سيارة محملة بمتفجرات وراء هجوم المنصورة

عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
TT

سيارة محملة بمتفجرات وراء هجوم المنصورة

عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)

خلف انفجار مروع استهدف مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة (شمالي القاهرة)، في الساعات الأولى من يوم أمس (الثلاثاء)، 15 قتيلا ونحو 105 مصابا، وحالة من العداء والاستنفار تجاه أنصار جماعة الإخوان المسلمين، التي وجهت لها أصابع الاتهام، في ظل أجواء سياسية مشحونة، وتخبط حكومي بشأن إعلان الإخوان «جماعة إرهابية».
وبينما توالت ردود الفعل الرسمية والدولية المنددة بالحادث، أدانت جماعة الإخوان «العمل الإرهابي»، وحملت السلطات الحالية المسؤولية عنه. ويلقي التفجير المروع بظلال كثيفة على المشهد السياسي في بلد يعاني من عدم استقرار أمني منذ ثلاث سنوات.
وقال اللواء أحمد صالح، سكرتير عام محافظة الدقهلية، لـ«الشرق الأوسط» أمس إن التقديرات المبدئية ترجح استهداف مبنى مديرية الأمن بسيارة مفخخة، نافيا ما تردد عن وجود عبوة ناسفة أخرى أبطل مفعولها.
وأكد صالح سقوط 15 قتيلا معظمهم من ضباط وأفراد الشرطة في الحادث الذي وصفه بـ«الجبان»، لافتا إلى أن من بين 105 مصابا لا يزال 38 يتلقون العلاج داخل المستشفيات بينهم ستة استدعت حالاتهم نقلهم إلى مستشفى المعادي العسكري في القاهرة، بينهم مدير أمن الدقهلية.
ونعت رئاسة الجمهورية ضحايا حادث التفجير. وقالت في بيان لها أمس إن «مثل تلك العمليات الإرهابية تزيد الدولة تصميما على اجتثاث الإرهاب من كافة ربوع البلاد، وإصرارا على تنفيذ خارطة مستقبل الشعب المصري وإرادته».
وبدا الارتباك الحكومي واضحا بعد أن نقلت وكالة الأنباء الرسمية تصريحات على لسان المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء قال فيها إن رئيس الحكومة الدكتور حازم الببلاوي أعلن جماعة الإخوان «جماعة إرهابية»، وهو التصريح الذي صححه رئيس الوزراء قائلا إنه «أيا كان من يقف خلف الحادث فهو إرهابي سواء كانوا أفرادا أو جماعة».
ولمح رئيس الوزراء إلى إمكانية صدور قرار من مجلس الوزراء المقرر أن ينعقد اليوم (الأربعاء) باعتبار جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا، مشيرا إلى أنه صدرت أحكام قضائية بحظر نشاطات الجماعة، مؤكدا أن الدولة تعمل على تنفيذ تلك الأحكام بصرامة.
وتصف جماعة الإخوان عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، بـ«الانقلاب العسكري»، وتتعهد بمقاومة السلطات القائمة، لكنها تحرص على تأكيد سلمية احتجاجاتها.
وقضت محكمة مصرية في سبتمبر (أيلول) الماضي بحظر أنشطة جمعية الإخوان المسلمين، وجماعة الإخوان المنبثقة عنها وأي مؤسسة متفرعة منها أو تابعة إليها أو منشأة بأموالها أو تتلقى منها أي نوع من أنواع الدعم، والتحفظ على أموالها (العقارية والسائلة والمنقولة) والأموال المملوكة للأشخاص المنتمين إليها.
وانتُقد الببلاوي الشهر الماضي بسبب تصريحات قال فيها إنه لا يوجد في القانون المصري تعريف للإرهاب أو التنظيم الإرهابي، ما أجبر الحكومة على تصحيح تصريحاته قائلة إن رئيس الوزراء قصد أنه لا بد من صدور حكم قضائي.
وشيع عشرات الآلاف جثامين قتلى التفجير الإرهابي أمس، في جنازة مهيبة، وسط حالة من الغضب والاستنفار تجاه أنصار جماعة الإخوان، وهتف المشيعون «الشعب يريد إعدام الإخوان»، فيما تظاهر المئات أمام مبنى مديرية الأمن مرددين هتافات مناوئة للجماعة أيضا.
وبدأت أمس عمليات انتقامية من أهالي محافظة الدقهلية ضد ممتلكات لأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين بالمحافظة.. وسط مخاوف من امتداد موجة العنف تلك إلى مدن أخرى في البلاد.
وعكست آثار الدمار حجم القوة التدميرية المستخدمة في الانفجار، وقال شهود عيان إن دويه سمع في أرجاء مدينة المنصورة. وتحطمت واجهات محال تبعد مئات الأمتار عن موقع الحادث. وتطابقت روايات شهود عيان بشأن مشاهدتهم شابا يقود شاحنة صغيرة، قالوا إنه اقتحم بها المكان المخصص لسيارات الشرطة المكلفة بتأمين مقر مديرية الأمن. واستهدف قسم شرطة خلف مديرية الأمن في شهر يوليو (تموز) الماضي بقنبلة بدائية الصنع قتلت مجندا وأصابت 17 آخرين.
ووقف العميد عصام عبد السميع الضابط في مديرية أمن الدقهلية أمس ينظر إلى غرفته التي تهدمت جدرانها غير مصدق، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لو لم يكن يوم أمس يوم عطلتي لكنت من بين ضحايا الحادث الجبان».
وقالت نهى أبو الحديد وهي من سكان مدينة المنصورة لـ«الشرق الأوسط» «سمعنا دويا قويا جدا رغم أننا نسكن على بعد عدة كيلومترات من موقع الانفجار، نسكن بالقرب من أحد معسكرات الأمن المركزي لذلك تصورنا أن الانفجار قريب، لكن سكان المناطق المجاورة لموقع الحادث شعروا بهزة قوية، تسببت في تحطيم زجاج النوافذ».
