«لا أحد ينام في المنامة»... حفر في الذاكرة وصولاً إلى التعددية

نادر كاظم يبحث عن سيرة «جوهرة الخليج» من مرفأ ساحلي إلى مدينة عالمية

الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
TT

«لا أحد ينام في المنامة»... حفر في الذاكرة وصولاً إلى التعددية

الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم
الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم

بعد انقطاع عشر سنوات، يعود الباحث البحريني الدكتور نادر كاظم مجدداً إلى الكتابة عن الشأن البحريني، ومن بوابة المنامة، عاصمة البحرين، هذه المرة. يُذكر أن آخر اهتمام لنادر كاظم بالشأن البحريني يعود إلى عام 2008، عندما صدر كتابه المثير للجدل «استعمالات الذاكرة: في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ»، إلا أن كتابه الراهن «لا أحد ينام في المنامة» الذي صدر قبل أيام قليلة عن دار «سؤال» في بيروت، يبدو مغايراً عن كل اشتغالات نادر كاظم السابقة؛ فقد كرّس في هذا الكتاب كل ما استطاع من حفر في الأرشيفات وفحص للخرائط وإحصاءات النفوس وكتب الرحالة وذاكرة الناس الأحياء، من أجل تقديم تاريخ شامل للمكان وناسه. إنه أكبر هدية تُقدَّم للمنامة كمكان وتاريخ وذاكرة.
وإذا كان عنوان الكتاب يدور حول المنامة التي لا تنام ولا ينام فيها أحد، فإن محتوى الكتاب يحمل طموحاً أكبر، ذلك أن إعادة تكوين السياق التاريخي لمدينة مهمة مثل المنامة، يتطلب أن تضعها في مكانها الحقيقي في سياق تطوُّر جزر البحرين والساحل العربي للخليج.
يضعنا كتاب نادر كاظم وجهاً لوجه أمام هذه الأسئلة: هل يمكن لتاريخ مدينة أن يجسّد تاريخ المكان وناسه وأشيائه؟ وهل يمكن قراءة تاريخ تشكل دولة مثل مملكة البحرين من خلال تاريخ تشكل مدينة مثل المنامة؟ وهل يمكن قراءة التحولات التي عرفها الخليج، طوال قرون، من خلال قراءة تاريخ التحولات التي عرفتها مدينة المنامة؟
هذه مهمة كبيرة، بل إنها قد تصل إلى حدّ المغامرة، إلا أنها مغامرة تستحق، والكتاب الذي بين أيدينا يدعونا إلى خوضها من خلال الحفر في ثنايا الماضي وطبقاته وتواريخه التي تراكمت طبقةً... طبقة، منذ ظهور المنامة كميناء رئيسي لجزيرة البحرين في القرن الرابع عشر الميلادي، حتى الوقت الراهن، مروراً بكل طبقات التاريخ التي كانت تواصل سيرورة ترسبّها التدريجي كما يحدث في طبقات الأرض وأعماق البحار ورواسب الأنهار.
وسوف يجد القارئ نفسه أمام عمل كبير يسعى إلى إعادة تركيب تواريخ المدينة المتناثرة ومصائرها المفتوحة، من تاريخ الوثائق والسجلات إلى ذاكرة الخرائط الاستعمارية، إلى ذاكرة إحصاءات النفوس والانتخابات وصور المكان وأشيائه، إلى مدونات الرحلات والأسفار، إلى مصادر التاريخ المحلي وحولياته، إلى مقابلات شخصية كثيرة أُجرِيت مع أهل المنامة.

