عشرات الضحايا بانفجار يهز العاصمة الأفغانية... و«داعش» يتبنى

الرئيس غني: الإرهابيون لن يحققوا أهدافهم المشؤومة - معارك ضارية في مناطق عدة بين القوات الحكومية و{طالبان}

تفتيش واجراءات أمنية قرب موقع التفجير الانتحاري وسط العاصمة كابل امس (أ.ب)
تفتيش واجراءات أمنية قرب موقع التفجير الانتحاري وسط العاصمة كابل امس (أ.ب)
TT

عشرات الضحايا بانفجار يهز العاصمة الأفغانية... و«داعش» يتبنى

تفتيش واجراءات أمنية قرب موقع التفجير الانتحاري وسط العاصمة كابل امس (أ.ب)
تفتيش واجراءات أمنية قرب موقع التفجير الانتحاري وسط العاصمة كابل امس (أ.ب)

هز انفجار عنيف العاصمة الأفغانية كابل بعد أن فجر انتحاري نفسه في منطقة حساسة في العاصمة مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 26 شخصا حسب دوائر الصحة والشرطة في كابل. وقال نائب الناطق باسم وزارة الداخلية الأفغانية نصرت رحيمي إن الانفجار أدى إلى مقتل ستة أشخاص وجرح عشرين آخرين، حيث جرى الانفجار أمام مدرسة الاستقلال وبمحاذاة أسوار قصر الرئاسة الأفغانية، وتقع في الشارع أيضا وزارة الخارجية الأفغانية وفندق سيرينا الذي ينزل فيه الأجانب والوفود الرسمية الزائرة لكابل.
وتبنى تنظيم داعش أمس الهجوم الانتحاري في مدينة كابل، الذي استهدف موقعاً قريباً من مظاهرة احتجاجية على هجمات طالبان ضد أقليّة الهزارة الشيعية، وتسبب بمقتل ستة أشخاص على الأقل. وأفادت وكالة أعماق في بيان نقلته حسابات المتطرفين على تطبيق تلغرام «هجوم بسترة ناسفة يضرب تجمعاً للشيعة قرب قصر الرئاسة» في مدينة كابل.
وشوهدت عشرات من سيارات الإسعاف تدوي في شوارع العاصمة كابل لنقل المصابين في الانفجار، كما أمرت الشرطة والجيش بإخلال المكاتب الرسمية القريبة من مكان الانفجار حيث شوهد العشرات من الموظفين الأفغان يهرعون في الشوارع خارجين من المكاتب المجاورة لمكان الانفجار، فيما أغلقت الشرطة كافة الطرق المؤدية لمكان الانفجار خشية وقوع تفجيرات أخرى كما حدث في السابق.
وأدان الرئيس الأفغاني محمد أشرف غني، في بيان أمس، الهجوم مشدداً على أن الإرهابيين لن يحققوا أهدافهم المشؤومة عبر الاعتداءات الإجرامية.
وقد شهدت العاصمة الأفغانية كابل أمس إجراءات أمنية مشددة وأغلقت السلطات الكثير من الشوارع الرئيسية في العاصمة إثر التجمع الاحتجاجي لنشطاء من الهزارة بأحد الميادين الرئيسية. إلى ذلك، أفاد شرطي في الموقع أنه شاهد بين 10 و15 ضحية على الأرض إضافة إلى أشلاء. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية طالبا عدم الكشف عن هويته «يصعب معرفة إن كان التفجير نتيجة هجوم انتحاري أو قنبلة» زرعت في المكان. وخرج مئات بينهم طلاب جامعيون، إلى شوارع كابل للمطالبة بنشر تعزيزات في المناطق التي يشكّل الهزارة غالبية سكّانها في ولاية غزني والتي تعرضت إلى هجمات من قبل طالبان.
وجاء الانفجار بعد مظاهرات قام بها أبناء الأقلية الشيعية الليلة الماضية أمام القصر الرئاسي استنكارا لما جرى في ولاية غزني من معارك بين قوات طالبان وميليشيات شيعية مؤيدة للحكومة حيث قتل فيها العشرات من أنصار الحكومة. كما شهدت بعض شوارع العاصمة كابل صباح الاثنين مظاهرات أغلقت لأجلها الشرطة عددا من الشوارع الرئيسية في العاصمة مما تسبب في اختناقات مرورية، ومحاولة الكثيرين الخروج من وسط العاصمة تخوفا من وقوع أعمال عنف بين المتظاهرين والشرطة أو تحسبا لأي انفجارات قد تصاحب المظاهرات. وطالب المتظاهرون الشيعة الرئيس أشرف غني بإصدار مرسوم رئاسي يطالب بالقضاء على طالبان واستئصالهم. وكانت القوات الحكومية خسرت العشرات من أفرادها في قتال ضار جرى بينها وبين قوات طالبان في عدد من الولايات خاصة غزني وأروزجان.
وقال النائب علي أكبر قاسمي، بأن القتال طوال الساعات الأربع والعشرين الماضية تركز في منطقة جاغوري في غزني. ونقلت «أسوشييتد برس» عن قائد الجيش الأفغاني الجنرال محمد شريف يفتالي، أن القتال في جاغوري لا يزال محتدما، وأن القوات الحكومية تكبدت خسائر بشرية. وامتنع عن ذكر تفاصيل أو عدد القتلى. وقال مسؤولون أمس إن قوات الأمن الأفغانية تكبدت خسائر بالعشرات في قتال عنيف بعدما صعد مقاتلو حركة طالبان الضغوط على جبهة القتال في وقت تجري فيه مساع لتسوية سياسية مع الولايات المتحدة. وقال مسؤولون محليون إن نحو 50 من أفراد الأمن قُتلوا في هجمات مساء أمس الأحد شنها مقاتلو طالبان على نقاط تفتيش حول مدينة فراه في جنوب غربي البلاد والمناطق المحيطة بها حيث نشب قتال استمر ساعات.