وتشهد مدينة المنصورة التي تبعد نحو 120 كيلومترا عن العاصمة القاهرة، اشتباكات مستمرة بين أنصار الإخوان ومعارضيهم. وقتل الأسبوع الماضي سائق مؤيد لثورة 30 يونيو خلال مروره بجوار مسيرة إخوانية، على يد المتظاهرين الذين اتهموه بمحاولة دهس إحدى المتظاهرات.
ونعى الجيش قتلى التفجير الإرهابي، وقال العقيد أحمد محمد علي المتحدث العسكري في بيان له أمس إن «مثل هذه العمليات الجبانة، التي تقوم بها فئة ضالة، خرجت عن الجماعة الوطنية المصرية وانتهجت العنف والغدر واستحلت دماء المصريين، تزيدنا عزما وإصرارا على تطهير أرض الوطن من خفافيش الظلام، وأنصار التنظيمات المتطرفة، التي تحاول بين الحين والآخر العبث بأمن مصر القومي، وإثارة الفزع بين المواطنين، خلال تلك المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد».
من جانبه، قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف «إن الحادث الإرهابي الآثم الذي وقع في مدينة المنصورة أصاب مصر في فلذات أكبادها وأبنائها الأوفياء، وجنودها الأبرار، فأودى بحياة بعضهم وأصاب الكثير من البعض الآخر»، داعيا الشعب المصري بجميع أطيافه إلى أن يتكاتفوا ويتحدوا في دعم مؤسسات الدولة للحفاظ على أمن مصر واستقرارها ضد التصرفات الإرهابية الحمقاء.
وتابع شيخ الأزهر، في بيان له أمس، أن «مثل هذه الأعمال التخريبية التي تتسبب في ترويع الآمنين، وتخل بأمن المجتمع أمر يحرمه الشرع وتنبذه الأعراف والقوانين»، مشددا على أن الدم المصري كله حرام، لافتا إلى ضرورة تعقب المتسببين في الحادث والقصاص منهم عبر محاكمة عاجلة. وأدانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «الاعتداء الإرهابي الغاشم»، وقالت في بيان للقمص بولس حليم المتحدث باسمها إن الكنيسة المصرية «ترفع صلوات يومية من أجل أن يحفظ الله بلادنا العزيزة مصر بكل أبنائها ومقدراتها ومنشآتها العامة، واثقين أن الله سيحفظ مصر من كل شر ويصونها من كل سوء».
وتوالت ردود الفعل العربية والدولية المنددة بالحادث، وأدانت دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة حادث التفجير الإرهابي، وقالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان لها إن «دولة الإمارات تدين بشدة هذا العمل الإرهابي والإجرامي الجبان الذي يستهدف زعزعة أمن واستقرار مصر الشقيقة ويتنافى مع كل القيم والمبادئ الدينية والإنسانية.. وتجدد تضامنها ووقوفها إلى جانب الأشقاء في مصر قيادة وحكومة وشعبا»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).
من جانبه، بعث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمس ببرقية عزاء إلى الرئيس عدلي منصور في ضحايا حادث التفجير الإرهابي الجبان، ووفقا لبيان صادر عن الديوان الملكي الهاشمي، وأعرب العاهل الأردني في برقيته عن إدانته لمثل هذه الأعمال الإجرامية.. مؤكدا تضامن ووقوف الأردن إلى جانب مصر الشقيقة لتجاوز آثار هذا المصاب الأليم والمفجع والتصدي للإرهاب بجميع صوره وأشكاله.
وأدان وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور بشدة الانفجار الإرهابي الذي استهدف مبنى مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة الليلة الماضية، معربا عن تضامن لبنان الكامل مع الشعب المصري.
وقال وزير الخارجية اللبناني، في تصريح بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية أمس «إننا ندين أي عمل إرهابي يقع في أي مكان العالم، ومشاعرنا مع الإخوة في مصر»، مضيفا أن هذا العمل الإرهابي الآثم يستهدف تقويض الاستقرار في البلاد، مطالبا بضرورة التضامن والتعاون للتصدي لهذه الموجة الإرهابية الخطيرة التي تشكل خطرا على دول المنطقة.
وعلى الصعيد الدولي، أدان وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أمس الحادث الإرهابي، قائلا في بيان صحافي له أمس «إنني أدين بشدة الحادث الإرهابي»، مضيفا «قلوبنا مع عائلات الذين قتلوا والمصابين والذين تأثروا من هذا الحادث»، مشيرا إلى أن الشعب المصري مصمم على بناء دولة مستقرة ورخاء لأنفسهم ونحن نقف معهم في هذه الأوقات الصعبة.
بدورها، استنكرت فرنسا بالهجوم الإرهابي، وقال فانسان فلورياني المتحدث المساعد باسم وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان صحافي أمس إن باريس تستنكر التفجير الذي استهدف مبنى مديرية الأمن بمدينة المنصورة مخلفا الكثير من القتلى والجرحى، مضيفا أن بلاده تعرب عن تعازيها لأسر الضحايا وتعبر عن تضامنها مع الشعب المصري.
وأصدرت السفارة الأميركية في القاهرة بيانا أمس قالت فيه إن القائم بالأعمال بسفارة الولايات المتحدة يشجب بأشد العبارات الممكنة الهجوم الإرهابي، مضيفا أن بلاده تؤيد جهود الحكومة المصرية لتقديم المسؤولين عن الهجوم إلى العدالة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.