سيرة المدينة
ويستعين الكتاب بكل هذه التواريخ بحثاً عن سيرة المدينة وهي تتشكل تدريجياً، وتتطور من مرفأ رئيسي إلى قرية صغيرة إلى مدينة ساحلية تجارية بملامح عالمية (كوزموبوليتانية)، ثم إلى مدينة عربية (عروبية) إبان المدّ القومي الناصري في الخمسينات، وأخيراً إلى مدينة عتيقة وبدت عليها كثير من ملامح التقادم والشيخوخة، مدينة تكافح من أجل البقاء بعد أن أصبحت مركزاً للعديد من القوى والفعاليات المتناقضة.
يتألَّف الكتاب من أربعة أقسام كبيرة، وكل قسم يتفرع إلى فصول كثيرة، حيث يدور القسم الأول حول ميلاد المنامة كميناء وسوق رئيسية تمكن من مركزة الأسواق الصغيرة والمتناثرة حول جزر البحرين، وكون النواة الأولى للمنامة كمدينة أخذت تتطور مع الزمن لتتحول من قرية صغيرة إلى مدينة ساحلية يتعاظم ازدهارها مع ازدهار تجارة اللؤلؤ حول العالم. وقد كوّنت المنامة، إبان ازدهار تجارة اللؤلؤ في القرن التاسع عشر، الوسط المديني الذي تخلّق داخله مجتمع المنامة المتنوع والمتسامح والمنفتح، وهو المجتمع الذي تعايش مع إثنيات وديانات شتى من الهندوس واليهود والمسيحيين والبهرة والصابئة والبهائيين وغيرهم. ويولي هذا القسم اهتماماً خاصاً لنشأة المنامة كسوق رئيسية للجزر، فبعد أن كانت أسواق اللؤلؤ وأسواق الأقمشة وجذوع النخيل والتمور ومجمل الإنتاج الزراعي والحيواني مجزّأة وموزّعة على أكثر من بلدة وقرية، فإذا بالمنامة تمركز كل هذه الأسواق في مكان واحد، وفي سوق تشق المنامة القديمة بصورة رأسية، تبدأ من مينائها وتنتهي عند أحيائها السكنية الجنوبية، ومتفرعة بين ذلك، ذات اليمين وذات الشمال. ويبدو أن مركزة هذه الأسواق في سوق رئيسية واحدة قد تطورت بشكل تدريجي حتى إذا وصلنا إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وجدنا أنفسنا أمام سوق المنامة الرئيسية التي هي مَرْكَز كل الأسواق المتناثرة، بعد أن تحولت المنامة إلى «مدينة التجار»، وتحوّل ميناؤها إلى الميناء الرئيسي في الجزيرة.

المدينة الكوزموبوليتانية
يفضي بنا ذلك إلى القسم الثاني من الكتاب، الذي يدور حول تحوّل المنامة إلى مدينة العالم، المدينة الكوزموبوليتانية وجوهرة مدن الخليج التي طورت صياغتها الخاصة لفن التعايش وفن العيش مع الأجانب. وقد صنع تجار المنامة هذا الوسط الكوزموبوليتاني الذي ميّز المدينة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أفول حقبة اللؤلؤ أواخر العشرينات من القرن العشرين. وقد تكامل هذا الوسط مع تحويل المنامة إلى مدينة على الطراز الكولونيالي، وذلك منذ إنشاء دار الاعتماد البريطاني كمعلم أساسي في المدينة بين عامي 1901 و1902.
أما القسم الثالث، الذي أعطى الكتاب عنوانه الذي لا يخلو من مفارقة: «لا أحد ينام في المنامة»، فيدور حول منامة الخمسينات والستينات والسبعينات، حيث سيجد القارئ نفسه أمام مناخ ثقافي واجتماعي مغاير لما كان عليه الوضع قبل ذلك، وهو مناخ ينهض أساساً على الجرأة والتحرر والتمرد ولم يكن بمنأى عن ثقافة الاستعراض أو صناعة الترفيه. وفي الوقت الذي كانت منامة الخمسينات تتألق كـ«شانزليزيه الخليج»، وفي الوقت الذي كانت صناعة الترفيه الشبابية في أوج ازدهارها في السينما والمقاهي والسلع الاستهلاكية المتنوعة، في هذا الوقت، بالذات، كانت المنامة تتحول، كذلك، إلى ميدان أساسي للنشاط السياسي لشباب الطبقة الوسطى الغاضبين والمتمردين والمتأثرين بالآيديولوجيات الجديدة القومية منها - القوميين العرب، والناصرية، والبعثية - والشيوعية، الذين انخرطوا في اعتصامات واجتماعات هيئة الاتحاد الوطني الحاشدة خلال عامي 1954 و1956، لقد كانت المنامة ميدان التناقضات آنذاك.