وفي الوقت نفسه قتل نحو 25 من أفراد القوات الخاصة في إقليم غزني في وسط البلاد حيث كانت طالبان تقاتل ميليشيا من الهزارة الشيعة في منطقتي ماليستان وجاغوري في صراع ذي صبغة عرقية بين الهزارة والبشتون. وقال محمد شرف يفتالي قائد هيئة الأركان العامة بجيش أفغانستان للصحافيين «أُرسلت قوات جديدة إلى ماليستان وجاغوري لكن الناس يتعاونون كذلك وتصدوا للمسلحين». وأضاف أن بعضا من أفراد القوات الخاصة سقطوا بين قتيل وجريح وقال قادة عسكريون أميركيون إنهم يتوقعون أن تكثف طالبان جهودها العسكرية لتأمين أفضل وضع ممكن مع الإبقاء على الاتصالات مع زلماي خليل زاد المبعوث الأميركي الخاص، التي تهدف إلى بدء مفاوضات سلام.
واجتمع خليل زاد وهو أفغاني المولد عمل سفيرا للولايات المتحدة لدى كابل، مع الرئيس أشرف غني وغيره من المسؤولين في مطلع الأسبوع في أحدث جولة اجتماعات بعد لقاء أولي الشهر الماضي مع مسؤولين من طالبان في قطر، لكن قتال الأمس ألقى الضوء على الضغوط التي تتعرض لها القوات الأفغانية التي تتكبد أعلى معدلات الخسائر في تاريخها وفقا لتقديرات بعثة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلسي.
ولم تعد الحكومة تصدر أعداد القتلى بدقة لكن مسؤولين يقولون إن 500 شخص على الأقل يقتلون شهريا ومئات يصابون بجروح وهو رقم يعتبره الكثيرون أقل من الواقع. وتقع غزني، التي اجتاحها مقاتلو طالبان لفترة وجيزة في أغسطس (آب) آب، على الطريق السريع بين العاصمة كابل ومدينة قندهار في الجنوب. وهي كذلك تعد بوابة لإقليم هزارا جات في وسط البلاد الذي تقطنه أغلبية من الهزارة. وقال مسؤولون أمنيون إن قتالا عنيفا في ماليستان أسقط أعدادا كبيرة من القتلى من بين أفراد القوات الخاصة غير المعتادين على طبيعة المكان بعد تعرضهم لهجوم شنته طالبان. وأثار القتال في غزني مظاهرات في كابل وغزني نظمها الهزارة للمطالبة بمساعدة أكبر من الحكومة.
وقال شاه محمود رحيمي نائب رئيس المجلس المحلي في فراه إن مقاتلي طالبان هاجموا مدينة فراه ونقاط تفتيش في منطقتي خاك سفيد وبالا بولوك في وقت متأخر من مساء أول من أمس. وأضاف أن 45 من أفراد الشرطة المحلية قتلوا في هذا القتال إلى جانب خمسة جنود. وأكد محب الله محب المتحدث باسم الشرطة المحلية الهجوم على عدة نقاط تفتيش وأضاف أن أحد قادة طالبان وخمسة من مقاتليه قتلوا لكنه قال إنه ليس لديه معلومات عن عدد القتلى. وتتعرض فراه، النائية قليلة السكان التي تقع على خط تهريب إلى إيران المجاورة، لضغوط كبيرة من طالبان التي تسيطر على الكثير من مناطق الريف والتي اجتاحت المدينة لفترة وجيزة في مايو (أيار) الماضي.
وفي بيان للجيش الأفغاني قال فيلق الجيش في الشمال الأفغاني إن ستة وخمسين من مقاتلي طالبان قتلوا أو جرحوا في مواجهات مع قوات الجيش الأفغاني في ولاية قندوز المحاذية لطاجيكستان حيث وقعت مواجهات ضخمة بين قوات الجيش وقوات طالبان في مديرية دشتي أرتشي، وفي بيان آخر للجيش قال إنه قتل خمسة وعشرين من مسلحي طالبان بقصف مدفعي وجوي على أماكن تواجدهم في مناطق مختلفة من الشمال الأفغاني».
من جانبها تحدثت حركة طالبان عن معارك ومواجهات دامية بين قواتها والجيش الأفغاني في عدد من الولايات. فقد أصدرت طالبان بيانا عن المعارك في ولاية أوروزجان أن قوات الحركة هاجمت عددا من المواقع العسكرية للقوات الحكومية في مدينة ترين كوت مركز الولاية وأسفرت هذه المعارك عن مقتل 30 من القوات الحكومية وسيطرة طالبان على خمسة مراكز ونقاط تفتيش أمنية كانت بيد القوات الحكومية. وفي بيان آخر لطالبان قالت إن قوات الحكومة أجبرت على التراجع عن مناطق واسعة في مديرية دولت آباد في ولاية بلخ الشمالية بعد معارك مع قوات طالبان في تالي جاك وكوري جاك، كما أشار بيان آخر للحركة إلى مقتل أربعة عشر من القوات الحكومية في ولاية بغلان شمال العاصمة كابل كما تمكنت قوات طالبان من أسر جنديين حكوميين، كما شهدت ولاية بادغيس شمال غربي أفغانستان اشتباكات دامية بين قوات طالبان والقوات الحكومية الأفغانية أسفرت حسب بيان لطالبان علن سيطرة قواتها على نقطتي تفتيش قريبتين من منطقة سانغ أتيش.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.