«لا أحد ينام في المنامة»... حفر في الذاكرة وصولاً إلى التعددية

نادر كاظم يبحث عن سيرة «جوهرة الخليج» من مرفأ ساحلي إلى مدينة عالمية

الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
TT

«لا أحد ينام في المنامة»... حفر في الذاكرة وصولاً إلى التعددية

الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم

بعد انقطاع عشر سنوات، يعود الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم مجدداً إلى الكتابة عن الشأن البحريني، ومن بوابة المنامة، عاصمة البحرين، هذه المرة. يُذكر أن آخر اهتمام لنادر كاظم بالشأن البحريني يعود إلى عام 2008، عندما صدر كتابه المثير للجدل «استعمالات الذاكرة: في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ»، إلا أن كتابه الراهن «لا أحد ينام في المنامة» الذي صدر قبل أيام قليلة عن دار «سؤال» في بيروت، يبدو مغايراً عن كل اشتغالات نادر كاظم السابقة؛ فقد كرّس في هذا الكتاب كل ما استطاع من حفر في الأرشيفات وفحص للخرائط وإحصاءات النفوس وكتب الرحالة وذاكرة الناس الأحياء، من أجل تقديم تاريخ شامل للمكان وناسه. إنه أكبر هدية تُقدَّم للمنامة كمكان وتاريخ وذاكرة.
وإذا كان عنوان الكتاب يدور حول المنامة التي لا تنام ولا ينام فيها أحد، فإن محتوى الكتاب يحمل طموحاً أكبر، ذلك أن إعادة تكوين السياق التاريخي لمدينة مهمة مثل المنامة، يتطلب أن تضعها في مكانها الحقيقي في سياق تطوُّر جزر البحرين والساحل العربي للخليج.
يضعنا كتاب نادر كاظم وجهاً لوجه أمام هذه الأسئلة: هل يمكن لتاريخ مدينة أن يجسّد تاريخ المكان وناسه وأشيائه؟ وهل يمكن قراءة تاريخ تشكل دولة مثل مملكة البحرين من خلال تاريخ تشكل مدينة مثل المنامة؟ وهل يمكن قراءة التحولات التي عرفها الخليج، طوال قرون، من خلال قراءة تاريخ التحولات التي عرفتها مدينة المنامة؟
هذه مهمة كبيرة، بل إنها قد تصل إلى حدّ المغامرة، إلا أنها مغامرة تستحق، والكتاب الذي بين أيدينا يدعونا إلى خوضها من خلال الحفر في ثنايا الماضي وطبقاته وتواريخه التي تراكمت طبقةً... طبقة، منذ ظهور المنامة كميناء رئيسي لجزيرة البحرين في القرن الرابع عشر الميلادي، حتى الوقت الراهن، مروراً بكل طبقات التاريخ التي كانت تواصل سيرورة ترسبّها التدريجي كما يحدث في طبقات الأرض وأعماق البحار ورواسب الأنهار.
وسوف يجد القارئ نفسه أمام عمل كبير يسعى إلى إعادة تركيب تواريخ المدينة المتناثرة ومصائرها المفتوحة، من تاريخ الوثائق والسجلات إلى ذاكرة الخرائط الاستعمارية، إلى ذاكرة إحصاءات النفوس والانتخابات وصور المكان وأشيائه، إلى مدونات الرحلات والأسفار، إلى مصادر التاريخ المحلي وحولياته، إلى مقابلات شخصية كثيرة أُجرِيت مع أهل المنامة.

سيرة المدينة
ويستعين الكتاب بكل هذه التواريخ بحثاً عن سيرة المدينة وهي تتشكل تدريجياً، وتتطور من مرفأ رئيسي إلى قرية صغيرة إلى مدينة ساحلية تجارية بملامح عالمية (كوزموبوليتانية)، ثم إلى مدينة عربية (عروبية) إبان المدّ القومي الناصري في الخمسينات، وأخيراً إلى مدينة عتيقة وبدت عليها كثير من ملامح التقادم والشيخوخة، مدينة تكافح من أجل البقاء بعد أن أصبحت مركزاً للعديد من القوى والفعاليات المتناقضة.
يتألَّف الكتاب من أربعة أقسام كبيرة، وكل قسم يتفرع إلى فصول كثيرة، حيث يدور القسم الأول حول ميلاد المنامة كميناء وسوق رئيسية تمكن من مركزة الأسواق الصغيرة والمتناثرة حول جزر البحرين، وكون النواة الأولى للمنامة كمدينة أخذت تتطور مع الزمن لتتحول من قرية صغيرة إلى مدينة ساحلية يتعاظم ازدهارها مع ازدهار تجارة اللؤلؤ حول العالم. وقد كوّنت المنامة، إبان ازدهار تجارة اللؤلؤ في القرن التاسع عشر، الوسط المديني الذي تخلّق داخله مجتمع المنامة المتنوع والمتسامح والمنفتح، وهو المجتمع الذي تعايش مع إثنيات وديانات شتى من الهندوس واليهود والمسيحيين والبهرة والصابئة والبهائيين وغيرهم. ويولي هذا القسم اهتماماً خاصاً لنشأة المنامة كسوق رئيسية للجزر، فبعد أن كانت أسواق اللؤلؤ وأسواق الأقمشة وجذوع النخيل والتمور ومجمل الإنتاج الزراعي والحيواني مجزّأة وموزّعة على أكثر من بلدة وقرية، فإذا بالمنامة تمركز كل هذه الأسواق في مكان واحد، وفي سوق تشق المنامة القديمة بصورة رأسية، تبدأ من مينائها وتنتهي عند أحيائها السكنية الجنوبية، ومتفرعة بين ذلك، ذات اليمين وذات الشمال. ويبدو أن مركزة هذه الأسواق في سوق رئيسية واحدة قد تطورت بشكل تدريجي حتى إذا وصلنا إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وجدنا أنفسنا أمام سوق المنامة الرئيسية التي هي مَرْكَز كل الأسواق المتناثرة، بعد أن تحولت المنامة إلى «مدينة التجار»، وتحوّل ميناؤها إلى الميناء الرئيسي في الجزيرة.