المنامة القديمة
ويتكرس القسم الرابع، وهو أطول أقسام الكتاب، على قراءة التحولات التي غيّرت المنامة القديمة منذ منتصف السبعينات حتى الوقت الراهن. وهو تغيّر أسهمت فيه عوامل كثيرة من الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينات، إلى نمو تيارات الإسلام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، إلى التوسع العمراني الكبير والمتسارع الذي خنق المدينة القديمة، وابتلع واجهتها البحرية بالكامل بعد أن تحولت هذه الواجهة إلى منطقة جذب للعديد من الاستثمارات والمشاريع الكبرى من مرفأ البحرين المالي (الذي حل محل فرضة المنامة) إلى خليج البحرين ومجمع الأفنيوز وجزيرة الريف. ولا يمكن أن ننسى تأثيرات العولمة التي حرّرت الاستثمارات من الكثير من القيود والحواجز، كما حرّرت سوق العمل بما فتح الباب واسعاً أمام العمالة الأجنبية الفقيرة وغير المدرّبة ومن أبناء الطبقة الوسطى لتزحف فارضة وجودها المهيمن وهي تتمدد على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها.
كيف يمكن تصنيف هذا الكتاب؟ الثابت أننا أمام كتاب متشعب وعصي على التصنيف، فهذا ليس كتاباً عن تاريخ تكوّن المدينة وحسب، ولا هو عن سوسيولوجيا المدينة، ولا عن تاريخ أفكار سكان المدينة وآيديولوجياتهم وأمزجتهم، ولا هو عن جغرافيا المدينة وطوبوغرافيتها وتخطيطها، ولا عن خصوصية المدينة الكولونيالية (الاستعمارية) أو ما بعد الكولونيالية، ولا عن حياة المدينة وهي تتشكل في تفاعل معقَّد بين الإنسان وحاجاته والبيئة المادية وأشيائها ومعطياتها، ولا هو عن سوسيولوجيا الخليج وما آلت إليه المدينة الخليجية الحديثة بعد الطفرة النفطية، ولا عن أخلاقيات التعايش وفن العيش مع الغرباء في المدينة المعولمة، بل هو عن كل ذلك مجتمعاً في توليفة خاصة، وبمقاربة متعددة المداخل وعصيّة على التصنيف. وعلى القارئ أن يحضّر نفسه لتطواف واسع، ورحلة ستكون شاقة، لكنها ستكون ثرية وشائقة. وهي رحلة ستضع القارئ وجهاً لوجه مع ذاكرة ثرية؛ ذاكرة المنامة وذاكرة البحرين الحديثة والوسيطة، ذاكرة التنوع والامتزاج بين إثنيات وجماعات دينية ومذهبية، وهي ذاكرة لا تقبل الاختزال والتبسيط في هوية إثنية أو دينية أو مذهبية واحدة. إنها ذاكرة مدينة كانت، في يوم من الأيام، مدينة العالم التي كانت «للبشر من كل الدنيا».



في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
TT

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

رغم هيمنة الآلات الكهربائية اليوم، تتمسَّك النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا بمزيج من الممارسات التقليدية المتوارثة عن السكان الأصليين والإسبان، لابتكار أعمال فنية تحمل لمسة حديثة مدهشة.

أثناء جلوسها أمام نولها على سطح منزلها في موكوتشيس، وهي بلدة تقع على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية، استذكرت مارغريتا مورا صباح أحد الأيام عندما كانت في الخامسة من عمرها تقريباً. آنذاك، كانت تتولى توصيل بعض الصوف الذي غزلته والدتها إلى نسَّاج محلي في بلدة ميتيفيفو القريبة. وهناك كان أول لقاء لها مع النول نفسه، الذي سيرافقها لعقود طويلة.

المهنة هذه لم تجعلها ثرية لكنَّها أبقتها على قيد الحياة (نيويورك تايمز)

وقالت خلال مقابلة أُجريت في منزلها عام 2024: «زرع هذا النول في داخلي سعادة غامرة. وعندما تعلمت النسيج، تمكنت من شراء ملابسي وأحذيتي بنفسي».

وهكذا اكتشفت مورا الحرفة التي كرَّست حياتها لها. ففي ذلك الوقت، كانت ميتيفيفو مستوطنة نائية لا تضم سوى بضع عائلات، تقع حيث تلتقي الجبال بالسماء، وهناك بدأت مورا بيع منسوجاتها.

