سيارة محملة بمتفجرات وراء هجوم المنصورة

عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
TT

سيارة محملة بمتفجرات وراء هجوم المنصورة

عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)
عشرات الآلاف من المصريين يشيعون ضحايا التفجير الذي وقع في المنصورة أمس (أ.ب)

خلف انفجار مروع استهدف مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة (شمالي القاهرة)، في الساعات الأولى من يوم أمس (الثلاثاء)، 15 قتيلا ونحو 105 مصابا، وحالة من العداء والاستنفار تجاه أنصار جماعة الإخوان المسلمين، التي وجهت لها أصابع الاتهام، في ظل أجواء سياسية مشحونة، وتخبط حكومي بشأن إعلان الإخوان «جماعة إرهابية».
وبينما توالت ردود الفعل الرسمية والدولية المنددة بالحادث، أدانت جماعة الإخوان «العمل الإرهابي»، وحملت السلطات الحالية المسؤولية عنه. ويلقي التفجير المروع بظلال كثيفة على المشهد السياسي في بلد يعاني من عدم استقرار أمني منذ ثلاث سنوات.
وقال اللواء أحمد صالح، سكرتير عام محافظة الدقهلية، لـ«الشرق الأوسط» أمس إن التقديرات المبدئية ترجح استهداف مبنى مديرية الأمن بسيارة مفخخة، نافيا ما تردد عن وجود عبوة ناسفة أخرى أبطل مفعولها.
وأكد صالح سقوط 15 قتيلا معظمهم من ضباط وأفراد الشرطة في الحادث الذي وصفه بـ«الجبان»، لافتا إلى أن من بين 105 مصابا لا يزال 38 يتلقون العلاج داخل المستشفيات بينهم ستة استدعت حالاتهم نقلهم إلى مستشفى المعادي العسكري في القاهرة، بينهم مدير أمن الدقهلية.
ونعت رئاسة الجمهورية ضحايا حادث التفجير. وقالت في بيان لها أمس إن «مثل تلك العمليات الإرهابية تزيد الدولة تصميما على اجتثاث الإرهاب من كافة ربوع البلاد، وإصرارا على تنفيذ خارطة مستقبل الشعب المصري وإرادته».
وبدا الارتباك الحكومي واضحا بعد أن نقلت وكالة الأنباء الرسمية تصريحات على لسان المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء قال فيها إن رئيس الحكومة الدكتور حازم الببلاوي أعلن جماعة الإخوان «جماعة إرهابية»، وهو التصريح الذي صححه رئيس الوزراء قائلا إنه «أيا كان من يقف خلف الحادث فهو إرهابي سواء كانوا أفرادا أو جماعة».
ولمح رئيس الوزراء إلى إمكانية صدور قرار من مجلس الوزراء المقرر أن ينعقد اليوم (الأربعاء) باعتبار جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا، مشيرا إلى أنه صدرت أحكام قضائية بحظر نشاطات الجماعة، مؤكدا أن الدولة تعمل على تنفيذ تلك الأحكام بصرامة.
وتصف جماعة الإخوان عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، بـ«الانقلاب العسكري»، وتتعهد بمقاومة السلطات القائمة، لكنها تحرص على تأكيد سلمية احتجاجاتها.
وقضت محكمة مصرية في سبتمبر (أيلول) الماضي بحظر أنشطة جمعية الإخوان المسلمين، وجماعة الإخوان المنبثقة عنها وأي مؤسسة متفرعة منها أو تابعة إليها أو منشأة بأموالها أو تتلقى منها أي نوع من أنواع الدعم، والتحفظ على أموالها (العقارية والسائلة والمنقولة) والأموال المملوكة للأشخاص المنتمين إليها.
وانتُقد الببلاوي الشهر الماضي بسبب تصريحات قال فيها إنه لا يوجد في القانون المصري تعريف للإرهاب أو التنظيم الإرهابي، ما أجبر الحكومة على تصحيح تصريحاته قائلة إن رئيس الوزراء قصد أنه لا بد من صدور حكم قضائي.
وشيع عشرات الآلاف جثامين قتلى التفجير الإرهابي أمس، في جنازة مهيبة، وسط حالة من الغضب والاستنفار تجاه أنصار جماعة الإخوان، وهتف المشيعون «الشعب يريد إعدام الإخوان»، فيما تظاهر المئات أمام مبنى مديرية الأمن مرددين هتافات مناوئة للجماعة أيضا.
وبدأت أمس عمليات انتقامية من أهالي محافظة الدقهلية ضد ممتلكات لأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين بالمحافظة.. وسط مخاوف من امتداد موجة العنف تلك إلى مدن أخرى في البلاد.
وعكست آثار الدمار حجم القوة التدميرية المستخدمة في الانفجار، وقال شهود عيان إن دويه سمع في أرجاء مدينة المنصورة. وتحطمت واجهات محال تبعد مئات الأمتار عن موقع الحادث. وتطابقت روايات شهود عيان بشأن مشاهدتهم شابا يقود شاحنة صغيرة، قالوا إنه اقتحم بها المكان المخصص لسيارات الشرطة المكلفة بتأمين مقر مديرية الأمن. واستهدف قسم شرطة خلف مديرية الأمن في شهر يوليو (تموز) الماضي بقنبلة بدائية الصنع قتلت مجندا وأصابت 17 آخرين.
ووقف العميد عصام عبد السميع الضابط في مديرية أمن الدقهلية أمس ينظر إلى غرفته التي تهدمت جدرانها غير مصدق، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لو لم يكن يوم أمس يوم عطلتي لكنت من بين ضحايا الحادث الجبان».
وقالت نهى أبو الحديد وهي من سكان مدينة المنصورة لـ«الشرق الأوسط» «سمعنا دويا قويا جدا رغم أننا نسكن على بعد عدة كيلومترات من موقع الانفجار، نسكن بالقرب من أحد معسكرات الأمن المركزي لذلك تصورنا أن الانفجار قريب، لكن سكان المناطق المجاورة لموقع الحادث شعروا بهزة قوية، تسببت في تحطيم زجاج النوافذ».
