إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

الشاعر السعودي قال لـ «الشرق الأوسط»: من دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي
TT

إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي

يُعتبر الشاعر السعودي إبراهيم زولي صوتًا بارزًا في المشهد الشعري الحديث الذي مزج بين التجربة الشعرية القائمة على سبر أغوار النصّ الجديد، والسير من خلال تلك التجربة في مضمار «الحداثة»، خاصة في تجلياتها الشعرية والسردية. تكونت مداركه في فترة الصراع بين التيار الصحوي، والتيار الذي أخذ على عاتقه الخروج عن النسق السائد.
ولد إبراهيم زولي في جيزان جنوب السعودية عام 1968. كتب عددًا من التجارب الشعرية جمعت بين العمودي والتفعيلة والنثر، توزعت عبر مجموعاته الشعرية المتنوعة. إلى جانب ذلك، ثمة مسحة فلسفية في شعر زولي، الذي يدير رحى القصيدة في بحور من القلق واجتراح الأسئلة.
آخر مجموعة شعرية لإبراهيم زولي كانت «حرس شخصي للوحشة» صادرة عن المركز الثقافي العربي - المغرب (2015). أما أولى مجموعاته فكانت «رويداً باتجاه الأرض» (1996)، تلاها ديوان «أول الرؤيا» (1999) و«الأشياء تسقط في البنفسج» (2006) و«تأخذه من يديه النهارات» (2008) و«رجال يجوبون أعضاءنا» (2009) و«قصائد ضالة... كائنات تمارس شعيرة الفوضى» (2010) و«من جهة معتمة» (2013) و«شجر هارب في الخرائط» (2014).
«الشرق الأوسط» التقت الشاعر السعودي إبراهيم زولي، وأجرت معه الحوار التالي...

> ماذا بقي من دراستك في المعهد العلمي؟ وكيف قاومت ما تسميه «الحشو المنهجي الذي كان لا يؤمن سوى برؤية واحدة وقول واحد»؟
- تلك مرحلة كانت تحاصر فينا التفكير والاجتهاد حتى الإبداع داخل أسوار المدرسة، غير أنني كنت أخرج من ذلك وأذهب لقراءة الروايات العالمية لمؤلفين كبار مثل ديستويفسكي وتشيخوف ووليم فوكنر، وأقرأ لكثير من المفكرين العرب أمثال محمد أركون والجابري وعبد الله العروي، وشعراء كسعدي ودرويش، وكانت الساحة الثقافية صاخبة بجدل نقدي خلّاق على صفحات «ملحق الأربعاء» وصحيفة «الندوة» وملحق «أصداء الكلمة» في «عكاظ»، وأدركت أن في تراثنا العربي والإسلامي فكرًا نيّرًا يؤمن بالاختلاف، وأصبحت مقولة محمد بن إدريس الشافعي: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» وسواها شعارًا وأيقونة في مرحلة من مراحل حياتي.
> لستَ وحدك من الشعراء الذين تكّونت اتجاهاتهم الحداثية أثناء دراستهم في حواضن مناهضة لهذه التجربة، كيف تفسر ذلك؟
- تلك حقبة قاسية وشديدة الوطء على شاعر لا يزال يتلمس خطواته الأولى في عالم الكتابة، إنها حالة تشبه الطوفان الذي لا يمكن لأحد مجابهته، فكيف بفتى يدرس في المرحلة الثانوية؟! بيد أن الأمل في غدٍ أجمل، هو الأمل المدجج بالوعي الحاد والقراءة المكثفة. هو من أنقذ قصيدة الفتى في مجابهة السائد والمكرس والمألوف.
> ماذا علق في ذهنك من فترة الثمانينات وصعود التيار الصحوي؟
- الجيل الذي كان يتعاطى مع المشهد الثقافي في تلك الحقبة يعلم أنّ جيلاً من الكُتّاب والمبدعين وجد نفسه في معركة لم يختر زمانها ولا مكانها. هذا الجيل لم يقف مكتوف اليدين بل تصدى لأولئك الذين لم يكن العداء الثقافي إلا لافتة خادعة ومبررًا واهيًا. أولئك كانت معركتهم ضد الوطن بجميع أطيافه، وهو ما حدث فعلا مع تلاميذهم ومريديهم الذين كفَّروا المجتمع، ومارسوا ضد مدخراته التفجير والإرهاب.
> لماذا تعثّر مشروع الحداثة في السعودية؟
- القول بفشل مشروع الحداثة في البلد قول بحاجة إلى مساءلة، أقلّ ذلك على مستوى الكتابة في تجلياتها الشعرية والسردية. ما نلاحظه أنّ أغلب كتاب الثمانينات والتسعينات هم الآن من يشار إليهم بالبنان عند الحديث عن المشهد الثقافي في السعودية.
> ألم ينسحب المثقفون «الحداثيون» أو «الليبراليون» من المشهد وتركوه طويلاً لخصومهم؟
- الذين انسحبوا، ومَن فضَّل الصمت في تلك المرحلة، كانت لهم مبرراتهم القوية والمقنعة إلى حدٍّ كبير، ذلك أنّ التيار المتشدد والراديكالي كان نافذًا ومتغلغلاً، كسرطانٍ شرس، في كل مفاصل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وكان كل صوت غير صدى صوتهم يعتبر كفرًا وزندقة ومروقًا من كل الأعراف والتقاليد. ما حدث حينذاك كان نزالاً غير بريء وغير عادل معًا، عندما تلقّى فيه معظم كُتّابنا ضربات «تحت الحزام» بسبب ودون سبب.