وفي حين حلّت الآلات الكهربائية محل تقنيات النسيج التقليدية في معظم أنحاء العالم، ظلت مورا، البالغة من العمر 91 عاماً، وهي امرأة صغيرة البنية تلف الأوشحة حول وجهها الذي أثرت فيه عوامل الطقس، متمسكة بمزيج من التقاليد الأصلية للسكان الأصليين والتقاليد الإسبانية.

وبفضل منسوجاتها، حظيت بشهرة متواضعة في فنزويلا. وعلى مدى سنوات، عملت معلمة في مدرسة موكونوك للتجارة والفنون والحرف اليدوية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والترويج لها. وفي عام 2008، تصدَّر وجهها لوحة إعلانية ضخمة على واجهة مركز مؤتمرات يستضيف معرضاً فنياً في مدينة ميريدا، الواقعة جنوب غربي موكوتشيس، إلى جانب صورتين لنسَّاجتين أخريين والرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما حصلت على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة.

بلدة موكوتشيس الواقعة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية حيث تعيش مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

وكان أول معرض جماعي شاركت فيه مورا، إلى جانب نسَّاجات أخريات من المنطقة، عام 1979 في كاراكاس. ومع ذلك، لم تُعرض أعمالها ضمن سياق الفن المعاصر إلا في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه فن النسيج يحظى بحضور متزايد في مؤسسات كبرى، مثل معهد شيكاغو للفنون والمعرض الوطني للفنون في واشنطن.

فعند سحب المشط، تُشد الخيوط الأفقية بإحكام على القماش قيد النسج لتكوين نسيج كثيف يتحول إلى قطعة مزخرفة أو بطانية أو سجادة أو أي منتج آخر. وتمتاز الأنماط التي تبتكرها مورا بطابع هندسي وتجريدي، وتضم زخارف مستوحاة من حياتها اليومية، مثل الأيدي والفراشات والمقصات والفؤوس.

من جانبها، ترى لين كوك، كبيرة أمناء الفن الحديث والمعاصر السابقة في المتحف الوطني للفنون في واشنطن، أن مورا «تمتلك موهبة استثنائية».

وقالت كوك في مقابلة حديثة إن تصاميم مورا «تختلف بشكل دقيق عن الأنماط الهندسية المتكررة»، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال «التباينات اللونية القوية بين الصوف الداكن والفاتح الذي تحصل عليه محلياً».

ولسنوات طويلة، ربّت مورا أغناماً من سلالتي ميرينو وكريولو. أما اليوم، فهي تشتري أكياس الصوف من المزارعين في المناطق المحيطة وتخزنها على سطح منزلها. وإذا كان لديها حجم كبير من العمل، فإنها تشتري الصوف المغزول من ابن عمها. كما تتولى تمشيط الصوف يدوياً، وفك تشابكه، وترتيب أليافه استعداداً للغزل.

حصلت مارغريتا على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة (نيويورك تايمز)

وعادة ما يستغرق إنجاز قطعة كبيرة ما بين شهرين و3 أشهر، وتشمل العملية الغسل والصباغة والغزل والنسيج. ونظراً لعدم إمكانية الاعتماد على توفر الكهرباء والمياه الجارية بصورة مستمرة، فإن العملية تتم يدوياً بالكامل وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف الجوية؛ فإذا هطلت أمطار غزيرة بعد غسل الصوف، فلن تجف الألياف.

وقال المهندس المعماري البريطاني - الفنزويلي جيمي ألكوك، الذي يزخر منزله الريفي في ميتيفيفو بالسجاد والبطانيات والأثاث المنجّد من صنع مورا: «تركت مارغريتا إرثاً من المهارة والحكمة في استخدام المواد الأساسية».

وفي المقابل، حرصت مورا على نقل خبرتها إلى الأجيال التالية من عائلتها، التي شيدت استوديو على سطح منزلها في موكوتشيس، يضم 8 أنوال. وعن ذلك تقول: «إن نقل الإرث أمر مجزٍ للغاية».

وتعمل ابنتها أسونسيون رانجيل، البالغة من العمر 53 عاماً، في حرفة النسيج حالياً، بعدما كانت مسؤولة عن غسل الصوف وتجفيفه وتمشيطه لوالدتها. كما يعمل اثنان من أحفاد مورا الستة، هما دانييل كاستيلو (23 عاماً) وفابيان رانجيل (22 عاماً)، في هذه الحرفة.

