«الشرق الأوسط» في مهرجان قرطاج السينمائي (6) ... نجيب عياد: «قرطاج» لا يتشبه بأحد ونجومه المخرجون

المهرجان يعلن عن فائزيه غداً

من الفيلم المصري «يوم الدين»
من الفيلم المصري «يوم الدين»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان قرطاج السينمائي (6) ... نجيب عياد: «قرطاج» لا يتشبه بأحد ونجومه المخرجون

من الفيلم المصري «يوم الدين»
من الفيلم المصري «يوم الدين»

تسارعت الأيام بـ«أيام قرطاج السينمائي الدولي»، وبتنا قرب ساعات إسدال الستار على الدورة التاسعة والعشرين بعدما عرضت ما مجموعه 206 أفلام في أربع مسابقات وأربع تظاهرات وبرامج موازية.
الليلة يتم توزيع الجوائز، وغداً يعود الضيوف إلى حيث جاءوا محمّلين بالذكريات القريبة وبما شاهدوه وعاينوه من أفلام كانت تحتاج إلى هذا المهرجان لكي تطرح مواهب الواقفين وراءها، وتعزز لحمة الجمهور العريض، بكل فئاته، مع السينما وثقافتها وما تعنيه لمجتمعات اليوم.
لجان التحكيم شاهدت آخر أفلامها، أمس، والتأمت ليلاً، ومن المنتظر لها أن تصل إلى النتائج المرجوّة هذا اليوم ليصار إلى إعلانها غداً.
في نطاق الأفلام التسجيلية الطويلة، تم عرض 14 فيلماً طويلاً يبرز منها «سيلاس» لهاوا إسمان (جنوب أفريقيا) و«بنت قمرة» لهبة داودي (تونس) و«طرس - رحلة الصعود إلى غير المرئي» لغسان حلواني (لبنان) و«تأتون من بعيد» لأمل رمسيس (مصر).
هذا الأخير وثائقي يكشف النقاب عن مناضل فلسطيني ترك فلسطين في عداد من غادرها في العام 1948 إلى بيروت ومنها إلى ألمانيا وفرنسا، وبعد ذلك نجده يشارك القتال مع الجمهوريين ضد الجنرال الإسباني فرانكو. المخرجة تلتقي بابنتيه: واحدة تعيش في اليونان (بعدما كان لها دور في إذاعة «بي بي سي» العربي في الخمسينات والستينات من المقرن الماضي) والأخرى (الأكبر سناً) تعيش في موسكو وليس بينهما لغة مشتركة. خلال بحث المخرجة عن هاتين الشقيقتين المتباعدتين ودور والدهما في الحرب الأهلية في إسبانيا تتوقف جيداً عن محطات عاطفية كاشفة عما يخالج مشاعر كل من الشقيقتين من دون أن يسقط الفيلم في براثن العاطفية.
- ثوابت متميزة
المسابقة الروائية الطويلة تألّفت من 13 فيلماً، معظمها يصلح لدخول المنافسة النهائية عوض إلغائه من الاعتبار.
«البعض» يقول لي: أحد أعضاء لجنة التحكيم «وضع نصب عينيه فيلماً معيناً يريد منحه الجائزة الأولى حتى من قبل استيفاء باقي الأفلام».
هذا الفيلم قد يكون «ريح رباني» للجزائري مرزاق علواش، أو «مسافرو الحرب» للسوري جود سعيد، أو «يوم الدين» للمصري أبو بكر شوقي، و«فتوى» للتونسي محمود بن محمود. ومن المعقول إلى حد ذهاب الجائزة الأولى إلى «صوفيا» للمغربية مريم بن مبارك، أو إلى «رفيقي» للكيني وانوري كاهيو أو «ماكيلا» للكونغولي ماشيري إكوا، ومن المستبعد أن تذهب إلى «يارا» للعراقي عباس فاضل، وهو الفيلم الذي شهد أكبر قدر من خروج المشاهدين.
رغم ذلك، هناك كثيرون أعجبوا بجهد المخرج لفيلم عاطفي صوّره في لبنان حول شاب يخترق عزلة فتاة تعيش مع جدتها في بلدة هجرها أهلها.