البحث عن الشاعر

> متى اكتشفتَ الشاعر في داخلك؟
- حتى اللحظة ما أزالُ في بحث دؤوب ومضنٍ عن الشاعر في داخلي، ومن هو هذا الذي يستطيع القول إنه وجد الشاعر الذي يبحث عنه؟! البحث وتناسل الأسئلة هو ما يحرض على الكتابة، ويوقظ القصيدة من غفوتها. لا أريد لهذه الرحلة من البحث عن الشاعر في داخلي أن تصل إلى نهايتها. لا أريدُ ذلك أبدًا.
> بين مجموعتك «رويداً باتجاه الأرض»، و«حرس شخصي للوحشة» 9 تجارب شعرية في 20 عامًا، هل اصطفتك القصيدة؟
- كلّ ما يحلم به الشاعر هو أنْ تصطفيه القصيدة، ويصل إلى مرحلة من الوجد والعشق اللانهائي. إنّ الاصطفاءَ، هنا، هو ذلك الشيء الذي لن يتأتى لكل من كتب الشعر أو هَمَّ به. كم من الشعراء على مستوى العالم كتبوا القصيدة منذ بدء الخليقة، بيد أنه لا يوجد إلا «متنبي» واحد و«رامبو» واحد أيضًا. قلة هم أولئك الذين اصطفتهم القصيدة بكل أسف.
> كيف نضجتْ هذه التجربة؟ وكيف تنّقلت بين العمودي والتفعيلة والنثر؟
- يقولون إنه بالكتابة يتعلم المرء الكتابة. ومع هذه التجارب التي تحدثتَ عنها ثمة عامل واحد هو التجريب والمغامرة في خلق لغة ورؤيا مختلفة. لم أقم بحرق المراحل كما فعل غيري. كتبت العمود الشعري وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ولا أدّعي مجدًا مظفرًا في ذلك. كان هاجسي المغامرة من قبل ومن بعد، ومتى ذهب هاجس المغامرة من الشاعر فقد أضاع كل شيء، وانتكس في شكل وفخ شعري يتيم لن يغادره حتى آخر العمر. إنّه دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه.