وقالت مورا، في إشارة إلى النسيج: «ما دمت أمارس هذه المهنة، فأنا سعيدة. إنها مهنة لم تجعلني ثرية، لكنها أبقتني على قيد الحياة طوال حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
TT

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

بعد غياب طويل، استقرت مومياء الفتاة «تخرخوري»، إحدى «أهم المكتشفات الأثرية المرتبطة بتاريخ الصحراء الليبية في عصور ما قبل التاريخ»، أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.

والمومياء «تخرخوري» التي يقدر عمرها «بنحو 7000 سنة، وتعود إلى فتاة «كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها»؛ عدّتها وزارة الثقافة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (الأحد) «شاهداً استثنائياً على فترة مناخية مهمة شهدتها الصحراء الليبية خلال العصور المطيرة، ما يمنحها قيمة علمية وتاريخية كبيرة في دراسة حياة الإنسان القديم بالمنطقة».

وسبق أن اكتُشفت المومياء عام 2003، حسب الوزارة، ثم نقلت إلى معامل جامعة «روما لا سابينزا» عام 2004 لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها؛ لكن «بسبب نقص الدعم خلال السنوات الماضية تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم وإعادتها إلى ليبيا».

وعانى الموروث الأثري في ليبيا من عمليات سرقة واسعة وإهمال منذ عشرات السنين، ما عرضه للنهب المنظم خلال الأعوام التي تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي بواسطة عصابات تستهدف التنقيب عن القطع الأثرية وتهريبها. رغم ذلك يعيد مواطنون بمحض إرادتهم بعض القطع التاريخية التي تقع في أيديهم «متغاضين عن ملايين الدولارات التي قد تُعرض عليهم».

رأس تمثال «فاوستينا» ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس استعادته ليبيا مارس 2021 (الخارجية الليبية بغرب البلاد)

وسبق أن استعادت ليبيا في مارس (أذار) 2021 من النمسا رأس تمثال رخامي نادر للسيدة «فاوستينا»، ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس، والإمبراطورة فوستينا (الكبرى)، وذلك بعد 75 عاماً من تهريبه إلى خارج البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ويعود أصل التمثال للعصر الأنطوني.

وأسفر التعاون الليبي-الإيطالي عن النجاح في إعادة المومياء، الأمر الذي أعدته حكومة «الوحدة» خطوة من قبلها في «دعم قطاع الآثار والمحافظة على التراث الثقافي الوطني لتعود المومياء إلى أرض الوطن بعد سنوات من الدراسات والأعمال الفنية المتخصصة».

ونوهت وزارة الثقافة أنه «سيقام في 30 يوليو (تموز) المقبل احتفال بمناسبة استلام المومياء، وافتتاح المعرض المصاحب لها بقاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني حيث ستعرض للجمهور لعدة أشهر قبل انتقالها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف».

ونجحت الجهود التي تبذلها السفارات الليبية في الخارج بالتعاون مع المختصين المحليين في إعادة عدد من القطع المنهوبة أو التي كانت تخضع للترميم. وسبق أن تسلمت ليبيا مجموعة من القطع الأثرية كانت مهربة إلى دولة إيطاليا، في سابقة وصفت بأنها الأولى من نوعها.


عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
TT

عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)

تخطو العاصمة اليمنية المؤقتة عدن نحو استعادة دورها الثقافي والفني، مع إعلان إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، بالتوازي مع مشروع لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في المدينة، في إطار مساعٍ رسمية ومجتمعية لإحياء قطاع ثقافي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب والصراع.

وتراهن السلطات الثقافية في عدن على هذه المشاريع لإعادة الحياة إلى مرافق وأنشطة كانت تمثل جزءاً أساسياً من هوية المدينة، التي عُرفت تاريخياً بأنها واحدة من أبرز الحواضن الثقافية والفنية في اليمن.

في هذا السياق، أعلن مكتب وزارة الثقافة في عدن قرب إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، الذي أسسه الفنان الراحل أبوبكر القيسي في مديرية الشيخ عثمان، وافتُتح عام 1982 ليصبح آنذاك ثاني مسرح متخصص بالطفل في الوطن العربي.