استبعاد فيلم واحد أو فيلمين من الحصول على جوائز أولى هو برهان واضح على أن المهرجان أنجز دورة ناجحة قوامها أفلام يستحق كل منها جائزة في مضمار ما. لا يغيب هذا التقدير عن أفلام أفريقية أخرى مثل «سوبا مودا» للكيني (أيضاً) ليكاريون وايناينا أو للفيلم التونسي «ولدي» لمحمد بن عطية.
الناقد فقط هو الذي يتوسع قليلاً في أرجاء تلك الأفلام لينقب عن ملامح إيجابية أو سلبية قد لا تحتل الأهمية ذاتها لدى أفراد لجان التحكيم. لكن السعي لربط السينما العربية بالأفريقية، الذي بدأ واهناً من قبل، بات مكتملاً في الدورتين الأخيرتين كما يرى رئيس المهرجان نجيب عياد:
«نحن مهرجان عربي الهوية، وعربي - أفريقي الجغرافيا، مع امتداد صوب أميركا اللاتينية. ونحن مهرجان لا يتشبه بأحد ولا يريد أن يعتبر نفسه ندّاً لأي مهرجان آخر. هذا ما يسعدنا لأنه يمنحنا التميز ويؤكد ثوابتنا».
- ما هي هذه الثوابت، أسأله فيجيب:
«عندما قابلت المسؤولين كان في ذهني شيء واحد وهو الرجوع إلى الثوابت، الثوابت كانت العودة بالمهرجان إلى ركائزه ومنطلقاته. أنا لا أتحدث عن الحنين إلى الماضي أو النوستالجيا، بل أتحدث عن الحفاظ على الأهداف الحقيقية التي من أجلها أقيم هذا المهرجان، والتي كانت السبب في تميّزه عن سواه. بالنسبة لي الرجوع إلى الثوابت هو وضع المهرجان في قلب الحداثة بالنسبة لأيام قرطاج السينمائية».
عندما طُلب من نجيب عياد القيام بهذه المهمّة خلفاً لمن قاموا بها خلال السنوات السابقة، وضع رؤيته أمام وزير الثقافة والمسؤولين بوضوح وهؤلاء وافقوه على الفور:
«أتمتع بالحرية الكاملة والمسؤولية التامة. اتفقنا سريعاً على أن على المهرجان أن يحافظ على هويته دون التمدد صوب آفاق ليست من شأنه. نحن لا نريد أن نتشبه بأحد مثل (كان) أو سواه. ولا من مصلحة هذا المهرجان أن يتحوّل إلى سجادة حمراء يومية ترحب بالنجوم».
هذا كان نقد بعض الصحافة التونسية، وكان جواب عمّار هو «المهرجان مليء بالنجوم… النجوم هم المخرجون».
لم يجد نجيب عياد أي صعوبات في إقناع المسؤولين برؤيته. كانوا، مثله، يتطلعون إلى استمرار النهج الخاص بهذا اللقاء السينمائي السنوي على النحو الذي يؤمن تلك الخصوصية:
«لقيت كل الحماس من السلطة التونسية التي وضعت ثقتها بي، وتبعاً لهذه الثقة منحتني الموافقة على كل ما أريد القيام به».
بعض المفاجآت كانت بانتظار هذا السينمائي الذي سبق له وأن أدار مهرجاناً آخر في مدينة سوسة هو «مهرجان الطفولة والشباب» بنجاح. حصل ذلك عندما اختار أن تكون السنغال بلداً مكرّماً من أفريقيا. يشرح ما حدث بقوله:
«الترحاب الذي لقيته حال وصلت إلى داكار كان غريباً جداً. من المسؤولين والإداريين والسينمائيين من دون استثناء. قمت بندوة صحافية فتحولت إلى اجتماع شعبي حضره قرابة 40 سينمائياً، إضافة إلى كل الصحافة في السنغال».
العراق هو البلد العربي الذي تم اختياره في هذه الدورة للاحتفاء به. وعن تجربته هذه يضيف:
«ذهبت إلى بغداد. الندوة الصحافية حضرها أكثر من 300 شخص. من العراق عندي وفد من 60 شخصاً يرأسه وزير الثقافة. من السنغال عندي أكثر من 40 شخصاً يرأسهم أيضاً وزير الثقافة الذي أمضى هنا أسبوعاً بكامله».
- خمسة أصوات وما فوق
الاحتفاء بالسينما العراقية كان في واقعه بانوراما عريضة احتوت على 17 فيلماً. هناك أفلام من إنتاج العام الحالي، من بينها فيلم يحتفي بدوره بالسينما العراقية عنوانه «Cinema ‪+‬ 100» لجمال العبيدي، وأخرى من إنتاج الأعوام السالفة أبعدها زمناً «الحارس» لخليل شوقي.
عندما طار نجيب عياد إلى بغداد كان مطلعاً على بعض ما قد يحدث لو ترك الأمر كلية إلى مستقبليه:
«أصرّرت على أن يتم تشكيل وفد جامع لا علاقة له بمذهب أو مصلحة أو اتجاه دون اتجاه. طلبت أن يُعامل الجميع سواسية، وأن تمنح الفرصة لكل الاختيارات من دون تحبيذ خاص. وهكذا كان».
كانت هذه فرصة جيدة للسينما العراقية أن تثير من حولها الاهتمام الذي تستحقه. والمسؤولون تجاوبوا، كما يقول رئيس المهرجان، جيداً.
كل هذا وسواه يضاف إلى قائمة طويلة من الإيجابيات التي استطاع المهرجان إنجازها في عاميه الأخيرين. رغم ذلك، صرّح عياد للتلفزيونات التونسية بأنه سيترك المنصب مع نهاية هذه الدورة. أسأله عن السبب فيجيب:
«في الأساس اتفاقي هو لعامين، وقد أنجزت خلالهما ما أردت وفريقي إنجازه. أنا منتج في الأساس وأريد أن أعود إلى مهامي الإنتاجية».
لا يبدو أن عياد قلق على تبعات ذلك. ورداً على سؤال حول ما إذا كان يخشى أن يستلم المنصب من ليس كفؤاً، أو لا يستطيع تأمين النجاح ذاته قال:
«إذا حدث ذلك، فإن هذا يعني أنني لم أنجح. لأن النجاح يعني الاستمرار. لكن هناك عدة أشكال للوجود. من بينها أن أتولى مهاماً استشارية مثلاً. أفكر في طريقة أستطيع فيها الحضور من دون رئاسة. لأن هذا المهرجان يحتاج إلى وقت كامل. إلى سنة متواصلة من العمل، وهذا ما نقوم به بعدما تم تخصيص المكان الذي نستطيع، أنا وفريقي، العمل فيه طوال الوقت».
لا يرى رئيس المهرجان بداً من قيام «أيام قرطاج السينمائية» بعرض أفلام تدور حول ما يحدث في الواقع. وطريقة عمله، كما يشرحها، هي ترك حرية الاختيار للجنة المشاهدة المؤلفة من عشرة أشخاص:
«لا أرى كل الأفلام، لأن المنهج الذي أتبعه هو أنه إذا جلب الفيلم المرسل إلينا خمسة أصوات من قبل لجنة الاختيار دخل المسابقة. إذا صوت له أقل من خمسة، قمت بمشاهدته بنفسي لكي أتأكد من صلاحيته أو عدمها».
الناتج والحصيلة هي توزع قضايا يخوضها العالم العربي على أكثر من فيلم.
ففي عداد الأفلام التي تتحدث عن العلاقات الأسروية شاهدنا «صوفيا» لمريم بن مبارك (المغرب) و«فتوى» لمحمود بن محمود (تونس) و«ولدي» لمحمد بن عطية (تونس) و«في عينيا» لنجيب بلقاضي (تونس) و«عزيزة» لمحسن بصري (المغرب).
بعض هذه الأفلام كانت لها قضاياها المتعلقة بآفة التطرف والعمل الإرهابي مثل «فتوى» و«ولدي»، وهما ينضمان إلى فيلم «ريح رباني» لمرزاق علواش (الجزائري).
كذلك سادت الأفلام التي تتحدث عن أشخاص مصابين بمرض عضال أو بتشويه جسدي أو بعارض صحي دائم. هكذا حال «يوم الدين» (عن الجذام) وحال «ولدي» (صداع نصفي) وحال «في عينيا» (التوحد) والفيلم القادم من الكونغو «ماكيلا» (الإدمان) والفيلم الكيني «سوبا مودو» (يدور حول فتاة على بعد أيام من الموت).
الأفلام التي خرجت عن هذه التصنيفات هي «رفيقي» (كينيا) و«مسافرو الحرب» (لبنان) و«يارا» (العراق).
وجرت العادة على أن تستولي النواحي الضمنية على لجان التحكيم. أفلام كثيرة في تاريخ المهرجانات كافة مُنحت جوائز بسبب مواضيعها وليس بسبب كفاءاتها وكيفيات معالجتها لتلك المواضيع. وهناك من لجنة التحكيم في هذه الدورة الآيلة لإغلاق الستارة على أفلام المسابقة (تتواصل عروض خارج المسابقة ليومين) قد تشهد مثل هذا الوضع لكثرة الأفلام التي يمكن أن يُحكم عليها عاطفياً.
لكن هذا مجرد احتمال. وحتى ولو حدث ذلك فإن هذه الدورة شهدت النجاح الجيد الذي طمحت إليه على أكثر من صعيد. السينمائيون كانوا بوفرة حاشدة والجمهور كان، كعهده، شغوفاً جداً بمتابعة كل ما يعرض على شاشات المهرجان. بين الاثنين، السينمائيين والجمهور، يكمن الوجه البديع «لأيام قرطاج السينمائية».
- الأفلام والممثلون المستحقون
> ليس معروفاً، بطبيعة الحال، من ستؤول إليه جوائز المهرجان من أفلام أو سينمائيين، لكن المؤكد هو أن المنافسة شديدة، والأنظار كلها تتوجه منذ يومين إلى تلك اللحظة التي سيتم فيها إعلان النتائج.
التالي ما نراه مستحقاً أكثر من سواه، وربما بعض ما يرد هنا سينال بالفعل تلك الجوائز المنتظرة:
-- أفضل فيلم:
- اختيار الناقد: «فتوى» لمحمود بن محمود (تونس)
- الفوز المتوقع: «فتوى» أو «مسافرو الحرب» لجود سعيد (لبنان)
-- جائزة لجنة التحكيم الخاصة:
- اختيار الناقد: «في عينيا» لنجيب بلقاضي (تونس)
- الفوز المتوقع: «مسافرو الحرب» أو «يوم الدين» لأبو بكر شوقي (مصر)
-- أفضل سيناريو:
- اختيار الناقد: «فتوى»
- الفوز المتوقع: «ريح رباني» لمرزاق علواش (الجزائر)
-- أفضل إخراج:
- اختيار الناقد: محمود بن محمود عن «فتوى»
- الفوز المتوقع: لمحمود بن محمود عن «فتوى» أو لنجيب بلقاضي عن «في عينيا»
-- أفضل ممثل:
- اختيار الناقد: أحمد الحفيان عن «فتوى»
- الفوز المتوقع: نضال سعدي عن «في عينيا» ومحمد ظريف عن «ولدي» لمحمد بن عطية (تونس)
-- أفضل ممثلة:
- اختيار الناقد: أمور لومبي عن «ماكيلا» (كونغو)
- الفوز المتوقع: مها علمي عن «صوفيا» لمريم بن مبارك (المغرب)


مقالات ذات صلة

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثلاً السعودية بمسابقة الأفلام العربية بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» التي تنطلق 27 أبريل

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق بطلة فيلم «هجرة» السعودي تتسلم جوائزه (مهرجان مالمو)

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

تقاسم الفيلمان المصري «كولونيا» والسعودي «هجرة» صدارة جوائز الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، بعدما حصدا 5 جوائز في حفل الختام.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من حكاية تقليدية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».