تأثير القراءة

> ما أكثر ما أثّر في تجربتك الشعرية؟
- لا شيء في تقديري يؤثر في الشاعر مثل القراءة. القراءة وحدها هي من تصنع لغة ووعي الشاعر، وتصنع رؤيته تجاه العالم والذات. الشاعر ابن مكتبته وقراءاته، لا ابن مجتمعه.
> كيف تجد مستقبل قصيدة النثر في السعودية؟
- المستقبل للإبداع دون تأطير بشكلٍ جاهز؛ لأنّ الإبداع الحقيقي يتعالى على التصنيف والتأطير. وقصيدة النثر في مدونة الشعر السعودي خطت خطوات مهمة، وقدمت أسماء لافتة وذات أهمية، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العربي أيضًا، لكنّ ذلك لا يمنع أنّ هناك دخلاء على هذا الشكل من الكتابة، مثل أي صنعة أخرى، ثمة طارئون ودخلاء. بعضهم ما تزال قصائدهم النثرية لا تتجاوز الخاطرة والتداعيات الرومانسية.
> تقول: «منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، يمثّل فيّ الآن مرحلته وزمنه. لا أن يتنفّس من فم امرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين». هل يقوى الشاعر أن يمتلك فرادته في مجتمع يفرض سلطاته؟
- فرادة الشاعر هي أمرٌ نسبي ومرحلي، والشاعر في ذات الوقت ابنٌ بارٌ لظرفه وسياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي. هو ليس كائنًا فضائيًا، ومع كل هذه القيود يستطيع أنْ يخلق لغته ويصنع عالمه الخاص. إن الشعراء الذين اختاروا المهاجر أو المنافي، طوعًا أو قسرًا، ربما كان مناخهم مناسبًا لخلق فرادتهم، بيد أنّ تلك الفرادة لم تتأت إلا لقلة قليلة منهم.
> كيف يحضر المكان في قصيدتك؟ أنت مسكون بتفاصيل البيئة المحلية، وتقول إن من يمتلك تفاصيل المكان ومفرداته الحميميّة يحمل في شرايينه أرضًا وشعبًا من سلالته، كيف؟
- البعض يعدّ المكان هو الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر للعالم، مَن يمتلك تفاصيل المكان يمتلك عالمه الشعري، عالماً لا يمكن أن يضل برفقته السبيل، وحتى لا تكون القصيدة ريشة في مهب الرياح، غريبة الوجه واليد واللسان، يبقى المكان بكلّ تجلياته وتمظهراته هو الذي يمكّن المبدع من كتابة عملٍ زاهٍ، عمل يقف معه على قدمين راسختين، وقامة يمدّ عنقها إلى الفضاء.
> هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلاً؟
- الأوراق و16 بحرًا وقلم دون غطاء، كلها تتأهب، وقد لا تأتي الكتابة، تغضب وترمي بكلّ شيء في أقرب سلة أمامك. تختلط إيقاعات الوافر والرمل ممزوجين بالمتدارك، ثم ينتصب الخليل بن أحمد أمامك كعفريت صابًّا جام غضبه عليك. تقوم منكسرًا من مكانك الذي هيأته للقصيدة الحلم، ثم في خلسة من كلّ هؤلاء تُقْبِلُ وأنت أعزل إلا من حزنك، عاريًا إلا من البهجة بقدومها، لا لشيء إلا لأنّها هي سيّدة الزمان والمكان... طقس بحاجة إلى طقس آخر، وعملية استحضار تشبه الضرب في الرمل. هي كمَن ينظر إلى قدميه عندما يقود دراجة ليعرف كيف تتمّ عملية القيادة، ثم يتعثّر في الطريق. الكتابة موعد مع الغياب، أو هي انتظار جودو، أو «البحث عن وليد مسعود»، قد تأتي وقد لا تأتي.
> ماذا يوفر لك الفضاء الإلكتروني؟
- بسبب هذه الشبكات المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، صار بإمكان المرء في أي ركن من أركان المعمورة، التواصل مع أخيه الإنسان «الافتراضي» في الجهة الأخرى من العالم صوتاً وصورة وكتابة. لم تعد الأخوّة في اللون أو الدين أو العرق، كما تعارف الناس، بل تبدّلت إلى معنى آخر وجديد لم يكن مألوفًا من قبل. «عالم افتراضي، أصدقاء افتراضيّون»، وهكذا. ما من شكّ في أنّ هذه الشبكات باتت تشكّل حضورًا طاغيًا في حياة الناس، بمختلف أطيافهم وشرائحهم، لم ينجُ من ذلك أحد، فقراء وأغنياء، ملونون وغير ملونين، وسقطتْ معانٍ كثيرة، فلم نعد نميّز بين الشيخ والمريد، وبين المعلم وتلميذه. هذه الهدية الكونية من اقتصاد المعرفة لم تأت حكرًا على النخب وطبقات الأنتلجنسيا الذين احتكروا ردحًا من الزمن المعلومة ومصدرها، الكِتاب ومؤلّفه، البحث ومحتواه، وبالتالي كانوا يهبون أو يمنحون - لا فرق - الثقافة لمن شاؤوا، وكيف شاؤوا. ذلك زمن ولّى وانقضى إلى غير رجعة، زمن أضحى في سلة الذكريات، زمن غير مأسوف عليه.



«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».