوزارة مشروع قانون أخيراً لإقراره في مجلس الدوما (أحد مجلسي البرلمان) يحظر الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالعسكريين الروس أو نشاطاتهم أو معلومات عن حياتهم الشخصية، وقال نائب الوزير نيكولاي بانكوف: إن القانون الجديد يهدف إلى تعزيز حماية العسكريين الروس، وذكر أنه ينسحب على قطاع الخدمة الإلزامية أو المتعاقدين مع المؤسسة العسكرية.

القانون الجديد، وفقاً لرأي محللين روس، موجه بالدرجة الأولى لحماية العسكريين الروس الذين شاركوا بشكل أو بآخر في الحرب الأوكرانية - وخصوصاً من المتعاقدين - من عمليات انتقامية محتملة. وللعلم، نشرت بعض القوى الأوكرانية «لوائح سوداء» في أوقات مختلفة تضم أسماء أشخاص ادعت أنهم لعبوا أدواراً في تأجيج الوضع في شرق أوكرانيا. لكن الأكيد أن القانون بشكله الراهن يضع أساساً قانونياً كذلك لمنع تعقب أي عسكريين يمكن أن يلاحقوا من جانب تشكيلات متشدّدة في سوريا أو غيرها من المناطق.



- «عنف الشباب»... ظاهرة جديدة تؤرق روسيا

بالتوازي مع تعاظم الخطر الإرهابي داخل روسيا وحولها، حملت سلسلة من الحوادث التي وقعت أخيراً، تنبيهاً جدياً بتحول خطر داخل المجتمع الروسي خلال العامين الأخيرين، نحو العنف على خلفية الوضع المعيشي المتدهور، وتأجيج المواجهة الروسية مع الغرب، فضلا عن تشديد القبضة الأمنية في الداخل.

وشكلت حادثة إقدام فتى عمره 17 سنة قبل أسابيع على تفجير قنبلة يدوية الصنع في مدخل جهاز الأمن الفيدرالي في مدينة ارخانغيلسك، بأقصى شمال غربي روسيا، علامة فارقة في هذا التحوّل. إذ لم يقتصر الأمر على أن الفتى ليس مرتبطاً بتنظيمات متشددة مموّلة أو مدعومة من خارج البلاد، بل تعدى ذلك إلى أن هجومه مرتبط بحال تمرّد على السلطة.

الفتى كتب على شبكات التواصل الاجتماعي قبل 7 دقائق من تفجير نفسه عبارة لافتة هي «بعد قليل سأكون في مبنى الاستخبارات، سأفجره. أنا المسؤول الوحيد عن تصرفي. هؤلاء (أفراد الاستخبارات) يلفقون التهم للناس ويعذبون المواطنين في السجون». وهكذا دلّت العبارات إلى تحول حال التذمر الداخلية في المجتمع الروسي إلى موجة عنف إرهابي، لكن المفارقة أن السلطات الروسية عتّمت على الموضوع، ولم تتناول كبريات الصحف ومؤسسات التلفزيون الرسالة رسالة الفتى بالتحليل، بل اكتفت بإشارة إلى أن «الأجهزة الأمنية تدرس ارتباطاته الخارجية».

قبل هذا الحادث بشهر واحد، أطلق فتى في العمر ذاته تقريباً النار على زملائه في معهد دراسي بمدينة كيرتش، التي تربط القرم بروسيا، وقتل 21 منهم قبل أن ينتحر. وتبين أن الفتى أحرق ممتلكاته قبل تنفيذ العملية وخطط لإيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا.

في العام الماضي، أيضاً، وقع حادث مشابه، في مبنى أمني في مدينة خاباروفسك، بأقصى شرق سيبيريا، حيث أسفر إطلاق نار من جانب شاب عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين.

ودفع تكرار هذه الحوادث إلى التعامل مع الأمر بصفته «ظاهرة آخذة في الاتساع»، كما قال مدير هيئة الأمن الفيدرالي ألكسندر بورتنيكوف. ونبّه إلى أن «ظهور مجموعات أو أفراد من الشبان الذين يستخدمون العنف المفرط ضد هياكل السلطة وضد المجتمع يتخذ منحى خطراً ولا بد من مواجهة هذه الظاهرة».

كذلك قال بورتنيكوف: إن الهدف الذي جمع غالبية الهجمات المماثلة هو «مواجهة السلطة» مع أن المنطلقات الفكرية مختلفة. وأوضح أن بعض منفذي الهجمات من الشبان الذين «يرفعون إعلام وشعارات «داعش»، أو يرفعون شعارات يسارية أو قومية أو فوضويين، في كل الأحوال هم يشكلون ظاهرة خطرة للغاية وعلينا أن نضع آليات لمواجهتها».
روسيا أخبار روسيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة