«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

حلف من الهند وإندونيسيا وأستراليا وأكثر من ملياري نسمة

TT

«اتحاد حافة المحيط الهندي» في مواجهة النفوذ الصيني

مع مساعي الصين الحثيثة لتوسيع رقعة نفوذها اقتصاديا وعسكريا عبر أرجاء منطقة المحيط الهادي - الهندي، عمدت عدة دول إلى تعزيز تعاونها معاً للتصدي للصين، ومن بين هذه الجهود انطلاق حوار ثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا لم يحظ بقدر كبير من الاهتمام حتى الآن.
ترتبط الدول الثلاث فيما بينها بما هو أكبر بكثير من مجرد حدود بحرية مشتركة، ذلك أن لديها مصالح مشتركة داخل المحيط الهندي، بجانب تاريخ طويل من التعاون. وتعتبر الدول الثلاث قوى ناشئة وتملك قدرات بحرية متناسبة مع حجم التحديات الأمنية الإقليمية.
وقد عقدت الجولة الأولى من الحوار الثلاثي الرسمي بين هذه الدول في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 في مدينة بوكور الإندونيسية. أما الحافز وراء عقد هذا الحوار فيتجاوز مجرد التشارك في الموقع الجغرافي المطل على المحيط الهندي.
الملاحظ أن هذه الدول تعاونت بصورة وثيقة فيما بينها خلال السنوات الأخيرة من أجل إعادة تفعيل كيان إقليمي مهم في المنطقة، أي «اتحاد حافة المحيط الهندي»، الذي يغطي منطقة المحيط الهندي الواسعة وما يزيد على ملياري نسمة يعيشون بها. وتدرك نيودلهي وكانبرا وجاكرتا أنه بالنظر لكونها ثلاث دول متجاورة وديمقراطية، فإنها مؤهلة للتعاون معاً لتعزيز أجندة «الاتحاد». وفي وقت قريب، استضاف «معهد بروكينغز» بالهند و«مركز بيرث - الولايات المتحدة آسيا» ورشة عمل شارك بها باتي جلال، النائب السابق لوزير الخارجية الإندونيسي، وبيتر فارغيز، وزير الشؤون الخارجية الأسترالي سابقاً وجيف شانكار مينون، وزير الخارجية ومستشار الأمن الوطني الهندي سابقاً.
وتبعاً لما ذكره شانكار مينون، فإن «حوض المحيط الهادي - الهندي شاهد تحولاً هيكلياً وأكبر عملية بناء لمخزونات الأسلحة على مستوى العالم خلال العقدين الأخيرين، في الوقت الذي تبدلت العقائد التي تعتمد عليها البيئة الاستراتيجية بالمنطقة. وثمة حاجة ناشئة لبناء إطار عمل جديد يعتمد على تطور توازن القوى في المنطقة ومصالح الدول الفردية. ومن الممكن أن تشكل تحالفات غير رسمية مثل الحوار الثلاثي القائم بين الهند وإندونيسيا وأستراليا واحدة من الإجابات الكثيرة المختلفة لهذا التغيير في ميزان القوى».

الادعاءات الصينية
في ظل تحولات سريعة يشهدها العالم، من المحتمل أن تصيغ القيم الصينية مجمل الثقافة الاستراتيجية بمنطقة المحيط الهادي الهندي خلال الفترة المقبلة. ولا تزال الصين ماضية في عسكرة المنطقة وممارسة الاستئساد ضد جيرانها الذين تتنازع معهم حول مناطق النفوذ والسيادة البحرية. وقد أثار هذا التوجه توترات بالمنطقة، مع تنامي المطالب بإقرار مدونة لقواعد السلوك بالبحر. وقد دفع هذا الوضع الأطراف الكبرى المعنية بالمنطقة لتعزيز وجودها في محاولة لمواجهة تجاوزات بكين.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه جرى إحياء «الحوار الاستراتيجي الرباعي»، الذي تشترك فيه الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند، وهو حوار غير رسمي لتنسيق السياسات الأمنية والنشاطات العسكرية ويضع نصب عينيه الصين. من ناحيتها، أعربت فرنسا هي الأخرى عن اهتمامها بالاضطلاع بدور نشط في منطقة المحيط الهادي الهندي.

حوار إندو - أسترالي
أطلق على الحوار الثلاثي بين الهند وإندونيسيا وأستراليا «إندو - أستراليس». ويعكس الاسم الواقع الجغرافي للدول الثلاث المطلة على المحيط الهندي. وبمقدور هذه الدول تعزيز الشعور بالانتماء تجاه بعضها بفضل هذا الواقع الجغرافي. كما تشترك فيما بينها في مواجهة تحديات من قبل بكين التي تتبع منذ سنوات سياسات أكثر قوة وسعياً لفرض النفوذ، بجانب تنامي التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة. في هذا الإطار، تجد الهند وإندونيسيا نفسهما في موقف أسوأ لقربهما الجغرافي الأكبر من الصين. ورغم بناء الدولتين علاقات اقتصادية مع بكين، فإنهما دخلتا معها في نزاعات برية وبحرية.
ومن ناحيتها، شهدت الهند تفاقم التوترات داخل منطقة دوكلام الحدودية، في الوقت الذي واجهت إندونيسيا اندلاع صدامات متفرقة مع سفن صيد صينية داخل المنطقة الاقتصادية الحصرية بجزر ناتونا التابعة لها.
وأعلنت أستراليا في وقت قريب عزمها بناء «المؤسسة الأسترالية» بقيمة ملياري دولار «بهدف تطوير البنى التحتية بإقليم المحيط الهادي وتيمور الشرقية». وجاء هذا الإعلان على خلفية تنامي المحاولات الصينية لبسط نفوذها على المحيط الهادي، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية ومساعيها لكسب عقود لبناء شبكات اتصال كيبل تحت البحر. وعليه، فمن غير المثير للدهشة أن نجد أنه أثناء زيارة ناريندرا مودي لإندونيسيا منذ بضعة شهور، وقع الجانبان اتفاقا لرفع مستوى العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة تقوم على «رؤية مشتركة للتعاون البحري داخل منطقة المحيط الهادي الهندي».

الشراكة الاستراتيجية
بين جاكرتا ونيودلهي
تعهدت الهند دعمها بناء ميناء بأقصى غرب إندونيسيا، تحديداً في سابانغ الواقعة خارج سواحل آتشيه، وذلك للسماح بمرور سفن تجارية وربما غواصات. ومن شأن ذلك تعزيز حماية الجانب الغربي من مضيق ملقا وجزر أندمان الهندية. ومن ناحية أخرى، فإن اجتذاب إندونيسيا نحو المشاركة في المعادلة الاستراتيجية الهندية خطوة كان ينبغي اتخاذها منذ فترة بعيدة. والواضح أن الهند وإندونيسيا تراقبان بحذر الوجود الصيني القوي بالمنطقة.
وكان وزيرا دفاع الهند وإندونيسيا التقيا في جاكرتا في أكتوبر (تشرين الأول) في ثاني لقاء يجمعهما خلال العام الحالي، في وقت يسعى الجانبان لتعزيز الشراكة البحرية بينهما.
وعلق د. سي. يو. بهاسكار، مدير «جمعية الدراسات السياسية» ومقرها نيودلهي، بقوله: «لا يزال من غير الواضح النتائج المحددة التي يتمخض عنها هذا الأمر، وسيكون من المهم متابعة الإطار الأوسع للعلاقات الدفاعية الثنائية».

العلاقات الهندية -الأسترالية
لفترة طويلة تجاهل الاستراتيجيون الأستراليون الهند بدرجة كبيرة. لكن مع تحول ما يدعى استراتيجية المحيط الهادي الهندي إلى شعار مهيمن على مستوى السياسة الخارجية الأسترالية، سرعان ما أصبحت نيودلهي شريكاً استراتيجياً طبيعياً وركيزة أساسية في علاقات كانبرا على مستوى المنطقة. في الوقت ذاته، دفعت قضايا بحر الصين الجنوبي والتكامل الاقتصادي الإقليمي ومبادرة «طريق الحرير الجديد» الصينية، أستراليا، نحو التعاون مع الهند باعتبار الأخيرة واحدة من الدول القليلة التي يجري النظر إليها بوصفها دولة قادرة على خلق ثقل موازن للنفوذ الصيني الإقليمي ثمة جدال دائر في أستراليا حالياً حول تدخل مشتبه فيه من جانب الحكومة الصينية في المشهد السياسي الأسترالي، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم إثارة غضب الشريك الاستثماري الأكبر للبلاد.

العلاقات الإندونيسية - الأسترالية
تتميز إندونيسيا وأستراليا بشراكة استراتيجية ثنائية شاملة فيما بينهما. وتبعاً لاتفاق هذه الشراكة، جرت العادة على أن تكون الزيارة الأولى لأي رئيس وزراء أسترالي منتخب حديثاً لإندونيسيا. وبالفعل، حرص رئيس الوزراء سكوت موريسون، الذي تولى مهام منصبه في 24 أغسطس (آب) 2018، على الالتزام بهذا التقليد. جدير بالذكر أن إندونيسيا تشمل غالبية جزر الأرخبيل القائم شمال أستراليا. كما تقع إندونيسيا عند ملتقى طرق بحرية وجوية من أستراليا إلى أوروبا، ومن أستراليا إلى الدول الآسيوية المطلة على المحيط الهادي. وبذلك، تولي أستراليا أهمية أكبر بكثير إلى إندونيسيا عما توليه الأخيرة لها.
وقد أوضح تقرير صادر عن معهد «بروكنغز الهند» أن «السياسات الصينية القوية وغياب الثقة في القيادة الأميركية خلقا خللاً كبيراً في النظام العالمي. وبالنظر إلى هذا الإطار، يظهر التعاون بين الدول صاحبة المصالح المشتركة كاستراتيجية منطقية على الصعيد الدبلوماسي».



قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.


قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
TT

قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، اليوم (السبت)، إلى نيودلهي، للمشاركة إلى جانب قادة الهند وروسيا وإيران في قمة لمجموعة بريكس تتصدرها ملفات النزاعات والتجارة والطاقة.

ويتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 2022، وما نتج عنهما من الاضطرابات في التجارة العالمية وأسعار النفط، على محادثات القمة التي تنطلق السبت وتستمر يومين.

ويشكل حضور شي بحد ذاته حدثاً مهماً؛ إذ ستكون هذه أول زيارة له إلى البلاد منذ 2019، وهي تمثل خطوة كبيرة في مسار التقارب البطيء بين البلدين المتنافسين، بعد 6 سنوات من المواجهة العسكرية الدامية التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.

أعلام دول «بريكس» في مركز المؤتمرات «بهارات ماندابام» بنيودلهي (أ.ب)

وشهدت العلاقات بين العملاقين الآسيويين المسلّحين نووياً تحسناً تدريجياً عقب موافقتهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى ومنح التأشيرات، وأكدت بكين الجمعة، أن «الصين مستعدة للعمل مع الهند من خلال تعزيز التواصل وتوطيد التعاون والتعامل مع الاختلافات وفق الأصول».

ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة يخيم إلى حد كبير على العلاقات، على وقع استمرار الخلافات الحدودية، مع احتفاظ البلدين بانتشار عسكري على طول الحدود الممتدة بينهما نحو 3500 كيلومتر عند أطراف منطقة التبت الصينية.

ويجري شي السبت، محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب «الخارجية» الهندية.

وتظاهر عشرات التبتيين في نيودلهي الجمعة، رافعين لافتات ضدّ زيارة شي، بحسب مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهم يعيشون في المنفى مثل زعيمهم الروحي الدالاي لاما الذي انتقل إلى الهند للفرار من حملة قمع صينية عام 1959.

* «بريكس» منذ 2009

أُسس منتدى «بريكس» عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى؛ البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليه سريعاً جنوب أفريقيا، وذلك خارج إطار التكتلات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، مثل مجموعة السبع.

وتوسع التكتل بعد ذلك ليشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، وغيرها.

دورية للشرطة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وقبل انعقاد القمة، استقبل مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي قال: «حين يتعرض بلد لضغوط سياسية واقتصادية على تجارته وطاقته وبناه التحتية ونظامه المالي، فإن العواقب تتخطى حدوده».

وتغلق إيران منذ اندلاع الحرب مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. وتخطى سعر برميل برنت مجدداً هذا الأسبوع عتبة 100 دولار.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق عقد في روسيا يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 (رويترز)

وتثير هذه الحرب انقساماً بين أعضاء «بريكس»؛ إذ تواصل روسيا والصين تعاملهما التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على طهران والدول المتعاملة معها في إطار حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

وقال هارش بانت المحلل في مركز «أوبزيرفر ريسيرتش فاونديشن» للدراسات القريب من الحكومة الهندية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا النزاع سيكون خط الانقسام الرئيسي خلال القمة».

ومن جهة أخرى، التقى مودي الجمعة فلاديمير بوتين، بعد 6 أشهر على آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند، وأكدت نيودلهي أنهما «تبادلا وجهات النظر» بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا، مشيرة إلى أن مودي «أكد مجدداً أن النزاعات لا تحلّ إلا بالحوار والدبلوماسية».

وتعدّ الهند حليفاً تقليدياً لموسكو وواصلت استيراد النفط الروسي رغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، بذريعة أن المداخيل النفطية تسمح لموسكو بتمويل حربها على أوكرانيا.

وساعد ذلك نيودلهي في تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.


البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

ورحبت الولايات المتحدة الشهر الماضي بحضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اجتماعاً لدول مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية، في المرة الأولى التي يحضر فيها وزير المالية الروسي المنتدى شخصياً منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وسيُعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين بشأن وفرة الطاقة من يوم الاثنين إلى الأربعاء بحضور مسؤولين أميركيين، منهم وزير الداخلية دوغ بورغم، ووزير الطاقة كريس رايت، والمسؤول في البيت الأبيض جارود أجين. ولم يذكر البيت الأبيض بعد من سيحضر اجتماع الأسبوع المقبل من الجانب الروسي، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومن المتوقع أيضاً حضور مسؤولين بقطاع الطاقة من أوروبا وآسيا. وقالت محكمة تدقيق الحسابات الأوروبية هذا الشهر إن جهود الاتحاد الأوروبي للتحرر من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين تتعثر في وقت يقترب فيه الشتاء مع وجود مخزونات غاز منخفضة بنحو غير معتاد.

وعلى الرغم من اسم الاجتماع، فإن الحربين الدائرتين في أوكرانيا وإيران جعلتا أمن الطاقة مبعث قلق للعديد من الدول، إذ سجل سعر الديزل في الولايات المتحدة رقماً غير مسبوق تجاوز ستة دولارات للغالون هذا الأسبوع، وأُغلق مضيق هرمز أيضاً بنحو شبه كامل أمام شحنات النفط والغاز الطبيعي، ويشكل بناء مراكز البيانات الأميركية ضغطاً على إمدادات الكهرباء.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إنه أجرى محادثة «رائعة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من الأسبوع، وإن الزعيم الروسي يرغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعلى الرغم من أحدث الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون إلى موسكو وكييف، يشكك مسؤولو المخابرات في الولايات المتحدة وأوكرانيا وأنحاء أوروبا في جدية بوتين في إنهاء الحرب.

ومن المرجح أن يصوت مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع مجموعة العشرين، لكن من غير المؤكد ما إذا كان مشروع القانون سيتم إقراره في ذلك المجلس مثلما حدث في مجلس الشيوخ الأميركي.

وفرضت إدارة ترمب لأول مرة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إذ حجبت المعاملات وجمدت أصول أكبر شركتين نفطيتين فيها، وهما «روسنفت» و«لوك أويل».