شراكات بين مكتب الثقافة في عدن ومنظمات المجتمع المدني (إعلام حكومي)

وتشرف مديرة مكتب الثقافة في عدن، سميرة المشجري، على الترتيبات الخاصة بإعادة إحياء المسرح، في خطوة تهدف إلى استعادة دوره التربوي والثقافي بعد سنوات من التوقف والتراجع الذي طال معظم الأنشطة الفنية في البلاد.

وتتولى لجنة تضم الفنان توفيق عبده مصلح، أحد أبرز العاملين في المسرح منذ تأسيسه، إلى جانب نجل مؤسسه الراحل، مهمة جمع الدمى والأعمال الفنية والمقتنيات الخاصة بالمسرح تمهيداً لإعادة عرضها للجمهور، مع إدخال تحديثات تتناسب مع اهتمامات الأطفال في الوقت الراهن.

استعادة الدور الثقافي

خلال لقاء جمعها بالفنان التشكيلي والمسرحي توفيق مصلح، استعرضت سميرة المشجري المكانة التي احتلتها عدن لعقود بوصفها مركزاً للإبداع الثقافي والفني، مؤكدة أن المدينة لا تزال تحتفظ برصيد كبير من المواهب في مجالات الغناء والمسرح والفنون التشكيلية وفن الدمى المتحركة.

وأكدت المسؤولة اليمنية أن مكتب الثقافة يعمل على تنفيذ برامج ومبادرات لإحياء الأنشطة الفنية والإبداعية وإبراز الموروث الثقافي للمدينة، مشيرة إلى وجود توجه لإنشاء جناح خاص في مطار عدن الدولي للتعريف بتاريخ المدينة وتراثها الثقافي والحضاري أمام الزوار القادمين من الخارج.

كما شددت على أهمية الشراكة مع الفنانين والمبدعين ورواد العمل المسرحي، والاستفادة من خبراتهم في إعادة تفعيل مسرح الطفل وإحياء الأنشطة الثقافية التي غابت عن المدينة لسنوات طويلة.

من جهته، أشاد الفنان توفيق مصلح بالجهود الرامية إلى استعادة النشاط الثقافي والفني، معتبراً أن الاهتمام الرسمي بالقطاع الثقافي يفتح المجال أمام الفنانين والمهتمين للمشاركة في إعادة تنشيط الحياة الثقافية واستعادة مكانة عدن المعروفة تاريخياً.

أول فرقة موسيقية نسائية

في سياق موازٍ، يناقش مكتب الثقافة مع مؤسسة عدن للفنون والعلوم وشركائها تطوير مشروع «الفن مهنتي»، الذي يضم 14 فتاة يتلقين تدريبات على الموسيقى والعزف على الآلات الموسيقية بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع معهد غوته الألماني.

ويهدف المشروع إلى تأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن، بما يوفر مساحة أوسع لمشاركة النساء في الأنشطة الموسيقية والفنية، ويعزز حضورهن في المشهد الثقافي المحلي.

وناقشت سميرة المشجري مع رئيس المؤسسة عبد الله البكري ومنسق المشروع وهيب داوود فرص تطوير البرنامج والتحضير لمرحلته الثانية، بما يضمن استمرار التدريب وصقل مهارات المشاركات بإشراف مختصين في المجال الموسيقي.

تمهيد لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن (إعلام حكومي)

وأكد القائمون على المشروع أن الهدف لا يقتصر على تنظيم دورات تدريبية مؤقتة، بل يتعداه إلى تأسيس فرقة قادرة على الاستمرار والمشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية مستقبلاً، بما يسهم في توسيع قاعدة المشتغلين بالفنون في المدينة.

وأعرب عبد الله البكري عن أمله في إقامة حفل ختامي للمشاركات على مسرح مكتب الثقافة في مديرية المعلا، معتبراً أن احتضان المكتب للفرقة النسائية ورعايتها بعد انتهاء المشروع سيمثل ضمانة لاستمرارها وتطوير تجربتها.

وفي حين أشار إلى أن مدة التدريب الحالية لا تكفي للوصول إلى مستويات احترافية متقدمة، أكد أن المشروع وضع أساساً يمكن البناء عليه مستقبلاً، خصوصاً أن تعلم الموسيقى وإتقان العزف يحتاجان إلى فترات طويلة من التدريب والممارسة.