وتشهد مدينة المنصورة التي تبعد نحو 120 كيلومترا عن العاصمة القاهرة، اشتباكات مستمرة بين أنصار الإخوان ومعارضيهم. وقتل الأسبوع الماضي سائق مؤيد لثورة 30 يونيو خلال مروره بجوار مسيرة إخوانية، على يد المتظاهرين الذين اتهموه بمحاولة دهس إحدى المتظاهرات.
ونعى الجيش قتلى التفجير الإرهابي، وقال العقيد أحمد محمد علي المتحدث العسكري في بيان له أمس إن «مثل هذه العمليات الجبانة، التي تقوم بها فئة ضالة، خرجت عن الجماعة الوطنية المصرية وانتهجت العنف والغدر واستحلت دماء المصريين، تزيدنا عزما وإصرارا على تطهير أرض الوطن من خفافيش الظلام، وأنصار التنظيمات المتطرفة، التي تحاول بين الحين والآخر العبث بأمن مصر القومي، وإثارة الفزع بين المواطنين، خلال تلك المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد».
من جانبه، قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف «إن الحادث الإرهابي الآثم الذي وقع في مدينة المنصورة أصاب مصر في فلذات أكبادها وأبنائها الأوفياء، وجنودها الأبرار، فأودى بحياة بعضهم وأصاب الكثير من البعض الآخر»، داعيا الشعب المصري بجميع أطيافه إلى أن يتكاتفوا ويتحدوا في دعم مؤسسات الدولة للحفاظ على أمن مصر واستقرارها ضد التصرفات الإرهابية الحمقاء.
وتابع شيخ الأزهر، في بيان له أمس، أن «مثل هذه الأعمال التخريبية التي تتسبب في ترويع الآمنين، وتخل بأمن المجتمع أمر يحرمه الشرع وتنبذه الأعراف والقوانين»، مشددا على أن الدم المصري كله حرام، لافتا إلى ضرورة تعقب المتسببين في الحادث والقصاص منهم عبر محاكمة عاجلة. وأدانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «الاعتداء الإرهابي الغاشم»، وقالت في بيان للقمص بولس حليم المتحدث باسمها إن الكنيسة المصرية «ترفع صلوات يومية من أجل أن يحفظ الله بلادنا العزيزة مصر بكل أبنائها ومقدراتها ومنشآتها العامة، واثقين أن الله سيحفظ مصر من كل شر ويصونها من كل سوء».
وتوالت ردود الفعل العربية والدولية المنددة بالحادث، وأدانت دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة حادث التفجير الإرهابي، وقالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان لها إن «دولة الإمارات تدين بشدة هذا العمل الإرهابي والإجرامي الجبان الذي يستهدف زعزعة أمن واستقرار مصر الشقيقة ويتنافى مع كل القيم والمبادئ الدينية والإنسانية.. وتجدد تضامنها ووقوفها إلى جانب الأشقاء في مصر قيادة وحكومة وشعبا»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).
من جانبه، بعث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمس ببرقية عزاء إلى الرئيس عدلي منصور في ضحايا حادث التفجير الإرهابي الجبان، ووفقا لبيان صادر عن الديوان الملكي الهاشمي، وأعرب العاهل الأردني في برقيته عن إدانته لمثل هذه الأعمال الإجرامية.. مؤكدا تضامن ووقوف الأردن إلى جانب مصر الشقيقة لتجاوز آثار هذا المصاب الأليم والمفجع والتصدي للإرهاب بجميع صوره وأشكاله.
وأدان وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور بشدة الانفجار الإرهابي الذي استهدف مبنى مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة الليلة الماضية، معربا عن تضامن لبنان الكامل مع الشعب المصري.
وقال وزير الخارجية اللبناني، في تصريح بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية أمس «إننا ندين أي عمل إرهابي يقع في أي مكان العالم، ومشاعرنا مع الإخوة في مصر»، مضيفا أن هذا العمل الإرهابي الآثم يستهدف تقويض الاستقرار في البلاد، مطالبا بضرورة التضامن والتعاون للتصدي لهذه الموجة الإرهابية الخطيرة التي تشكل خطرا على دول المنطقة.
وعلى الصعيد الدولي، أدان وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أمس الحادث الإرهابي، قائلا في بيان صحافي له أمس «إنني أدين بشدة الحادث الإرهابي»، مضيفا «قلوبنا مع عائلات الذين قتلوا والمصابين والذين تأثروا من هذا الحادث»، مشيرا إلى أن الشعب المصري مصمم على بناء دولة مستقرة ورخاء لأنفسهم ونحن نقف معهم في هذه الأوقات الصعبة.
بدورها، استنكرت فرنسا بالهجوم الإرهابي، وقال فانسان فلورياني المتحدث المساعد باسم وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان صحافي أمس إن باريس تستنكر التفجير الذي استهدف مبنى مديرية الأمن بمدينة المنصورة مخلفا الكثير من القتلى والجرحى، مضيفا أن بلاده تعرب عن تعازيها لأسر الضحايا وتعبر عن تضامنها مع الشعب المصري.
وأصدرت السفارة الأميركية في القاهرة بيانا أمس قالت فيه إن القائم بالأعمال بسفارة الولايات المتحدة يشجب بأشد العبارات الممكنة الهجوم الإرهابي، مضيفا أن بلاده تؤيد جهود الحكومة المصرية لتقديم المسؤولين عن الهجوم إلى العدالة.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)