المدينة الكوزموبوليتانية
يفضي بنا ذلك إلى القسم الثاني من الكتاب، الذي يدور حول تحوّل المنامة إلى مدينة العالم، المدينة الكوزموبوليتانية وجوهرة مدن الخليج التي طورت صياغتها الخاصة لفن التعايش وفن العيش مع الأجانب. وقد صنع تجار المنامة هذا الوسط الكوزموبوليتاني الذي ميّز المدينة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أفول حقبة اللؤلؤ أواخر العشرينات من القرن العشرين. وقد تكامل هذا الوسط مع تحويل المنامة إلى مدينة على الطراز الكولونيالي، وذلك منذ إنشاء دار الاعتماد البريطاني كمعلم أساسي في المدينة بين عامي 1901 و1902.
أما القسم الثالث، الذي أعطى الكتاب عنوانه الذي لا يخلو من مفارقة: «لا أحد ينام في المنامة»، فيدور حول منامة الخمسينات والستينات والسبعينات، حيث سيجد القارئ نفسه أمام مناخ ثقافي واجتماعي مغاير لما كان عليه الوضع قبل ذلك، وهو مناخ ينهض أساساً على الجرأة والتحرر والتمرد ولم يكن بمنأى عن ثقافة الاستعراض أو صناعة الترفيه. وفي الوقت الذي كانت منامة الخمسينات تتألق كـ«شانزليزيه الخليج»، وفي الوقت الذي كانت صناعة الترفيه الشبابية في أوج ازدهارها في السينما والمقاهي والسلع الاستهلاكية المتنوعة، في هذا الوقت، بالذات، كانت المنامة تتحول، كذلك، إلى ميدان أساسي للنشاط السياسي لشباب الطبقة الوسطى الغاضبين والمتمردين والمتأثرين بالآيديولوجيات الجديدة القومية منها - القوميين العرب، والناصرية، والبعثية - والشيوعية، الذين انخرطوا في اعتصامات واجتماعات هيئة الاتحاد الوطني الحاشدة خلال عامي 1954 و1956، لقد كانت المنامة ميدان التناقضات آنذاك.

المنامة القديمة
ويتكرس القسم الرابع، وهو أطول أقسام الكتاب، على قراءة التحولات التي غيّرت المنامة القديمة منذ منتصف السبعينات حتى الوقت الراهن. وهو تغيّر أسهمت فيه عوامل كثيرة من الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينات، إلى نمو تيارات الإسلام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، إلى التوسع العمراني الكبير والمتسارع الذي خنق المدينة القديمة، وابتلع واجهتها البحرية بالكامل بعد أن تحولت هذه الواجهة إلى منطقة جذب للعديد من الاستثمارات والمشاريع الكبرى من مرفأ البحرين المالي (الذي حل محل فرضة المنامة) إلى خليج البحرين ومجمع الأفنيوز وجزيرة الريف. ولا يمكن أن ننسى تأثيرات العولمة التي حرّرت الاستثمارات من الكثير من القيود والحواجز، كما حرّرت سوق العمل بما فتح الباب واسعاً أمام العمالة الأجنبية الفقيرة وغير المدرّبة ومن أبناء الطبقة الوسطى لتزحف فارضة وجودها المهيمن وهي تتمدد على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها.
كيف يمكن تصنيف هذا الكتاب؟ الثابت أننا أمام كتاب متشعب وعصي على التصنيف، فهذا ليس كتاباً عن تاريخ تكوّن المدينة وحسب، ولا هو عن سوسيولوجيا المدينة، ولا عن تاريخ أفكار سكان المدينة وآيديولوجياتهم وأمزجتهم، ولا هو عن جغرافيا المدينة وطوبوغرافيتها وتخطيطها، ولا عن خصوصية المدينة الكولونيالية (الاستعمارية) أو ما بعد الكولونيالية، ولا عن حياة المدينة وهي تتشكل في تفاعل معقَّد بين الإنسان وحاجاته والبيئة المادية وأشيائها ومعطياتها، ولا هو عن سوسيولوجيا الخليج وما آلت إليه المدينة الخليجية الحديثة بعد الطفرة النفطية، ولا عن أخلاقيات التعايش وفن العيش مع الغرباء في المدينة المعولمة، بل هو عن كل ذلك مجتمعاً في توليفة خاصة، وبمقاربة متعددة المداخل وعصيّة على التصنيف. وعلى القارئ أن يحضّر نفسه لتطواف واسع، ورحلة ستكون شاقة، لكنها ستكون ثرية وشائقة. وهي رحلة ستضع القارئ وجهاً لوجه مع ذاكرة ثرية؛ ذاكرة المنامة وذاكرة البحرين الحديثة والوسيطة، ذاكرة التنوع والامتزاج بين إثنيات وجماعات دينية ومذهبية، وهي ذاكرة لا تقبل الاختزال والتبسيط في هوية إثنية أو دينية أو مذهبية واحدة. إنها ذاكرة مدينة كانت، في يوم من الأيام، مدينة العالم التي كانت «للبشر من كل الدنيا».



«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.